رمضان موسم الطاعة وميدان السعي

82
2 دقائق
30 رمضان 1447 (19-03-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يعتبر شهر رمضان في وجدان المسلمين شهرًا وموسمًا استثنائيًا يجددون من خلاله إيمانهم، وتتعمق فيه صلة العبد بربه، وتسمو فيه الروح فوق الحياة ومشاغلها ومادياتها.

فهو ليس زمنًا عابرًا في تقويم الأيام، بل هو محطة تربوية تجتمع فيها العبادة مع العمل، والذكر مع السعي، والخشوع مع البذل والإنتاج.

وفي هذا الشهر المبارك تتجلى حقيقة الإسلام بوصفه دينًا يجمع بين عمارة القلب بذكر الله وعمارة الأرض بالسعي والعمل الذي يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، وبهذا يتحقق فيه التوازن بين معاني التعبد والاستخلاف في الأرض.

وشهر رمضان خير الشهور وخير الأزمنة، جعله الله سبحانه وتعالى محطةً إيمانيةً متكررةً كل عام، ترتقي فيه الأنفس المؤمنة، وتُروى فيه الأكباد العطشى من معينه العذب الصافي، معين القرآن والذكر والطاعة والعبادة، صيامًا وقيامًا وصلاةً ودعاءً.

ورمضان، وإن كان شهر صيام وصلاة ودعاء، فهو شهر عمل وإنتاج، وشهر بذلٍ للوقت والجهد بما يحقق الغاية من خلق الإنسان في العبادة والعمل، وتحقيق الهدف من الاستخلاف في الأرض. ولذا فقد ربط الله سبحانه وتعالى بين العبادات والسعي في الأرض، فقال سبحانه وتعالى في عبادة الصلاة: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ (سورة الجمعة: 10).

وقد كان هذا الشهر الكريم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه شهر عمل وجد واجتهاد وسعي وجهاد، فقد شهد رمضان الإعداد لأول المعارك في الإسلام، وخوض هذه المعركة التي انتهت بنصر الله للفئة القليلة المؤمنة، كما شهد هذا الشهر أعظم الفتوحات في الإسلام، حيث فُتحت مكة المكرمة في السنة الثامنة من الهجرة، وأصبح الإسلام دولةً يقودها خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم.

وإن الصائم حين يعمل ويجد في رمضان، فإنه يؤدي رسالةً يتقرب بها إلى ربه، متمثلًا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ (سورة التوية- 105)، وإن الأعمال التي يمارسها العبد ويؤديها في رمضان لا تؤثر على جوهر الصيام ولا روحانيته كما يتصور البعض، بل إن المؤمن حين يتقن عمله فإن ذلك يورثه رضا في النفس وسكينة، وهي من أطيب وأجل ثمار تزكية المؤمن لنفسه.

وإذا كان العمل في غير رمضان كفارةً للذنوب والمعاصي، فإنها في رمضان أوسع وأشمل أجرًا، فقد أورد الطبراني قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من الذنوب لا يكفره إلا السعي في طلب الرزق"، وبهذا يكون الصائم قد حقق ما يُراد منه في رمضان من أداء العبادات بمختلف أنواعها، ويكون بذلك أيضًا قد قضى شهرًا يتعبد فيه بشمولية تامة.

وعليه فإن رمضان ليس شهر تبتل أو انقطاع عن الحياة، بل هو شهر تجديدٍ للإيمان، نعيد فيه إعلاء القيم وشحذ الهمم، فالصائم الذي جمع في رمضان بين صدق العبادة وإتقان العمل فقد أدرك مقصود الصيام ورمضان، وحظي فيه من الأجر على أوفر النصيب، وبهذا يبقى رمضان مدرسةً سنويةً متجددة، تخرج المؤمن أكثر صفاءً في روحه، وأصلب عزمًا في عمله، وأقوم سلوكًا في مسيرته في هذه الحياة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق