بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
اتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من بادرَ الأعمالَ استدركَها، ومن جاهَدَ نفسَهُ مَلكَها، ومن سارَ على الطريق سَلكها، ومن طلب التّقوى بصدقٍ أدركها. و{مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
معاشر المؤمنين الكرام: حين يتأمَّلُ المؤمنُ آياتِ المحبةِ في كتاب اللهِ جلَّ وعلا، يجدُ واللهِ أمرًا عجبًا. يدرك أن علاقَة اللهِ تبارك وتعالى بعبادةِ المؤمِنينَ عَلاقةٌ مُميزةٌ، علاقةٌ تَفِيضُ رحمةً ووُدًا، ورأفةً ولُطفًا. فاللهُ جلَّ جلالهُ يُحِبُّ المؤمنين، ويُحِبُّ المحسنين، ويُحِبُّ الصابرين، ويُحِبُّ المتوكلين، ويُحِبُّ المقسِطين، ويُحِبُّ المتقين، ويُحِبُّ التوابين ويُحِبُّ المتطهرين، ويُحِبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفًا.
ومحبة الله يا عباد الله هي أعظم عبادات القلب وأهمها وأساسها.
وهي من ألزم لوازِم الإيمان، ولا يتمُّ التوحيدُ حتى تكتملَ محبَّةُ العبد لربِّه، فليس هناك شيءٌ يُحبُّ لذاتِه من كل وجهٍ إلا اللهُ سبحانه الذي لا تصلح العبوديَّةُ والخُضوعُ والمحبَّةُ التامَّةُ إلا له سبحانه.
محبَّةُ الله سبحانه شأنُها شأن آخر؛ فهي نعيمُ الأرواح، وراحةُ القلوب، وقُوتُ النفوس، ونورُ العقول، وقرَّةُ العيون. ولا شيءَ أحبُّ إلى القلوبِ من خالقِها وفاطِرها، فهو إلهُها الذي تُنيب إليه، ومعبودُها الذي تخضع له، ووليُّها الذي تتوكّل عليه، ومولاها الذي تستند إليه، وربُّها ووليُّ نعمتِها، بيدِه حياتُها ومماتُها، ومنه رزقُها وهدايتُها، وإليه مصيرُها ومرجعها.
محبة الله حصنٌ في زمن الخوف، ونورٌ في زمن الظلمة، وثباتٌ في زمن الفتن، وطمانينةٌ في زمن الاضطراب.
محبة الله انقيادٌ يجرّك إلى الطاعة ولو ثقلت. وتعظيمٌ يملأ القلب مهابةً وإجلالا. وشوقٌ يدفعك إلى لقائه ولو طال الطريق. وحياءٌ يمنعك من معصيته ولو طغت الشهوة.
حُبُّ اللهِ ومحبَّتهُ. رُوحٌ من حُرِمَها فهو من جُملةِ الأمواتِ، ونُورٌ من فَاتهُ تاهَ في بِحارِ الظُلمَاتِ، وعافيةٌ من فَقدَها حَلَّتْ به الآفَاتُ، وأُنسٌ من لم يَظفرْ بهِ تَقطعتْ نفْسُهُ حَسراتٌ.
وفي صحيح البخاري أنَّ النبي ﷺ قال: إنَّ اللهَ تعالى إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أُحِبُّ فلانًا فأحبِبهُ، فيُحِبهُ جبريلُ، ثم يُنادِي جبريلُ في السماء، فيقول: "إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، قالَ ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ".
يا عباد الله. نحن نعيش في زمنٍ تتزاحم فيه الشهوات، وتتدفق فيه الملهيات، وتشتعل فيه الفتن والشبهات، وفي مثل هذه الأحوال فلا يثبت إلا قلب أمتلأ بحب الله.
فإذا أحببتَ الله. لم تُغرك الشهوات، ولم تستهويك المغريات، ولم تضرك الفتن والشبهات بإذن الله.
إذا أحببتَ الله. صغرت الدنيا في عينيك، وعظمت الآخرة في قلبك، فكنت من أهل الدنيا بجسمك، ومن أهل الآخرة بقلبك.
إذا أحببتَ الله. رأيت البلاء لطفًا، والمنع عطاءً، والتأخير خيرة.
إذا أحببتَ الله. لم تَستوحِش من قِلّة السائرين، ولم تَغترّ بكثرة الغافلين، ولم تَرجُ إلا وجهه الكريم.
إذا أحببتَ الله. خشعت جوارحك، ولان قلبك، واطمأنّت نفسك، وسكنت روحك إلى وعد الله ووعيده.
