بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن لغة القلوب هي المحبة والمحبة تزيد في القلب عند الإهتمام والتعاون والتناصح والتآخي والنُصرة والتآزر. الخ ومن زيادة المحبة هي إعطاء الهدية كما قال النبي ﷺ: "تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء" الموطأ برقم (1635)، و*الشحناء*(هي العداوة) المصدر السابق ما تحت الخط ص (505) فتكون الهدية هي الطريق الرابط بين القلوب محبة وتفتح بابا للصداقة بين الناس، وقد قال الشاعر:
إن الهدية حُلوة كالسحر تجلبُ القلوبا
يُعيد مُعتضد العداوة بعد نُفرته حبيبا
100 سؤال وجواب لمصطفى كامل، ومن أفضل الهدايا هي ما يُأكل لأن المعدة هي التي تدفع القلب للغرق في المحبة وقد قال الشيخ عرفان (المطاعمة توجب الألفة وتؤدي إلى الخلطة بل هي أوثق عرى المداخلة) جامع المهلكات له ص (553)، والمطاعمة أي الإطعام والهدية من الطعام هي ما يُرسل للناس إلى بيوتهم، وقد قال النبي ﷺ: "لو دُعيت إلى كُراع لأجبت ولو أهدي إلى كُراع لقبلت" رواه البخاري برقم (5178). وقد قيل لرسول الله ﷺ: *ذلك لحم تُصُدِقَ به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة*، فقال عليه الصلاة والسلام: "هو عليها صدقة وهو لنا هدية" الموطأ برقم (1176).
وثاني أفضل هدية هي الكتاب لأنه يفتح للعقل أبواب العلم وثالث أفضل الهدايا هو المال لأنه يُدهش البصر ويقضي المرء به الحاجات ورابع أفضل الهدايا تكون بين الألبسة والأثاث المنزلي وغيره من المستلزمات فكلها تُثلج الصدر فرحا فتزداد الصداقة بين الناس وقد أرسل رسول الله ﷺ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعطاء فرده عمر فقال له رسول الله ﷺ: "لِم رددته" فقال: (يا رسول الله أليس أخبرتنا أن خيرا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئا)، فقال رسول الله ﷺ: "إنما ذلك من المسألة فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رِزق يرزقكه الله" الموطأ برقم (1835).
وقال عليه الصلاة والسلام في الهدية أيضا: "خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك" رواه البخاري، وهذه أدلة بأن الهدية تُقبل ولا تُرد لكن هناك حالات تُرد فيها الهدية ولا تُقبل ومنها كما قال الشيخ عبد الرحمان البغدادي رحمه الله (فمن كان ماله حراما لَم تَجُز معاملته وأكل طعامه وقبول هديته وإن كان مشتبها كُره والأولى التنزه) إرشاد السالك ص (118)، مثل شخص تعرفه يبيعُ المخدرات أو الخمور أو يتعامل بالربا والرشوة أو هو سارق. الخ
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله (الفقهاء يقولون يُحرم قبول الهدية إذا كان المهدي قد أهداها حياءً وخجلا) الكنز الثمين ص (123)، وعلامات الحياء والخجل واضحة من إحمرار الوجه وذبول العين وخِفة الصوت وطأطأت الرأس والمشي الثقيل. الخ، فإن رأيت إحدى هذه العلامات في المهدي فارفض هديته فإن كرر وأصرَّ على الإهداء فلا بأس بقبول ذلك لأن هذا يُعتبر رغبة في الإعطاء.
وقد سُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وقيل له: *أهديت لبعض الإخوان كتابا وبعد مدة إشترى هذا الأخ نفس الكتاب ثم أعاد علي الكتاب الذي أهديته كهدية منه لي فهل أقبل هذه الهدية؟* فقال: (لا تقبل هذه الهدية) المصدر السابق ص (118)، أي مثل شخص يهدي لك كتاب رياض الصالحين للنووي فتذهب أنت وتشتري نفس الكتاب والعنوان لنفس المؤلف بغلاف مغاير وتهديه له وهذا مصداقا لقوله ﷺ: "العائد في هيبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" رواه الشيخان، ولهذا غيِّر الكتاب ولا تهدي له نفس ما أهداك به فالكتب لها فروع في العلم ومنها أنواع كثيرة وهو قياس لكل الهدايا فلا تهدي نفس ما أهدي إليك بل غيِّر النوعية شخص أهداك قميص مثلا فلا تهدي له أنت القميص بل إختر شيء آخر له مثل كتاب أو زجاجة مسك أو هاتف. الخ، ولك حرية الإختيار في هذا الباب ومن الهدايا التي تُرد ولا تُقبل هو مثل قوله ﷺ: "هدايا العمال غلول" رواه أحمد، وقال أيضا: "أما بعد فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول هذا من عملكم وهذا أهدي لي أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يُهدى له أم لا". رواه البخاري، مثل مُوزع البريد فيتقاضى أجرة على عمله من الدولة فإذا أخذ رسالة أو ملف لشخص ما إلى بيته فقد يزيده ذاك الشخص شيئا كهدية منه له وهذه هي معنى *هدايا العمال غلول* وقس على ذلك، وقد قيل لعمر بن عبدالعزيز رحمه الله (ألم يكن رسول الله ﷺ وأبوا بكر وعمر يقبلان الهدية؟ فقال إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة) جامع المهلكات ص (365).
قال الشيخ أبوا هلال العسكري رحمه الله (الفرق بين الهبة والهدية أن الهدية ما يُتقرب به المهدي إلى المهدى إليه وليس كذلك الهبة) الفروق اللغوية له ص (189)، فالهدية لتقوية الصداقة وزرع المحبة وأما الهبة فهي لتقوية المحبة والمقصود منهما واحد وهو تطوير العلاقات بكل أنواعها أما المفهوم العام فيختلف فالهدية تكون بين الجميع حتى مع الكافر والفاجر وتكون من الغني إلى الفقير أو العكس من الفقير إلى الغني لكن الهبة لها خصوصيات وتكون في الأسرة الواحدة أكثر ومقامها دائما للأقدر والأقوى والأغنى فتجد الأب يهبُ لأبنائه ما يُريد وتجد الحاكم يهب لرعيته ما يُريد وتجد الغني يهب لعماله ما يُريد وهكذا وأما الهدية فتُعطى لحلول مناسبة أو دون مناسبة كهدايا الأعراس والنجاحات. الخ
أما الهبة فتكون دون مناسبة والهدية هي جزء من الهبة ولا تكون الهبة جزء من الهدية قال العلماء (الهدية إذا شُرفت وخرجت عن حد الحقارة وقعت موقعا حسنا عند المهدى إليه ودلت على شرف نفس المهدى وكبر همته) تُحفة المودود لابن القيم ص (50)، قال يحيى بن خالد البرمكي (ثلاثة أشياء تدل على عقول أصحابها. والهدية تدل على مقدار عقل هاديها) النوادر والنتف للأصبهاني ص (159)، فالهدية تلعب دور كبير في الحياة الإجتماعية وتُساهم في المحبة والصداقة وتطوير العلاقات بل وتُساهم أيضا في إنهاء حد الخلافات والمعادات بين المسلمين فيما بينهم وقد قال النبي ﷺ: "ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه". رواه أبوا داود وغيره، أي هو لا يؤجر من طرف الدولة فتكون هنا مكافئته بالهدية.