بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
من منا لا يريد إن يغسل أوزاره وخطاياه؟!
من منا لا يريد إن يتطهر من ذنوبه؟
من منا لا يريد إن يصطلح مع ربه، فيسمع النداء في السماء: هنئوا فلانًا فقد اصطلح مع الله؟!
من منا لا يريد إن يعود إلى ربه ويستغفر من ذنبه ويستأنف الطريق إليه؟!
من منا لا يريد إن يكون قلبه سليما نظيفا ناصع البياض؟!
لقد أقبل رمضان، افضل مغسلة، وايسر تنظيفا لمن أراد!!
عندما تريد إن تغسل ثيابك تحضر مسحوق ومياه ومغسلة (آلة الغسيل)، وكلما كان المسحوق جيد، والماء نظيف، خرج الثوب أكثر لمعانا وأعظم بريقا، وشهر رمضان هو المغسلة، والاستغفار والتوبة والذكر هنا الماء الذي يمنح الحياة، والصوم والصلاة والصدقة هم المسحوق!!
كيف لا ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" صحيح مسلم.
لذلك قبل إن تنظف ثوبك نظف قلبك، وقبل إن تنظم هندامك نظم روحك، وقبل إن تزيل العرق من جسدك زكي نفسك، وقبل إن تتخلص من غبار أعضائك في الوضوء يجب إن تتخلص من الحقد والحسد والمكر والغش والخداع.
مغسلة شهر رمضان: تاج على رأس كل عام من الزمان، ومصنع الاحسان ونبع الإيمان، لذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر إن يبلغهم هذا الشهر المبارك، ويدعون الله تعالى ستة أشهر بعده إن يتقبله الله منهم.
مغسلة شهر رمضان: فرصة ذهبية قد لا تتكرر فالموت يأتي فجأة ليبدأ الإنسان فيه صفحة جديدة بتوبة صادقة مع الله عز وجل، وتجديد العهد مع القرآن، وذلك بالمحافظة على الطاعة، والمداومة على العبادة، والاستقامة على الطريقة: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا} (سورة الجن: 16).
فهو شهر مَنْ رُحم فيه فهو المرحوم، ومن حُرِم خيره فهو المحروم.
مغسلة شهر رمضان: في العبادات، صدقة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمسكين، وعمرة رمضان تعدل حجة، والصلاة أم العبادات واول العبادات، بل اول من يحاسب المرء عليها يوم القيامة، فروض وقيام وتهجد، أنها مغسلة دائمة، كيف؟! عن عبدالله بن مسعود قال، قال صلى الله عليه وسلم: "تحترِقونَ تحترِقونَ، فإذا صلَّيتُم الصُّبحَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترِقونَ تحترِقونَ، فإذا صلَّيتُم الظُّهرَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترِقونَ تحترِقونَ، فإذا صلَّيتُم العصرَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترِقونَ تحترِقونَ، فإذا صلَّيتُم المَغربَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترِقونَ تحترِقونَ، فإذا صلَّيتُم العِشاءَ غَسَلَتْها، ثمَّ تنامونَ فلا يُكْتَبُ عليكُم حتَّى تستَيقِظُوا" (حسن صحيح)؛ أخرجه الطبراني في (المعجم الأوسط).
إنه شعور خاص بالهدوء والسكينة، بالسلام والطمأنينة، بالحب والود، بالعطاء والنماء بالتواصل مع الله، إنها تجربة دينية عميقة تُشعِر المسلم بالانتماء والراحة والسعادة.
مغسلة شهر رمضان: توبة، والتوبةُ هي الرجوع إلى الرحمن الرحيم، والسير على الصراط المستقيم {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الانعام: ١٥٣].
إنها خَلْعُ ثياب المعصية، وارتداء ثياب الطاعة، إنها تركُ المحظورات، وفِعل المأمورات، والصبر على المقدورات، إنها التزامُ فِعل ما يحبُّ الله، وترك ما يكرَه، وقد علَّق الله سبحانه وتعالى الفلاحَ كلَّه على فِعل المأمور، وتركِ المحظور، بقوله: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
وإلا فمَن ترك التوبة ظالمٌ لنفسه أشدَّ الظُّلم؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
ولقد شرَع الله للإنسان التوبة؛ إن يعودَ الإنسانُ إلى ربه، ويستأنف الطريق إليه، فيُقالَ مِن عثرته، ويخرُج مِن غَفْوته، ويفرَح بلقائه، ويسعَد بجزائه.
إذًا التوبة مخرجُ النجاة للإنسان حينما تُحيط به خطيئاته، وهي صمام الأمان حينما تضغَط عليه سيئاتُه، وهي تصحيحٌ للمسار حينما تُضلُّه أهواؤه، وإنها حبلُ الله المتينُ، الذي ينقذ الإنسانَ حينما تُغرِقه زلَّاته.
والتوبة حقيقةُ الدِّين، والدِّينُ كلُّه داخلٌ في التوبة؛ لهذا استحقَّ التائبُ إن يكون حبيبَ الله؛ قال تعالى: ﴿إن اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
والتوبة فرحة، كيف؟! يفرَحُ الله الفرحَ العظيم بتوبة عبده المؤمن؛ فقد ورد في الحديث الشريف: "إن اللهَ أفرح بتوبة عبده مِن الضالِّ الواجد، والظمآنِ الوارد، والعقيم الوالد"؛ السيوطي في الجامع الصغير عن أنس.
فحري بنا إن نسارع بتوبة صادقة مع الله. فهنيئاً ثم هنيئاً لمن أدرك رمضان وتاب إلى الرحمن، وتزود من الإيمان، ويا خسارة مَنْ أدرك شهر رمضان ولم يتب إلى الله، وأصرَّ على المعاصي والسيئات، ولم يسارع فيه إلى العبادات والخيرات، وياحسرة من انتَهى الشهر ولم يُغفَرْ له!!
كيف لا وشهر رمضان فرصة للعودة والتوبة، كيف؟!
"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.
"ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.
"ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.
مغسلة شهر رمضان: نزاهة في السلوك والأخلاق، وبراءة من العيوب والرذيلة، وتطهير من الغيبة والنميمة، وخلاص من الأدناس والأنجاس، مثل الحسد، والبغضاء، مقابل الطهارة الحسية، من الأشياء غير المادية، وتشمل، تهذيب السلوك وتزكية النفس وتخليصها من الرذائل، وتحليتها بالفضائل.
قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى: ١٤].
أي تصفية القلب وتنقيته من الأدران، فهي تعبر عن طهارة الباطن حتى ينطبق مع الظاهر!! والجوهر يتفق مع المظهر!!
مغسلة شهر رمضان: هي عبارة عن تزكية النفس وتخليصها من الرذيلة والوصول بها بواسطة السلوك القويم إلى الفضيلة،. قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].
إخلاص النية وإصلاح القلب وتزكية النفس، اهداف يجب إن تتحقق في شهر الصيام، تبدأ من التخلص اولا من الذنوب والمعاصي بالتوبة والاستغفار، تخلية ثم تحلية، ﴿قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لاينبغي لأحد من بعدي انك أنت الوهاب﴾ [ص: ٣٥].
سليمان عليه السلام أراد التخلية قبل التحلية، ليرزق على طهارة، على نظافة على بياض، ومكنه الله تعالى من ذلك، أعطاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، حيث كانت الريح تحمله، والطير تخدمه، والجن تغوص في الأرض تبني له من الصروح ما يشاء وتجلب له من الكنوز ما يريد!!
أما إذا أصر الإنسان علي الذنوب والمعاصي ولم يستغفر منها، تراكمت حتى أصبحت ران: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
مغسلة شهر رمضان: طهارة معنوية تكون أحيانا بمعنى الشفاء من المرض كيف؟! وهذه تتجلى في زيارة المرضى في رمضان وغير رمضان
في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض قال: "لا بأس، طهور إن شاء الله" البخاري عن بن عباس.
مغسلة شهر رمضان: طهارة الاعتقاد ونظافة العقيدة، يقول الله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [ التوبة: ٢٨].
والمقصود نجس الاعتقاد، كما إن المشركين كانوا لايتحرزون عن النجاسات المحسوسة، ولا يلتزمون بأحكام الطهارة غالبا، روى البخاري في صحيحه حديث: "يارسول الله إنا بأرض قوم أفنأكل في آنيتهم؟ قال: لا، إلاّ إذا لم تجدوا غيرها، فاغسلوها، وكلوا فيها".
مغسلة شهر رمضان: طهارة بمعنى القداس، ومنه سمي القدس (المسجد الأقصى)، وروح القدس: (المَلَك: جبريل). وقد جاء ذلك في تفسير قول الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُون﴾ [الواقعة: ٧٩].
مغسلة شهر رمضان: طهارة القلوب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ إن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]، تفسير الطبري والمعنى: أنهم أصروا على ماهم عليه من النفاق، فلم يرد الله إن يطهر قلوبهم.
مغسلة شهر رمضان: تطهير معنوي عام: بالإيمان والطاعة لله ورسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، والعمل الصالح، ومجاهدة النفس، والتوبة، أما بالنسبة لمن كفر بالله فالتطهير بالاستسلام لله تعالى، والانقياد لشرعه. وأما بالنسبة للمسلم؛ فهو يحتاج باستمرار إلى التطهير، بسبب ما يعرض له من الذنوب، والغفلة، والإعراض عن خالقه، وقد يكون التطهير من الله تعالى بابتلاء المؤمنين، وخصوصاً الصالحين منهم، بالمرض، أو الخوف، أو نقص الرزق، أو غير ذلك؛ تخفيفا للذنوب، ورفعا للدرجات، والتعرف إلى الله في الشدة، والتجرد من المظالم، وكف الأذى عن الآخرين، وتطهير القلب بالإيمان والتقوى والخشوع، وترك الكبر والرياء والحقد، والحسد وتطهير اللسان بذكر الله، وقول الخير، واجتناب الكذب وقول الزور والغيبة والنميمة وقول السوء، وتطهير العين من الخيانة والنظر الحرام.
ورد عن أم معبد الخزاعية، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: "اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" دعاء مأثور.
فالإستغفار تطهير من الذنوب، والزكاة: تطهير للمال، وصدقة الفطر: طُهرة للصائم، وهكذا انظر الي قول ربنا: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ إن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ إن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ إن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 27، 28].
حديث أبي المغيرة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي فروة - شطب - أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: "أسلمت؟ " فقال: نعم، قال: "فافعل الخيرات، واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها". قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: "نعم". قال فما زال يكبر حتى توارى". ورواه الطبراني من طريق أبي فروة الرهاوي.
مغسلة شهر رمضان: تطوير وتطهير وتحرير!
تحرير النفس مِن الأوهام والضلال، وتحرير القلب مِن الكذِبِ والنفاق، وتحرير الضمير مِن الغشِّ والخداع، وتحرير العقل مِن المكر السيِّئ والعقائد الفاسدة!
وهنا، رغم عِظَمِ الأخطاء، ووساوس الأعداء، وكثرة الذنوب، فما زالوا عبادًا لله، لم يخرُجوا عن دائرة العبودية طالما هم في طريقِ التوبة.
ومِنْ أعظم نعم الله تعالى على عباده إن فتح لهم باب التوبة، وأمرهم بها ورغَّبهم فيها، ووعدهم بقبولها وغفران ذنوبهم مهما كثرت وعظُمت، رحمة ولطفاً بهم،
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إن اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ إن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: 53، 54]. إذا كانت ذنوبهم كبيرةً، فاللهُ أكبر، وإذا كانت أخطائهم عظيمةً، فالله أعظمُ.
لذلك؛ يجب إن نستقبلَ شهر رمضان بالصلح مع الله، والعمل على تقواه، واستجلابِ رِضاه.
استقبِلوا شهرَ رمضان بمصابيحِ التوبة، وقناديل الأوبة.
روى الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن ربِّه أنه قال: "يا عبادي، إنكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفِرُ الذنوب ولا أبالي؛ فاستغفِروني، أغفِرْ لكم"؛ رواه مسلم.
وقد ورَد في مدارج السالكين لابن قيم الجوزية: إن رحمةَ الله بعباده وفرَحَه بتوبتهم تتمثَّلُ في هذا الأثر: *وعزتي وجلالي، إن أتاني عبدي ليلًا قبلتُه، وإن أتاني نهارًا قبلته، وإن تقرَّب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإن مشى إليَّ هرولتُ إليه، وإن استغفَرني غفرتُ له، وإن استقالني أقلتُه، وإن تاب إليَّ تُبْتُ عليه، مَن أقبل عليَّ تلقيتُه من بعيد، ومَن أعرض عني ناديته من قريب، ومَن ترَك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومَن تصرَّف بحولي وقوتي ألَنْتُ له الحديد، ومَن أراد مرادي أردتُ ما يريد، أهلُ ذِكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل طاعتي أهل كرامتي، أهل معصيتي لا أُقنِّطُهم مِن رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم؛ فإني أحبُّ التوَّابين، وأحبُّ المتطهِّرين، أبتليهم بالمصائب؛ لأُطهِّرَهم مِن الذنوب والمعايب، أشكُرُ اليسيرَ مِن العمل، وأغفِرُ الكثير مِن الزلل، رحمتي سبَقَتْ غضبي، وحِلْمي سبَق مؤاخَذتي، وعَفْوي سبَق عقوبتي، وأنا أرحمُ بعبدي مِن الأمِّ بولدها* الطبراني والبيهقي.
مغسلة شهر رمضان أنهار لمحو الاوزار: قال بعض العارفين: لأهل الذنوب ثلاثةُ أنهار يتطهَّرون بها في الدنيا؛ فإن لم تَفِ بطُهرهم، طُهِّروا في نهر الجحيم يوم القيامة: نهر التوبة النصوح، ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها، ونهر المصائب العظيمة المُكفِّرة، فإذا أراد الله بعبد خيرًا أدخله أحدَ هذه الأنهار الثلاثة، فجاء يوم القيامة فلم يحتَجْ إلى التطهير الرابع، ولو لم تُشرَعِ التوبةُ لهلك الناس، ولعمَّ الفساد في الأرض؛ لأن الإنسان إذا طُرد مِن رحمة الله، لمجرَّدِ معصية واحدة، فلن يرجِعَ إلى منهج ربه؛ لانعدامِ أمله في القَبول، ولِمَ يرجِعُ وقد طُرد مِن رحمته؟ عندئذ سيُعربد في الأرض انحلالًا وانحرافًا وطغيانًا.
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "للهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده المؤمن، مِن رجل في أرض دَوَّيةٍ -لا نبات فيها - مُهلِكة، معه راحلته، عليها طعامُه وشرابه، فنام، فاستيقظ وقد ذهبَتْ، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجعُ إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموتَ، فاستيقظ وعنده راحلته، عليها زاده وطعامُه؛ فالله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن مِن هذا براحلته وزاده" متفق عليه، عن عبدالله بن مسعودٍ.
أهمية وفوائد مغسلة شهر رمضان:
اولا: تكفير الذنوب: الصيام والقيام (خاصة ليلة القدر) إيمانًا واحتسابًا يغفر ما تقدم من الذنوب.
ثانيا: فرصة للبدء من جديد: هو وقت عظيم للتخلص من أعباء المعاصي وبناء صفحة جديدة مليئة بالتقوى.
ثالثا: العتق من النار: لله عتقاء في كل ليلة من رمضان.
رابعا: الخطر من فواته: يخشى على من أدرك رمضان ولم يغفر له، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: "رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل إن يغفر له" أخرجه البزار والطبراني.
كيفية تحقيق التوبة الصادقة:
اولا: الندم: الشعور بالحزن على المعاصي السابقة.
ثانيا: الإقلاع الفوري: ترك الذنب تماماً.
ثالثا: العزم الصادق: نية قوية بعدم العودة للمعصية.
رابعا: رد الحقوق: إعادة حقوق العباد إليهم إن وجدت.
خامسا: صلاة التوبة: يستحب صلاة ركعتين والاستغفار بعد الوقوع في الذنب.
لذلك لابد من تجديد التوبة قبل دخوله والإكثار من الاستغفار والذكر، واستشعار رحمة الله: الله واسع المغفرة، يقبل التوبة مهما بلغت الذنوب.
يجب استغلال هذه الأيام المباركة لتعزيز العزيمة، والصبر والجد في الطاعة.
لقد جعل الله تعالى لعباده في التوبة والإنابة إليه ملاذاً آمناً، يلِجْه المُذنب، معترفاً بذنبه، نادماً على فعله، ليجد فيه ما يغير حياته من شقاء وظلمة المعصية، إلى نور وسعادة التوبة والطاعة، ولذا أمر الله تعالى بها أهل الإيمان، فقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٣١) قال السعدي: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة، وهي الرجوع مما يكرهه الله، ظاهرا وباطنا، إلى: ما يحبه ظاهرا وباطنا، ودل هذا، إن كل مؤمن محتاج إلى التوبة، لأن الله خاطب المؤمنين جميعا.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُبَشِّر أصحابه رضوان الله عليهم بقدوم شهر رمضان، لِمَا فيهِ مِنَ الخيرِ الكثير، والفضائل والبركات العظيمة، فكان يقول لهم: "أتاكم شهر رمضان، شهرٌ مبارَكٌ، فرض اللهُ عليكم صيامَه، تُفتح فيه أبوابُ الجنَّة، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم. وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم" رواه النسائي.
اللهم طهرنا من الذنوب، وسترنا من العيوب، وتب علينا لنتوب.