بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
معاشر الصائمين الكرام: أُهنئكم ونفسي بحلول شهر الخير والبركة، شهر الصيام والقيام. والذي شرعهُ الحكيمُ العلَّام مدرسةً لأمَّةِ الإسلام.
فهو بمثابة دورةٍ تدريبيَّةٍ مُكثَّفة. ليتزوَّدَ فيها المسلمُ بما يُقوِّي إيمانهُ، وما يزكِّي أخلاقهُ، وما تصلحُ به أحوالهُ.
فرمضانُ أيها الصائمون: مدرسةٌ رائعةُ للتَّغيير نحو الأحسنِ والأفضل، والتحولِ إلى الأكملِ والأجمل. ففي داخلِ كلٍّ منَّا خيرٌ يجبُ أن ينمِّى ويقوِّى، وفيه كذلك شرٌّ يجبُ أن يستأصلَ وينحّى. {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.
ألا وإن من أعظم دروسِ رمضانَ المبارك: الاستقامةُ على أمرِ الله جلَّ وعلا، والاستقامة شيءٌ عظيم: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}.
وضعف الاستقامةِ سببهُ ضعفُ التقوى، وضعفُ مراقبةُ اللهِ في السرِّ والنجوى. وفي زمنٍ كثرت فيه الفتن، وصارت الشبهات والشهوات تدخل على الانسانِ بلا استئذان، يأتي رمضانُ لينمِّي التقوى في قلوبنا ويقوّيها، وليضبط لنا بوصلة الاستقامة: {يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لعلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
ومن أعظم دروس رَمَضَانَ: تقويةُ المرَاقَبَةِ للهِ جلَّ وعلا، وما أدراك ما المراقبة. تصوروا يا عباد الله أهميةَ هذا الأمرِ. فالصَائمُ يحَبَسَ نفسَهُ عن الملذاتِ والمباحات، وَلَو أُغرِيَ بأقوى الإغراءات، على أنْ يقطع صومه بأكلٍ أو شُربٍ أو جمِّاعٍ حلالٍ لما فَعلَ ذلك أبدًا. لمَ؟. لأنَّ التقوى التي في قلبه تقولُ له. (إنَّ اللهَ يَرَى)، ولأنه يَوقِنُ بأن الجزاءَ العظيمَ ينتظرهُ في الدارِ الأُخرى.
وَهَكذا أحبتي في الله، كلَّما تَرَقَّى العبدُ في درجاتِ المراقبةِ، أَثْمَرَ ذلك إِقْبالًا على الخيرات، ونشاطًا في الطاعات، وبُعْدًا عن المعاصي والمحرماتِ، وهُجرانًا لمواطن المنكرات، {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُون}.
ومن أعظمِ دروسِ رمضان: التحلِي بالصدق، وذلك أن الصومَ عبادةٌ سِرِّيةٌ، بين العبد وربه، لا يعلمُ حقيقتها وصدقَ العبدِ في أدائها إلا اللهُ جلَّ في علاه، ولذلك أضافَ اللهُ سبحانهُ وتعالى، أضافَ الصومَ إلى نفسهِ العليةِ، ففي صحيح مسلمٍ قال ﷺ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعمِئَة ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وَأَنَا أَجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي".
فيا من صدقت مع الله في رمضان، ليكن الصدقَ صفةً دائمة لك، ففي الحديث الصحيح: "ولا يزالُ الرجلُ يصدقُ ويتحرى الصدقَ حتى يُكتبَ عند الله صِديقًا". وفي محكم التنزيل: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}.
ومن أعظمِ دروسِ رمضانَ: الصبر، فرمضانُ شهرُ الصبرِ والمصابرة، والصبرُ خُلقُ الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ}، ويا لبشرى الصابرين، فقد أوجب الله جلَّ وعلا محبتهُ ومعيتهُ لهم، فقال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}، وقال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. وفي صحيح البخاري قال ﷺ: "وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر". بل إنَّ فلاح الدنيا والآخرة منوطٌ بالصبر، قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}. ولذا كان جزاءُ الصبر عظيمًا ولا يُقدر بقدر، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. فما أعظمك يا رمضان.
ومن دروسِ رمضانَ العظيمة: التَّخلُّصُ من العاداتِ السلبية، والتي عطَّلتِ الكثيرَ من الطاقات، وفوتت الكثيرَ من الانجازات. كثيرُون يعانون من عاداتٍ ضارةٍ سيئة. يزعمون أنه من الصعب عليهِم أن يتخلصَوا منها، فيأتي رمضانُ ليثبت لهم أنهم أقوى مما يظنون. فالذي كان لا يصبر ساعةً بلا قهوةٍ أو تدخين، يستطيعُ أن يصبر عنها ساعاتٍ طويلة. والذي استطاع أن يُغيِّرَ مواعيدَ نومهِ واستيقاظه، ومواعيدَ ذهابهِ ورجوعه، ومواعيدَ أكلهِ وشربه، يستطيعُ بإذن الله أن يتخلصَ من صفاتهِ السيئة، وعاداتهِ الضّارة. وصدق الله: {فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم}.
ومن دروسِ رمضانَ العظيمة: أنهُ يدرِّبُ النفسَ ويوطِّنُها على هجرِ المعاصي وتركِ الذنوب، فالصيامُ ليس عن الطعام والشراب فقط، بل أن تصومَ عينُك وأُذنك ولسانُك وجوارحك عن الحرام، يُؤكدُ هذا المعنى الهامّ، قولُ النبي عليه الصلاة والسلام: "من لم يدع قولَ الزورِ والعملَ به فليس للهِ حاجةٌ في أن يدعَ طعامهُ وشرابه" والحديث في البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام: "ليس الصيامُ من الأكل والشربِ، إنما الصيامُ من اللهو والرفث".
فالصيامُ التام: هو الذي يمنعُكَ من مواقعة الحرامِ.
في الحديث المتفق عليه قال عليه الصلاة والسلام: "الصيامُ جُنة فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفُثْ، ولا يفسُقْ، ولا يجهلْ، فان سابَّهُ أحدٌ فليقل إني امرؤ صائِم".
ومن أعظم دروسِ رمضان: استشعارُ قيمةِ النِّعَمِ صغِيرِها قبلَ كبِيرِها، وكم للهِ من منَّنٍ عُظمى، وفضائل كبرى، ونعمِ لا تُعدُ ولا تُحصى. لكنَّ الإنسانَ من طبعهِ أن يَغلِبَ عليه الجحودُ والنكران، أو التعودُ والغفلةً والنِّسيانِ. فتراهُ كُلما تكرَّرَ عليه ورودُ النِّعمِ. كلما قلَّ شعورُه بالجميل، {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار}.
فإذا جاء رمضان، وشعر بالجوع والعطش لساعاتٍ طويلة، تنشَّطُ في نفسهِ اسْتَشْعَارُ قيمةِ النِّعَمِ، ومن ثمَّ يتحركُ نحو الخيرِ والبذل والإحسان.
ولذا فقد كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس وكانَ أجودَ ما يكونُ في رمضان، ولقد كان نبي الله يوسفُ عليه السلام يكثرُ من صيامِ التطوعِ، فقيلَ له لمَ تجوعُ وأنت على خزائن الأرضِ، فقال: *أخشى إن أنا شبعتُ أن أنسى الجائع*.
وهكذا فعل عمر الفاروق رضي الله عنه في عام الرمادة، حتى قرقرت بطنه. فقال لها قولته المشهورة: *قرقري أو لا تقرقري والله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين*.
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
معاشرَ الصائمينَ الكرام: ومن دروسِ رمضانَ العظيمةِ: معرفةُ قِيْمَةِ الْوَقْتِ، واسْتِثْمَارُ الدَّقَائِقِ ولو كانت قليلة، فَالصَّائِمُ يُسَابِقُ اللحظات بِنَفَائِسِ الطَّاعَّاتِ، ولَا يَخْرُجُ مِنْ طَاعَةٍ إلَّا ليدخلَ في طَاعةٍ أُخرى، يشغلُ نفسَهُ بالطاعات عَنِ الملْهِيات، فضلًا عن المكروهات والمحرمات، لأنَّهُ يَسْتَيْقِنُ أّنَّها أيامٌ معدوداتٍ قليلات. {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب}.
ومن أعظم دروسِ رمضان: حُسْنَ التَّأَسِّي والإتباع، فرمضانُ مَوْسِمٌ يَزْدَادُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ ارْتِبَاطًا بِهَدْيِ رَسُولِهِ ﷺ، تَرَى الْصائم يَتَحَرَّى وَيَسْأَلُ كثيرًا، حِرصًا أن يَكُونَ صومُه كُلَّهُ وَفْقًا للْهَدْيِ النَّبَوِيِّ الْكَرِيمِ، تراه إذا وُضِعت السفرة أمامهُ مَلْيئة بِأَنواع الطَّعام، فلا يبدأُ إلا بالتمر تأسيًا واستجابةً، مع علمه أنها سُنةٌ مُستحبةٌ وليست واجبة، وهكذا يُصبحُ الصائمُ عبدًا مُسْتسلمًا لله، لا يُحركهُ إلا أمر الله وأمر رسوله. فَمَا أَروعَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُسْلِمُ هَذَا الاقتفاءَ هو مَنْهَجَهُ الدائم، فِي حَيَاتِهِ وأَحْوَالِهِ كُلِّهَا. {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.
ومن أعظم دروس رمضان: الحث على استثمار الفرص السانحة، وهل من فرصةٍ أعظمَ من رمضان.
فلنتأمل يا عباد الله، هذه القصة العجيبة، ففيها عظةٌ عظيمة. فبَينَمَا رَسُول اللهِ ﷺ جَالِسٌ في المَسجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقبَلَ اثنَانِ حتى وَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرجَةً في الحَلَقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلفَهُم، وَأَمَّا الثالثُ فَأَدبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلا أُخبِرُكُم عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟. أَمَّا أَحَدُهُم فَأَوَى إلى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ إِلَيهِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاستَحيَا فَاستَحيَا اللهُ مِنهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعرَضَ فَأَعرَضَ اللهُ عَنهُ"، والحديث مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
فالناسُ أمام فرص الخير ثلاثة أصناف، صِنفٌ مُوفق، سَرِيعُ الاستِجَابَةِ، إيجابيٌ مُبَادِرُ، يَغتَنِمُ الفُرَصَ، وَيَستَبِقُ الخَيرَاتِ، وَيَضرِبُ في كُلِّ بابٍ من أبواب الخَير بِسَهمٍ، فهذا بأفضل المنازل.
وَصِنفٌ ثانٍ قريبٌ من الصِنف الأول، فهو يَقتَدِي بِالصَّالِحِينَ وَيَتَشَبَّهُ بِهِم، وَهَذَا غَالِبًا مَا يُوَفَّقُ إلى مَا وُفِّقَ إِلَيهِ السَّابِقُونَ بِرَحمَةِ اللهِ، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
وَأَمَّا الصنف الثَّالِثُ، فَهُوَ المُعرِضُ المُفَرِّطُ، ألَّا مُبالي، الَّذِي لا يهتم لفرص الخير، ولا يبالي بفواتها، سلبيٌ خاملٌ محروم.
فمن أي الأصناف أنت.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وليكن هذا الموسمُ العظيمُ مَحَطَّةً إيمانية، ومدرسةً أخلاقية، ودورةً تربوية، تتزودون منها ما يقوِّي إيمانكم، ويقوِّمُ أخلاقكم، ويقربكم من خالقكم.
واعلموا يا عباد الله أن العمر يمضي وينقضي، والدنيا إلى زوال وفناء، ولا يبقى إلا قدمت من العمل.
فإن لم تتغير في رمضان، فمتى ستتغير؟.
وإن لم تُقبل على الله في هذا الموسم، فمتى ستُقبل؟
فاعزموا رحمكم الله عزيمةً صادقة.
وجدوا في استثمار هذه الفرصة السانحة واجتهدوا.
فوالله ما يدري أحدُنا هل يُدرك رمضانَ القادم أم لا.
ألا يا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.