إذا أحببتَ الله. وجدت للطاعة حلاوة وأنسًا، وللعبادة شوقًا وإقبالًا، وللخلوة معه حياةٌ لا يعرفها إلا أهلها. تصلي فتود ألَّا تنتهي الصلاة، تقرأ القرآن فلا تريد أن تُغلق المصحف، تذكر الله فلا تمل من كثرة ذكره.
إذا أحببت الله. صار أعظم أهدافك، وأكبر همومك كيف تُرضي الله، وكيف تصل إلى محبة الله لك.
إذا أحببتَ الله. صلحت سريرتك فاستقامت علانيتك، وصَفَت نيتك فحَسُن عملك، وهانت عليك نفسك، وعظُم عليك أمر ربك.
إذا أحببتَ الله. كنت عبدًا له على الحقيقة، لا تهزّك الفتن، ولا تغريك الدنيا، ولا يقطعك شيءٌ عن السير إليه. لأن قلبًا أحبّ الله لا يموت، وروحًا عرفت ربها لا تضل، ونفسًا وجدت معناها عنده، لا تبحث عن نورٍ سواه.
وحقيقةُ المحبَّة الصحيحة الصادقة: أن تهبَ نفسك وكلَّك لمن أحبَبتَه جل وعلا. وأن تسبِقَ محبَّتُك لهُ جميعَ المحابِّ وتغلِبَها، وأن تكون سائرُ محابِّك تبَعًا لهذه المحبَّة الأساس. في الحديث القُدسي الصحيح، قال الله تعالى: "وما يزالُ عبدِي يتقربُ إليَّ بالنوافلِ حتى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يَبْطِش بِهَا، ورِجلَهُ الَّتِي يمْشِي بِهَا، ولَئِن سأَلنِي لأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَّنه".
فشرط محبَّة الله تعالى: إيثارُك لمحبوباتِه على نفسِك وروحك ومالِك، ثم مُوافقتُك له سرًّا وجهرًا، ثم عِلمُك بتقصيرِك في حبِّه وحقه؛ أي: أن يكون كلُّك بالمحبوب مشغولًا، ونفسُك له مبذُولة، مع سفر القلب في طلب المحبوب، ولهَج اللسان بذِكره على الدوام، وجاء في حديث صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "وأسألُك حبَّك، وحبَّ من يُحبُّك، وحبَّ عملٍ يُقرِّبُ إلى حُبِّك".
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا • فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا}.
معاشر المؤمنين الكرام: واللهِ إنَّ إكْرامَ اللهِ تعالى لعبدِهِ المؤمِن بأنْ يجعلَ قلبهُ عامِرًا بحُبِّ اللهِ تعالى، والله إنَّ ذلكَ لأمرٌ هائلٌ عظيمٌ، وفضلٌ غامِرٌ جزيلٌ. فكيفَ إذا تَفضَلَ الكريمُ الأكْرَمُ على عبدهِ فأحبَّهُ. لا إله إلا الله، فاللهُ العظِيمُ الجلِيلُ، العليُ الكبير، مَالِكُ الأمْلاك وربُّ الأفْلاك، خالق هذا الكَونِ الهائِلِ ومدبرهُ، يَتفضَلُ على عَبدهِ فيُحِبَّهُ، واللهِ إنَّهُ لأمرٌ لا يُحِيطُ بوصفِهِ بَيانٌ، ولا يُعَبِرُ عنهُ أبلَغُ لِسَانٍ.
ولمن يسأل كيف أعرف أني أحب الله، فإن من علامات محبة الله: التلذذ بالعبادة: فمن أحب الله وجد في الطاعة لذة لا يجدها أهل الملذات، في الحديث الصحيح قال ﷺ: "وجُعلت قرة عيني في الصلاة".
ومن علامات محبة الله: الحياء من الله. حياءٌ يمنع من فعل المعصية وترك الطاعة. ومن علامات محبة الله سرعة الرجوع بعد الذنب. فالمحب قد يزل، لكنه سريع الرجوع والأوبة. ومن علامات محبة الله: محبة الطاعة وكراهية المعصية. فالمحب يحب ما يحبه الله، ويكره ما يكرهه الله، ولو خالف هواه. ومن علامات محبة الله رضا القلب بقضاء الله وقدره ولو كان فيه ما يكره.
يا عباد الله. إذا عرفنا أهمية محبة الله، وآثارها الحميدة، فإن هنا أسبابا تعين على تحصيل هذه المحبة وتقويها.
أولها وأعظمها: معرفة الله بأسمائه وصفاته. فالمعرفة أصل كل محبة. ولا يمكن للإنسان أن يحب شيئًا يجهله، فالمؤمنُ متى عرفَ ربَّه أحبَّه. وكلما ازداد الانسان معرفة بربه تبارك وتعالى، وتعلم ما أمكنه من أسماءه الحسنى وصفاته العلا. كلما ازداد محبة لله تعالى وقربا منه. فأسماءُ العظمةِ والكبرياء، والمجدِ والجلالِ والهيبة، تملأ القلبَ تعظيمًا للهِ وإجلالًا، وأسماءُ الجمالِ والبرِ والإحسان، والرحمةِ والحلمِ والجود، تملأُ القلبَ محبةً للهِ وشوقًا، وحمدًا له وشكرًا؛ وأسماءُ العزِّةِ والحكمة، والقوةِ والقدرة، تملأُ القلبَ ثقةً ويقينًا، وتوكلًا واعتمادًا، وأسماءُ العلمِ والخبرة، والإحاطةِ والمراقبةِ والمشاهدة، تملأُ القلبَ تقديرًا وتوقيرًا للهِ جلَّ وعلا، وأسماءُ المُلكِ والغنى، والرزقِ والهداية، واللطفِ والحفظ، تملأُ القلبَ افتقارًا واضطرارا إليه، والتفاتًا إليه في كل وقتٍ وحال. وأعرفُ الناس بالله أشدُّهم له حبًا وخشية ورجاءً، وأكثرهم تعظيمًا له وإجلالًا. {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
ومن أعظم أسباب نيل محبة الله تعالى: اتباع النبي ﷺ. فلا تتحقق المحبة بدون اتباع. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. فمن أحب الله لزم سنة نبيه، ومن أحب النبي أطاعه، ومن أطاعه أحبه الله. والاتباع ليس قولا وادعاء، وإنما أعمالٌ وطاعات تُنفذ، وأخلاقٌ وآداب تُتَّبع.
ومن أعظم الأسباب: الإكثار من ذكر الله. فالذكر غذاء الأرواح، وحياة القلوب، وهو الباب الأعظم للدخول الى محبة الله. قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم مِنْ أَنْ تلقَوْا عدوَّكُمْ فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟" قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "ذكر الله عز وجل". وفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ المتفق عليه: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ".
ومن أعظم أسباب محبة الله تعالى: قراءة القرآن بتدبر. فلَا شَيْءَ أَصْلَحُ لأحْوَالِ المسلمِ، ولا أعظمَ لهُ بركةً ونفَعًا، مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ الكريمِ، فمن تدَبَّرَ القُرآنَ دَلَّهً على كًلِّ خَيرٍ، وحَذَّرَهُ مِنْ كُلِّ شّرٍّ، وأبانَ لهُ الحلالَ والحرَامِ، وعَرَّفَهُ بأسمَاءِ رَبِّهِ الحُسْنَى، وصِفَاتِهِ العُلَى، وشَوَّقَهُ إلى ثَوابِهِ العَظِيمِ، وخَوَّفَهُ من عِقَابِهِ الألِيمِ. {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
والمسلم إذا تدبر القرآن العظيم، وتفكر في أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، أشهده مَلِكًا عظيمًا، مقتَدِرًا حكيمًا، واحدٌ في مُلكِهِ، مُستويً على عرشه، يدبرُ أمرَ عبادهِ ومملكته، يأمرُ وينهى، يخلقُ ويرزق، يُبدئُ ويعيد، يحييُ ويميت، يخفضُ ويرفع، يقضي ويحكم، عليُّ كبيرٌ، عزيزٌ قديرٌ، تفرَّد بالخلق والتدبير، {ليسَ كمثله شىءٌ وهو السميعُ البصيرُ}.
ومن أعظم أسباب نيل محبة الله تعالى: إحسان العمل الصالح، فالله تعالى يقول: {وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين}.
والإحسان من أعظم ما يريدهُ الله تعالى من عباده المؤمنين، تأمل: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، وتحُسينُ العبادةِ أمرٌ زائدةٌ على مجرَّد الأداء، وهذا الأمر هي التي تبلُغُ بالعبدِ منازلًا عظيمةً من القَبولِ والمغفرةِ والرضوان. ويصنع فارقًا ضخمًا في الأجور والثمرات. وقد علق الامام النووي رحمه الله على حديث الإحسان: *أن تعبد الله كأنك تراه*، بكلام نفيس فقال: *هذا من جوامع كلِمهِ ﷺ؛ لأنَّا لو قدَّرنا أنَّ أحدًا قامَ في عبادةٍ وهو يُعايِن ربَّهُ سبحانهُ وتعالى، فإنه لن يترُك شيئًا مما يقدِرُ عليهِ من الخضوعِ والخشوعِ وحُسنِ السَّمتِ، وأداء العبادة على أفضل الوجوهِ إلا أتى به*.
الا فاتقوا الله عباد الله، واجتهدوا فيما يقربكم من الله، ويورثكم محبته ورضاه. {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين}.
يا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين