بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
بعثت إليَّ أمٌّ شابة عاملة تسأل:
كيف أُسعد أسرتي في رمضان، وأجعل منها أسرة فاعلة؟ وما السبيل إلى ذلك؟
سؤال صادق، يعكس وعيًا بأهمية الأسرة، وإدراكًا لقيمة هذا الشهر المبارك.
إن الأسرة هي النواة الأساسية في المجتمع، وهي المحضن الأول الذي يتربى فيه الأبناء نفسيا وماديا، ويتربى فيه الزوجان أيضا، ومسؤولية التربية تقع على عاتق كل منهما، وكل منهما راع في مؤسسة الأسرة كما جاء في الحديث: "والرَّجلُ راعٍ في أهلِه ومسؤولٌ عن أهلِه والمرأةُ راعيةٌ في بيتِ زوجِها ومسؤولةٌ عن رعيَّتِها" أخرجه البخاري ومسلم.
والتربية ليست مرحلة مؤقتة، بل عملية مستمرة لا تنقطع مادام الإنسان على قيد الحياة، وكلما كان المحضن دافئ وآمن كان من فيه في أمن وطمأنينة وسكينة واستقرار، وقد أوضح القرآن الكريم أهم دعائم الأسرة الآمنة، قال جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الروم 21.
أي أن الدفء الحقيقي يكمُن في تلازم العناصر الثلاثة لحماية الأسرة، وإمدادها بالقوة والاستمرارية والبقاء.
رمضان فرصة لمواجهة التحديات…
تعيش الأسرة المسلمة اليوم تحديات جسيمة تهدد استقرارها، ولعلّ من أعظمها ضعف الصلة بالله تعالى، وعدم وضوح منهج الحلال والحرام في حياتها اليومية، وإن إعادة التصالح مع الله، والابتعاد عن ما نهى عنه، والاستمتاع بما أحلّ وأمر، هو المدخل الحقيقي لاستعادة التوازن الأسري.
والله تعالى جعل لنا مواسم ونفحات نتعرّض لها، في الحديث الشريف عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:قال رسول الله ﷺ: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدًا". أخرجه الطبراني.
ورمضان من أعظم هذه النفحات، يعتبر محطة للتزوّد، وتصحيح المسار، ومراجعة التصرفات، وهو فرصة للأسرة المسلمة كي تستثمره في نهضتها واستمراريتها، فالبيت الذي يُبنى على منهج الله هو أقوى البيوت، والعبادة فيه عبادة شاملة تمتد إلى كل تفاصيل الحياة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سورة الأنعام 162.
وهو فرصة حقيقية لتغيير العادات السلبية التي ألفناها، شهر تتقوى فيه العزائم، وتعلو فيه الهمم، شهر التسابق إلى الخيرات، واكتشاف الذات، وفعل الطاعات التي ربما قصّرنا فيها في غيره، من قيام وقراءة قرآن وذكر، وحفظ اللسان وسائر الجوارح ّ، وحسن استثمار للوقت.
لكن من الأخطاء الشائعة اعتبار رمضان للعطل المدرسية والإجازات، لأن المسلم الحقيقي لا يُطلِّق الدنيا في رمضان ويبتعد عن المسؤوليات المسندة إليه، لكنه يعمل على تحسينها والإخلاص فيها لله، وإتقانها وتجويدها، فالواجب هو الإرتقاء بالأعمال اليومية للأحسن.
الزوجان في رمضان:
الزوجان هما أساس الأسرة، وكلما كانت العلاقة بينهما متينة، كان البناء الأسري أكثر تماسكًا، ورغم أن الحياة الزوجية سكن وأمان، إلا أنها لا تخلو من الخلافات والتقلبات، وهذا أمر طبيعي.
ورمضان فرصة ثمينة للتصالح، وترك الخلافات الدنيوية، والتخلي عن شهوة الانتصار للنفس، وتوطيد العلاقات، فالحياة الزوجية ليست حلبة صراع، بل ميثاق مودة ورحمة، وفي أيام رمضان ولياليه، يتذوق الزوجان لذة الإخلاص لله في صيامهما وقيامهما، وهي ألذ الثمار وأزكاها.
فأول أمر يُستقبل به رمضان هو حَمد الله تعالى العزيز المنان، بأن أمدهما بعمر جديد، وبلغهما الشهر الفضيل، ومنحهما هدية يجب الفرح بها، فكم من قريب وصديق وجار كان بيننا قد رحل، فلا يدري الإنسان لعلها تكون آخر محطة له.
ومع سيل الإعلانات ومغريات الطعام، تحوّل رمضان عند بعض الأسر إلى شهر استهلاك مُرهق، وهنا يبرز دور الزوجين في التعاون على حسن التدبير، بالتخطيط المسبق، لتجاوز هذه الفتن بوعي وحكمة، للارتقاء إلى أسمى المعاني الروحية، وتحقيق المقصد الحقيقي من الصيام: تحقيق التقوى.
● كما ينبغي أن تسود الجلسات الأسرية أجواء إيمانية وحنان، بعيدًا عن التسلط، وفرض الآراء مع استثمار هذه الجلسات في تهذيب الأخلاق، وتعليم القيم الإسلامية وإحيائها في نفوس الأبناء، وزرع حب الخير، والإحساس بالفقراء والمحتاجين، وبث روح التعاون بين أفراد الأسرة في القيام بأعمال المنزل، مع تدريبهم على الصبر أثناء الحوار الهادىء الفعال، فالصبر والتربية صنوان لا يفترقان.
● مائدة الإفطار، وما أدراك ما مائدة الإفطار مدرسة يومية، مكان اللقاء ورمز للتلاحم الأسري والتقارب الروحي، والفرح بتمام يوم من العبادة ، يمكن للوالدين أثناء الجلوس إليها إرسال رسائل تربوية، يتعلم الأبناء: الإنصات للأذان، والدعاء، وإحياء السنن النبوية في الإفطار بتناول تمرات، أو جرعات ماء، مع استعمال اليد اليمنى، والتوجيه النبوي يعلمنا ذلك، قال عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما، قال لي رسول الله ﷺ: "يا غلام، سَمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك" رواه البخاري ومسلم، وعدم الأكل بنهم وشراهة، وكذلك الاعتدال في الطعام، وعند الانتهاء يُحمد الله على نعمة التوفيق لصيام اليوم.
● ووقت السحور من أشرف الأوقات، ينزل فيها الله تعالى، ففي الحديث: "ينزلُ اللهُ كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا، حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخرِ، فيقولُ: من يدعوني فأستجيبُ له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرُني فأغفرُ له" أخرجه البخاري ومسلم، والمحروم من حرم شهود هذه اللحظات، يُوقَظ الأبناء للسحور، لأن في السحور بركة في الدين والدنيا، في الحديث الشريف: "تسَّحروا فإنَّ في السَّحورِ بركةٌ" أخرجه النسائي وأحمد، ومن الأحسن أن تكون وجبة خفيفة صحية وغنية، ثم يصلون صلاة الصبح في وقته، ليستقبلوا بعدها يوما جديدا بجد ونشاط وهم في ذمة الله ، ومن أجمل الأدعية التي يمكن للوالدين الدعاء بها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ الفرقان: 74، كذلك دعاء إبراهيم عليه السلام، قال تعالى :﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ إبراهيم40، وهناك الكثير من الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ : إن رمضان ليس شهرًا للكسل والخمول، ولا شهر استهلاك، بل هو شهر الانتصارات الكبرى للأمة، شهر لتزكية النفوس، وإن الأسرة هي القدوة، وعادات الوالدين تنعكس على الأبناء سلوكًا وأخلاقًا، والأسرة الفاعلة هي التي تسعى إلى بناء إنسان الواجب الفعال، على سمو الإيمان وقوته، إنسان الإرادة القوية التي تعينه على الإنطلاق للإصلاح في الحياة، والأسرة الإيجابية الواعية هي التي تجعل من المحطات الإيمانية والنفحات الربانية دوافع للرقي والسمو نحو مراتب العبودية لتكون أكثر قربا من الله.
● وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين