يا تارك الصلاة إلى أين

183
3 دقائق
7 رمضان 1447 (24-02-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فإن الله تعالى أخبرنا في كتابه وقال: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} المدثر (38)، أي عملك اليوم سواء كان خيرا أو شرا فهو مرهون لك غدا تجده أمامك مُجسدا ولن ينفع غيرك إن كان خيرا وأما إن كان شرا فلن ينفعك أحد بما له من خير لقوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)} عبس.

فلماذا هذا الفِرار من أعز الناس؟ نَعم لكي لا يُعطيك حسنة واحدة من عنده والله عزوجل قد ذَكر أصول الأهل، والأخوة هنا أي لكل مسلم عرفته في الدنيا فإن كان الفِرار من أخوة الولادة حتمي فكذلك سيكون الفِرار من أخوة الإفادة قَطعي والذي يفر من أمه سيفرُ أيضا من أخواله والذي يفر من أبيه سيفرُ من أعمامه والذي يفر من والديه سيفرُ من أجداده والذي يفر من (صاحبته) أي زوجته سيفرُ من أهلها أيضا والذي يفر من أولاده سيفرُ من أحفاده.

وقوله تعالى: {بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} قال أهل العلم (أي محبوسة) فتكون محبوسة عن الجنة لأنها لم تتب في الدنيا من الكبائر وترك الصلاة من أعظم الكبائر.

قال ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية (أي متعلقة بعملها يوم القيامة) تفسير ابن كثير (4/623)، فيا تارك الصلاة أنت تعلم أن الحياة في الدنيا تنتهي بالموت وحياة الآخرة تبدأ من القبر ولا أحد يعلم متى يموت إلا الله وقد لا يوفق بعضنا في التوبة قبل موته.

قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} الأعراف (34)، ومن سكن القبور وهو لم يوفق للتوبة فسيقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا} المؤمنون (100)، فقلبه سيمتلأ بالندم الشديد والحسرة حين لا ينفع الندم ولا البكاء فنفعك اليوم لنفسك قاصر بأجل محدد فإذا جاء الموت فجأة فلن تجد في قبرك مناصرا إلا عملك الصالح ورأس هذه الأعمال كلها هو التوحيد ثم الصلاة فإن لم يكن من أهل الصلاة {فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} الفجر (28).

وقد قال النبي ﷺ: "أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله الصلاة فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن نقصت فقد خاب وخسر" السلسلة الصحيحة.

وجاء في حديث ضعيف "ومن ترك الصلاة فلا دين له" ضعيف الجامع، وقال ﷺ في حق من يخرج من النار يوم القيامة "أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود" رواه البخاري، أي الله عزوجل هو من يأمر الملائكة والسؤال هنا هل الذي لا يصلي من أين تأتيه هذه العلامة؟ فهؤلاء دخلوا النار بمعاصيهم سواء كانت كبائر أو صغائر ثم نجوا بسبب التوحيد والصلاة، فالصلاة كانت لهم نجاة بعد أن ظهرت عليهم علامات السجود في الوجه واليدين فمن أين تأتي النجاة لتارك الصلاة؟

كتبت هذا المقال لأن هناك فئة في شهر رمضان تأتي وتسأل عن حُكم تارك الصلاة أي الذي يصوم ولا يصلي وقد تجده يضحك وكأن الأمر هيّن، قال تعالى:

{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} النور (15).

فاعلم يا تارك الصلاة أنك إن صليت فلن تنفع أحد بهذه الصلاة إلا نفسك وإن تركتها فلن تضُر أحدا بتركك إياها إلا نفسك وإن لم تَقبل النصيحة ولم تُقبل على الصلاة من الآن فقد قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} القصص (56).

فما علينا إلا البلاغ وعلى الله الحساب والكثير من الناس يقعون في الإرجاء فتجد أقوالهم إما أن يقولوا ”الدين في القلب” ويتناسى أنه (قول باللسان وعمل بالجوارح أيضا يزيد وينقص) أو يقولون ”قلوبنا بيضاء” وهُم لا يصلون أو يقعون في الكبائر من المحرمات فلا نعلم من أين إبيَضّت قلوبهم فترك الصلاة معصية والمعصية سببٌ من أسباب سواد القلب فكيف يكون أبيض وهو لا يركع لله ركعة وكذلك منهم من يستدل بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} المائدة (39)، وينسى قوله عزوجل: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} المائدة (98)، والرحمة يوم القيامة لا تكون إلا لمن إستحقها وقدم أسبابها.

قال تعالى حكاية عن تُراك الصلاة {يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)} المدثر، فتارك الصلاة هو مُجرم بدليل هذه الآية وهو ظالم لنفسه ولا أحد يدفع ثمن خطئه فقد قال النبي ﷺ: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" رواه الترمذي وغيره.

وفي رواية "فقد أشرك" أي ”بيننا” نحن المسلمين ”وبينهم” أي الكفار.

واعلم أن العلماء قد إختلفوا في تارك الصلاة هل يُغسل أم لا؟

هل يصلى عليه أم لا؟

هل يُدفن في مقابر المسلمين أم لا؟

هل يُترحم عليه أم لا؟. الخ

وهذا إن دلّ على شيء دلَ على عِظم خطورة هذا الأمر والله المستعان واعلم أن من مات وهو تاركٌ للصلاة فقد مات على سوء الخاتمة فلا تقل سأصلي فيما بعد بل الآن إذهب الآن واغتسل ثم إبدأ الصلاة وادعوا الله لنفسك بالتوفيق والهداية وابكي في سجودك لعلها تكون ساعة إستجابة.

قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)} الماعون، فالويل قيل (أنه وادٌ في جهنم) وهذا في حق من يُأخر صلاته عن وقتها فمبالك بمن لا يُصلي مطلقا.

اللهم رُدنا إليك ردا جميلا وأصلحنا كما أصلحت الصالحين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق