اللهم بلغنا رمضان

142
8 دقائق
25 رمضان 1447 (14-03-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

اتقوا الله عباد اللهُ واستعدوا {ليومٍ عظيم • يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين}. {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

أيها المؤمنون الكرام: نجاح الانسان في هذه الحياة بعد توفيق الله، يزيد وينقص بقدر ما ترتفع همته، وبقدر ما يسمو هدفه وغايته، ونجاح الآخرة بالذات: إنما هو ثمرة قلبٍ عرف لماذا خُلق، وعقلٍ أيقن بالمصير، وإلى أين يسير، ونفسٍ علمت أن ورائها سؤال وحساب، وثواب وعقاب، فاستيقظت من غفلتها، وتهيئت لآخرتها، ومضت نحو غايتها بثباتٍ ويقين، وعزمٍ لا يفتر ولا يلين: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَار • مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب}.

ولو أنك سألت أيَّ مسلم، مهما كانت همّتهُ وامكانياته، لو سألته عن أسمى ما يتمناه؟ في دنياه وأخراه. لكانت الإجاباتُ إجابةً واحدة، ولإتفقت الأماني على أمنيةٍ واحدة. رضى الله، ودخول الجنة، والنجاة من النار.

إنها يا عباد الله، غايةٌ موحدة بين جميع السائرين إلى الله على مرّ العصور؛ من الأنبياء والصالحين، وإلى سائر المؤمنين الموحدين، وصدق رب العالمين: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.

ورمضان أيها الكرام: موسمٌ عظيم، بل هو أعظمُ مواسِمِ المؤمنِ وأغلاها، وأفضلِها وأشرفِها وأزكَاها. إنهُ موسمٌ نفيسٌ جليل، ليسَ لهُ في المواسمِ شبيهٌ ولا مثيل. فيا من بلغك الله شهر الخير والبركة… هنيئًا لنا ولك بلوغه.

يا من أحياك الله حتى أدركت رمضان، أبشر فقد فُتح لك بابٌ من الخير عظيم. ولقد كانَ المصطفى يبشرُ أصحابه بقدوم رمضان، فيقول لهم: "أتاكم رمضان، شهرٌ مبارك، فرضَ اللهُ عليكم صيامه، تُفتحُ فيه أبوابُ السماء، وتُغلَّقُ فيه أبوابُ الجحيم، وتُغلُّ فيه مردةُ الشياطين، للهِ فيه ليلهٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرمَ خيرها فقد حُرم". ويقول : "أتاكُم شهرُ رمضان، شهرُ بركةٍ، يغشاكُمُ الله فيه برحمتِه، ويحُطُّ الخطايا، ويستجيبُ الدعاءَ، ينظرُ إلى تنافُسِكُم فيه، ويُباهي بِكُم ملائكتَه، فَأروا الله مِن أنفُسَكُم خيرًا، فإن الشقيَّ من حُرِمَ رحمَة الله".

إنها يا عباد الله بِشاراتٌ عظيمةٌ. وحُقَّ للمؤمن أن يُبشرَ بشهرٍ مُليءَ بالخيرات والبركات، تتزَّلُ فيه النّفحاتُ والرّحمات، وتتضَاعفُ فيه الحسناتُ والدّرجات.

حُقَّ للمؤمن أن يُبشرَ بليلةٍ تميزت بأنها خيرٌ من ثمانين سنة، من حُرمَ خيرها فهو المحروم حقًا.

حُقَّ والله للمؤمن أن يُبشرَ بموسمٍ مبارك، تتزايدُ فيه فُرصُ الربحِ والنّجاح، وتكثرُ فيه المحفزاتُ والمرغبات، وتُزالُ عنهُ المعوقاتُ والمثبطات. فَمَرَدَةُ الشياطينِ قد صُفِّدت، وسحائِبُ الإيمانِ قد هبَّت وأقبلت، وبيوتُ اللهِ قد ازدانت وتهيَّئت، والنفوسُ قد تشوَّقت وترقَّبت.

فما أعظمَ فضلَ اللهِ وكرمهُ، وما أعظم ما يُقدمهُ لنا رمضان من فُرصةٍ غاليةٍ ثمينة. ويا له من عاقلٍ موفق: من يقْدِرُ لرمضان قدْرَه، ويعرفُ له شرفَهُ وفضلَه، ومن ثمَّ يستقبِلهُ الاستقبال اللائق، فيفرحُ بقدومه، ويستعِدُّ له بأحسنَ يمكنه، ويستثمرهُ أفضلَ الاستثمار.

فمرحبًا برمضان، شهرُ الخيرِ والبركةِ والإحسان، شهرُ التقوى والهدى والإيمان، شهرُ الصيامِ والقيامِ والقرآن، شهرُ التوبةِ والأوبةِ والغُفرانِ، شهرُ الرحمةِ والعفوِ والعتقِ من النيران، في الحديث الصحيح، قال المصطفى : "من صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ لهُ ما تقدمَ من ذنبه"، و"من قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ لهُ ما تقدمَ من ذنبه"، و"من قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تقدمَ من ذنبه".

مرحبًا برمضان، شهرُ القُربِ والطاعة، شهرُ الفرجِ والشّفاعة. ففي الحديثٍ الصحيح، يقولُ النبي ﷺ: "الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبد يومَ القيامةِ، يقولُ الصيامُ: أي ربِّ منعتهُ الطعامَ والشهواتِ بالنَّهار فشفعني فيه، ويقولُ القرآنُ: منعتهُ النومَ بالليل فشفعني فيه، قال: فيُشَفَّعان".

مرحبًا وحيا هلًا برمضان، شهرُ الفرحةِ والبهجة. ففي صحيح مُسلمٍ يقول النبي : "للصائم فرحتانِ يفرحهما: إذا أفطرَ فرحَ بفطره، وإذا لقي ربهُ فرحَ بصومه".

مرحبًا وأهلًا وسهلًا برمضان، شهرُ الكرمِ والعطاء، شهرُ إجابةِ الدعاء. ففي الحديث الصحيح، يقولُ النبي : "ثلاثُ دعواتٍ مُستجاباتٍ: دعوةُ الصائم، ودعوةُ المظلوم، ودعوةُ المسافر".

مرحبًا وأهلًا برمضان، شهرُ الصبرِ والإخلاص، شهرُ الفضلِ والاختصاص، ففي فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ المتفق عليه: "كُلُّ عملِ ابن آدمَ يُضاعفُ، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سُبعمائةِ ضعفٍ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إلا الصوم، فإنهُ لي وأنا أجزي بهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي".

فيا لها من عبادة جليلة أحبها الله جل وعلا فاختَصَّها بِجَزَاءٍ لَا يعلمُ قدرهُ وضخامتهُ إلا هو سبحانه؛ تأمل: (الصوم لي وأنا أجزي به) فَهُوَ جَزَاءٌ لَا يُحْصِيهِ عَدٌّ، وَلَا يَحُدُّهُ حَدٌّ، وَلَا يَخْطُرُ ببال أحد.

ثم اعلموا يا عباد الله: أنكم جميعًا مدعوون دعوةً خاصةً في رمضان. ففي الحديث الصحيح، أنَّ مُنادٍ يُنادي في كل ليلةٍ من ليالي رمضان: "يا باغي الخير أقْبِل، ويا باغي الشر أقْصِر".

فيا قومنا أجيبوا داعي الله. فواللهِ لو قيلَ لأهل القبورِ تمنّوا. لتمنوا يومًا من رمضان. ويا من كُتب له أن يدركَ رمضان، استشعر قِيمةَ الفرصة، واعلم أنها فرصةٌ غاليةٌ ثمينة، وأوقاتٌ جِدُّ نفِيسةٌ، والسعيدُ الموفق من اغتنمها، وبالطاعات عَمرَها واستثمرَها.

ألا وإن من تمام التوفيق أن يدخل العبد هذا الموسم العظيم بعزيمة صادقة، وهمّة عالية؛ فيهيئ نفسه، ويخطط للربح الوفير كما يخطط التاجر الحاذق لأعظم صفقاته. فلكل مجهود منظم، مردود مضاعف، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين}.

واعلموا أن من علامات حياة القلب أن يعرف للوقت الفاضل قدره، وللموسم العظيم منزلته. فاتقوا الله يا طلاب الآخرة، واعقدوا النية الصادقة على اغتنام الأوقات واللحظات، وأكثروا من النوايا الصالحة؛ فإن العبد قد يبلغ بنيته ما لا يبلغه بعمله، وقد ترفعه عزيمته وإن قصرت به قدرته. وليكن في قلوبكم شوقٌ إلى أعلى الدرجات، وطمعٌ في أرفع المقامات، ولا ترضوا لأنفسكم منزلةً دونها.

فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. وتأتي على قدر الكرام المكارم.

ألا يا عباد الله: لقَدْ أَقْبَلَ علينا رمضان محملًا بالخَيْرات الكَثِيرة، وَالأَجور الهائلة العَظِيمة، والنفحات المباركة. فيا من نويت الخير:

اعلم أيها المبارك: أن راحلتَك لن تسيرَ بك في رمضانَ كما تتمنى، مالم تتعاهدَها من الآنِ. تمامًا كما تتعاهدُ سيارتَك للطريق الطويل، وهكذا راحلتُك في سفرِ الآخرةِ، فالجوارحُ لن تطيعَك إلى القيامِ إن لم تتعاهد قلبِك بالتصفية والتزكية. فاعزمْ أولًا: على الصدقِ مع الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}. واعلمْ أن رأسَ مالِ المتاجرِ معَ اللهِ هوَ الصدقُ {فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم}.

وحري بالمؤمن الموفق ألا ينشغل بتهيئة الموائد عن تهيئة القلب، وألا يصرفه تزيين المظاهر قبل تزيين السرائر؛ فإن الله لا ينظر إلى الصور والأجساد، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال. فطهروا قلوبكم، وصفُّوا صدوركم، فطهارة القلوب أولًا، وسلامة الصدور أساس لقبول الاعمال وتحصيل الاجور.

فالأساس قبل البناء، وأني لنبات أن يثمر في أرض مليئة بالآفات والأوبئة. فطهروا القلوب وصفوها، طهروها من العُجب والرياء، والحسدِ والبغضاء، وسائر الأدواء، فإن القلب إذا صلح، صلح العمل كله، وإذا فسد القلب، فسدَ العمل كله، وفي محكم التنزيل، على لسان الخليل: {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُون • يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون • إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم}.

اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. {إِنَّ الَّذِينَ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقنَاهُم سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ • لِيُوَفِّيَهُم أُجُورَهُم وَيَزِيدَهُم مِن فَضلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}.

معاشر المؤمنين الكرام: مَا مِنْ عَبْدٍ يرجو ما عند اللَّهَ تَعَالَى إِلَّا وَهُوَ يَتَمَنَّى أَنْ تُقْبَلَ أعَمَالُهُ، وَيُشْكَرَ سَعْيُهُ، ويُضاعَف أجره. فَمَنْ أَرَادَ ذلك فعليه بخمسةِ أمورٍ مهمة، وما التوفيق إلا من عند الله:

أَوَّلُ هذه الأمور الخمسة: الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ تَعَالَى في كل ما يعمله؛ فالإخلاصُ هو الأساس {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.

وفي الحديث القدسي الصحيح، قال الله تعالى: "أنا أغنى الشُّرَكاءِ عنِ الشِّرْكِ؛ مَن عَمِلَ عَملًا أشْرَكَ معي فيهِ غَيري، فأنا بَريءٌ منْهُ، وهوَ كلُّه للَّذي أشرَكَه". وَثَانِي الأمور: الاجتهادُ في إِتْقَانِ الْعَمَلِ وإتمامهِ، في الحديث المتفق عليه، قال عليه الصلاة والسلام: "الْإِحْسَانُ أَنْ تَعبدالله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ".

وَثَالِثًا: الحرصُ على دقة المُتَابَعَةِ لسُنَّةِ النَّبِيِّ ؛ ففي الحديث الصحيح، يقول عليه الصلاة والسلام: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي"، وفي الحديث المتفق عليه، يقول : "مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ"، فَليَتَحَرَّى المسلمُ في عمله سُنَّةَ النَّبِيِّ ، وليَسْأَل عَنْهَا وليتعلّمها، وليحرص على أن يطبقها.

ورَابِعًا: اسْتِشعارُ مِنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي هَدَى الْعَبْدَ لِلْإِيمَانِ وَلِأَعْمَالِ البر والإحسان، وَلَوْلَا فضلهُ وهدايته سُبْحَانَهُ لما وفِق للعمل: قال تَعَالَى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم}.

وَالأمر الخامسُ: اسْتِشْعَارُ التَقْصِيرُ فِي كُلِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ؛ لِعِلْمِهِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ الْعَبْدَ مَهْمَا عَمِلَ مِنَ الصَّالِحَاتِ فَلَنْ يصل لما يستحقه العظيم جل جلاله، قال تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. فعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَضْبِطَ هَذِهِ الْأُمُورَ الخمسة فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ يَعْمَلُهُ، وَأن يَجْتَهِدَ فِي تحقيقها لِيَكُونَ عَمَلُهُ أحرى بالقبول ومضاعفةِ الأجور.

ألا يا أهل الإيمان، فلنتق الله في رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله: "بمحلوف رسولِ اللهِ ﷺ ما أتى على المسلمين شهرٌ خيرٌ لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهرٌ شرٌّ لهم من رمضان، ثمَّ قال في نهاية الحديث: هو غُنمٌ للمؤمن، ونِقمةٌ للفاجر".

ولنتأمل هذه القصة البليغة يا عباد الله: فبينما كان الإمام مالك رحمه الله جالسًا في المسجد النبوي كعادته يدرس طلابه، وهم جلوسٌ حوله يستمعون. إذ مرَّ من أمام باب المسجدِ فيلٌ ضخم. (وهو شيء لم يره أهل المدينة من قبل). فقام جميع الطلاب مسرعين لكي يروْا الفيل عدا طالبٌ واحد، اسمه: يحيى الليثي. فقال له الإمام مالك: لِمَ لَمْ تخرج معهم، ألا تريد أن ترى الفيل؟. فقال يحيى: إنَّما قدمت المدينة لأرى مالكًا لا لأرى الفيل.

تأملوا أيها الكرام: فشخصٌ واحدًا فقط، هو من كان يعَلمُ لماذا أتى، وما هو هدفهُ وغايته، ولذلك لم تصرفه المغريات والملهيات. ومن ثم فقد وصل ذلك الشخصُ بفضل الله إلى مبتغاه، فأصبح عَلمًا من أعلام الأمة، وفقيه الاندلس الأول في زمانه، بينما لم يصل المنشغلون بالفيل إلى ما وصل إليه الامام يحيى الليثي.

وفي كل زمانٍ يتكرر الفيلُ بصورٍ مختلفة، وأشكالٍ متنوعة. خصوصًا في رمضان. فالقنوات والمسلسلات، والأفلام والأغاني والمباريات، وغيرها من الملهيات، فيلة هذا الزمان. فاحذروها يا عباد الله، لا تسلبنكم أشرف أوقاتكم. ولا تعطلنكم عن أهدافكم وغاياتكم. اجْتَنِبُوا كل ما يخدش صيامكم، وَاعْتَزِلُوا مالا يليق بكم، وتأملوا كيف امْتَدَحَ اللهُ تَعَالَى أناسًا من عِبَادَه، فقال عنهم: {والذين لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}، وفي صحيح البخاري أنّ النَّبِيُّ قال: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".

ولذا فقد كان السلفُ إذا صاموا قعدوا في المساجد وقالوا: نحفظُ صومنا.

رمضانُ أيُّها الكرامُ، كما قالَ ربُّنا جلَّ وعلا: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ}. فلنجِدَّ ونجتهِدَ في اغتنامها بالخيرات، ولنحاسب أنفسنا على ضياع الأوقات. ألا ترونَ سُرعةَ الأَيَّام، وكيف تمضي سراعًا، فما أن يبدأ الشهرُ حتى قيل انتهى.

فاتقوا الله يا عباد الله، وأروا الله خيرًا من أنفسكم، واصدقوا مع اللهَ يصدقكم، وجدوا واجتهدوا {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين}.

بلغني الله وإياكم رمضان، ووفقنا جميعًا للبر والتقوى والإحسان، وجعلنا دومًا من أهل الذكر والقرآن.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق