بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
ليست كل الشهادات وليدة الإيمان، فبعضها يولد من قلب العقل البارد، ومن ميزان السياسة، ومن قراءة الوقائع بلا عاطفة. وشهادة هرقل ملك الروم من هذا القبيل؛ شهادة خرجت من فم رجلٍ لم يُسلِم، لكنها خرجت صادقة، ثقيلة، ومحرِجة.
حين استُدعي أبو سفيان –وكان يومها على الشرك– لم يقف هرقل ليسأله عن المعجزات ولا عن الغيب، بل بدأ يسأل كما يسأل الملوك العارفون بسِيَر الأنبياء: أسئلة ذكية، مرتبة، كأنها امتحان قديم محفوظ.
سأله: هل قال هذا القول أحد قبله؟
فكانت الإجابة: لا.
فقال هرقل: لو قاله أحد قبله لقلت رجل يقلد من سبقه.
ثم سأله عن نسبه: هل كان من آبائه ملك؟
قيل له: لا.
فقال: لو كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه.
ثم سأل السؤال الأخطر: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
قال أبو سفيان: لا.
فقال هرقل كلمة تُكتب بماء الذهب:
«ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله».
من لا يكذب على البشر، لا يخترع كذبًا على السماء.
ثم انتقل إلى أتباعه: أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟
قيل: ضعفاؤهم.
فقال هرقل بهدوء العارف: هكذا أتباع الرسل.
ثم سأل: أيزيدون أم ينقصون؟
قيل: بل يزيدون.
فقال: كذلك الإيمان، يبدأ غريبًا، ثم يتم ويستقر.
ثم سأل سؤال القلوب: هل يرتد أحد منهم سخطًا لدينه بعد أن يدخل فيه؟
قيل: لا.
فقال هرقل: كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، لا يخرج منها.
ثم سأل عن الغدر، فقيل: لا يغدر.
فقال: وكذلك الرسل لا تغدر.
ثم سأل عن القتال، فقيل: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه.
فقال: كذلك الرسل، تُبتلى ثم تكون لهم العاقبة.
ثم جاء السؤال الأخير، سؤال الجوهر: بماذا يأمركم؟
قيل: ينهانا عن الشرك، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصدق، وصلة الرحم، والصدقة.
هنا صمت هرقل قليلًا، ثم قال كلمته التي هزّت المجلس:
«فإن كان ما تقول حقًا، فسيملك موضع قدميّ هاتين».
لم يكن كلام شاعر، ولا نبوءة متحمس، بل استنتاج سياسي ديني بارد: هذا الرجل نبي، وهذه سنن الأنبياء، وهذه نهاياتهم.
ثم قالها صريحة:
«وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم».
كان ينتظر نبيًا… لكنه لم يتخيل أن يخرج من العرب.
بل تجاوز ذلك فقال:
«ولو أعلم أني أخلص إليه، لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه».
كلمات ثقيلة خرجت من فم ملكٍ يعلم ما يقول، ويعلم ثمن ما يقول.
ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ، ذلك الكتاب الذي بدأ بـ:
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾
ومن محمد بن عبدالله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم…
دعوة صريحة، بلا مواربة:
"أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين".
وحين قرأ هرقل الرسالة، تغيّر وجهه، واضطرب مجلسه، وارتفعت الأصوات، وضجّ الناس. لم يكن الاضطراب بسبب ضعف الحجة، بل بسبب قوتها. الحق إذا واجه العروش، أحدث زلزالًا.
خرج أبو سفيان وأصحابه، وهم يتهامسون، يهربون من الموقف، فقال أبو سفيان كلمته التي تختصر المشهد كله:
«لقد أمر أمر ابن أبي كبشة… لقد خافه ملك الأصفر».
ومنذ ذلك اليوم –كما يقول أبو سفيان– علم في قرارة نفسه أن هذا الدين سيظهر، وأن هذا الرجل لن يُهزم. لم يُسلِم حينها، لكن اليقين دخل قلبه قبل الإسلام بسنوات.
وهنا المفارقة المؤلمة: هرقل عرف الحق، وشهد له، لكنه لم يتبعه. عرفه بعقله، وخسره بعرشه.
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33].
شهادة هرقل ليست قصة تاريخية تُحكى، بل ميزان يُعرض على القلوب:
قد تعرف الحق، وقد تشهد له، لكن السؤال الحقيقي…
هل تملك الشجاعة أن تتبعه؟