بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
إن طريق المؤمن إلى الله تعالى ليس طريقًا مستقيم الخطى دائم الاندفاع، بل هو طريق تتخلله فترات قوة وضعف، ونشاط وفتور. وهذه سنة كونية ماضية في بني آدم، لا يسلم منها أحد، مهما بلغ من الصلاح أو علو الهمة. فالقلوب ليست على حال واحدة، وإنما تتقلب، وتعلو وتهبط، وتقبل وتدبر.
والفتور هو ذاك السكون الذي يعقب النشاط، وذلك التراخي الذي يلي الجد، حين تفتر العزيمة وتضعف الهمة، فيثقل القيام بعد خفة، ويستصعب العمل بعد يسره. وقد استعاذ النبي ﷺ من هذا الحال فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور"، أي من النقص بعد الزيادة، ومن الانتكاس بعد الاستقامة. وفي هذا إشارة واضحة إلى أن الفتور وارد، وأن العبرة ليست بعدم وقوعه، وإنما بكيفية التعامل معه.
وقد بيّن نبينا ﷺ حقيقة دقيقة حين قال: "إن لكل عمل شِرَّة، ولكل شِرَّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك"؛ فالفتور إن انضبط بضوابط الشرع، وبقي صاحبه في دائرة السنة والطاعة، كان سلامة ونجاة، أما إذا أفضى إلى ترك الفرائض، أو الوقوع في المحرمات، فهنا موطن الخطر والهلاك.
وأخطر ما في الفتور أنه يظهر أثره أولًا في باب العبادة؛ فينتقل الإنسان من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام أدنى. كان قريبًا من الله، حاضر القلب، خفيفًا إلى الطاعة، فإذا به بعد مدة يتثاقل، ويكسل، ويخمل. كان يقوم الليل، ويصوم النهار، ويأنس بالقرآن، فإذا بالنوافل تزوره على استحياء، مرة بعد مرة، وقد تمر الشهور وهو لا يعرفها.
ولهذا كان من المهم أن نتساءل: ما أسباب هذا الفتور؟ ولماذا يقع الإنسان فيه؟
من أعظم أسباب الفتور الوقوع في المعاصي، ولا سيما صغائر الذنوب التي يستهين بها الناس. قال الله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: 30]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه". قد يفرح المرء بسلامته من الكبائر، وهذا حق، لكن الخطر كل الخطر في الصغائر التي لا يُبالَى بها، فإنها تتراكم، وتثقل القلب، وتطفئ نور الطاعة، وقد تجر صاحبها – من حيث لا يشعر – إلى الكبائر.
ومن أسباب الفتور أيضًا الغلو والتشدد في الدين، ومجاوزة حد الاعتدال. فتكليف النفس فوق طاقتها، والمبالغة في الطاعات دون فقه ولا تدرج، يؤدي غالبًا إلى السآمة والانقطاع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين". وقال أيضًا: "إن هذا الدين يُسر، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا". فالطريق الطويل لا يُقطع بالاندفاع المؤقت، وإنما بالثبات المتزن.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الإسراف في المباحات سبب آخر من أسباب الفتور. فالانغماس الزائد في الراحة، واللهو، والشهوات المباحة، يربي النفس على الدعة والكسل، ويضعف قدرتها على الصبر والمجاهدة، فتثقل عليها الطاعات، وتؤدى – إن أُديت – بلا روح ولا إقبال.
ومن الأسباب كذلك صحبة أهل المعاصي، أو الغافلين المسرفين على أنفسهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل". فالصحبة لها أثر خفي وعميق؛ تجرّ إلى ما هي عليه، وتطبع القلب بطابعها، وقد تكون سببًا مباشرًا في الفتور، ثم في التهاون، ثم في السقوط.
ولا يُغفل أيضًا أثر قلة تذكر الموت والآخرة. فحين يغيب هذا المعنى عن القلب، يضيع الهدف، وتبهت الغاية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة". فاستحضار النهاية، والوقوف عند حقيقة اللقاء بالله، يجدد السير، ويوقظ القلب من غفلته.
فإذا علمنا الأسباب، بقي السؤال الأهم: كيف نعالج الفتور؟
أول العلاج محاسبة النفس، بالجلوس الصادق معها، ومراجعة الأعمال، والنظر فيما قُدِّم من طاعات، وما ارتُكب من زلات. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ [الحشر: 18]. فالمحاسبة حياة للقلوب، وتركها طريق إلى التراكم والغفلة.
ومن العلاج تجنب تراكم الذنوب، فإن الذنب على الذنب يكوّن رانًا على القلب، كما قال تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ [المطففين: 14]. فإذا ثقل القلب، عجز عن الذكر، واستثقل القرآن، ونفر من القيام.
ومن العلاج تصفية القلب من أمراضه؛ من الحسد، والحقد، والغل، وسوء الظن. فالقلب النقي هو الذي يذوق لذة الطاعة، ويجد حلاوتها. وكلما طهر القلب، سهل عليه السير إلى الله.
ومن أعظم ما يعين على الثبات حسن الصحبة؛ صحبة تذكّر بالله، وتعين عند الفتور، وتنبه عند الغفلة، وتخوف بالله عند التساهل.
كما أن قراءة سير الأنبياء، والصحابة، والصالحين، تبعث الهمة، وتحيي المعاني. ففي قصصهم عبرة، وفي صبرهم زاد، وفي ثباتهم درس لكل سالك.
ولا يُستغنى عن الدعاء؛ أن يلجأ العبد إلى ربه بصدق، سائلًا الثبات، مستعيذًا من الفتن. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". فإذا كان الله معك، فلن يضرك شيء.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم الثبات، وأن يعافينا من الفتور، وأن يختم لنا بخير.