التدريس بين المهارة والتفليس

51
2 دقائق
4 شوال 1447 (23-03-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

حين ذكر ابن السبكي في كتابه معيد النعم (١٠٥) وظائف الناس وشرحها، أتى على وظيفة المدرس فقال:

*وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس، وتفهيمه للحاضرين، ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق.

وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في مشكلات الفقه، ويخوض بهم عبابه الزاخر... الخ*.

في هذه القطعة وما بعدها إلماحات حسنة إلى أن التدريس مهارة وملكة، ووظيفة لها خصائص تتميز بها، ومن المهم أن يستحضر المدرس والمعلم دوره ووظيفته بدقة، فالتلاميذ درجات، وليس نقل المعلومات للطلبة والاستكثار لهم منها هو أهم أدوار المدرّس؛ إذ لا يعجز الطالب المجدّ أن يتلقى المعلومات بمطالعات فردية هنا وهناك في كتب العلم، ولكن الأهم هو نقل الملكَة للطلاب -ملكة العلم والفهم- وتمهيرهم في العلوم وترقيتهم شيئًا فشيئا حتى يحصل لهم التمكن والاستغناء، ومن ثم يتأهلون لنقل العلم لمن بعدهم.

وأنا أضرب مثلًا في شرح الكتب الفقهية أو الأصولية؛ فما أسهل أن يلقي المدرّس للطلاب أقاويل الناس في المسألة، ويسرد لهم الأدلة سردًا كما هي في الكتب المطولة، ثم يذهب ويجيء في الاختيارات والترجيحات! حتى قال أحد الطلاب لبعض شيوخه وهو يشرح في الروض المربع في كلية الشريعة: هل تسمح ياشيخ أن نحضر كتاب المغني لابن قدامة بدلًا من الروض المربع لنتابع فيه!؟

وهذه آفة من يظن من المدرسين أن دوره هو إلقاء أكبر قدر من المعلومات فحسب!

لكن أن يحسن تصوير المسائل، ويوقف الطلاب على مواضع الإشكال، ويبين لهم الإشارات في العبارات، كالأسئلة المقدرة، والقيود المعتبرة، ومراتب الأدلة، ووجوه الدلالة، والجلي منها من الخفي، ويضم النظير إلى نظيره، وعلائق المسائل ببعضها في الأبواب، ويضبط لهم أصول المسائل، ويرد إليها الفروع، وهو يحادثهم ويحادثونه ويسائلهم ويسألونه.. وهلم جرا = هذا هو الأهم، والأجدى في التدريس، فبذلك تتفتح الأذهان، ويتمهر الطالب، ويتقوى في النظر، ويترقى في الفهم.. وآية ذلك تمكنه من شرح ما تعلمه لغيره، وقدرته على فهم غير الكتب التي شرحها له أستاذه الماهر.

- ولقد حدثني بعض شيوخنا أنهم حين تقدموا في العلم كانت تقع لهم بعض المسائل والإشكالات فإذا سألوا شيخهم عنها كان لا يجيبهم، وغاية ما يفعله أن يأتي لهم بالكتاب أو الكتب ويقرب لهم المواضع التي يمكن أن يستفاد منها الجواب ويقول لهم= أنتم طلبة علم اقرأوا! فلا يرجعون إليه إلا بعد العجز التام.

ولا ريب أنه فعل ذلك بهم بعد أن لازموه زمنا وأخذوا عنه كثيرا من العلوم، فليس مثل هذا يقال لمبتدئ.

- وأخبرني أيضًا أن أحد المشتغلين بالعلم والتدريس أتى إلى شيخ يدرس شرح المحلي على جمع الجوامع في الأصول- وهو كتاب درسي محرر- فقال له معرضًا: إلى متى تدرّسون هذه الكتب العسرة؟

لماذا لا تدرسون المستصفى للغزالي فهو أوضح عبارة وأيسر!

فقال الشيخ: أنا لم أدرُس المستصفى من قبل ولكني أستطيع شرحه، وأنت لم تدرس جمع الجوامع فهل تقدر على شرحه!؟ فسكت وعاد أدراجه.

- والحاصل أن العلم = معلومات وملكات، وليس معلومات فقط، والملكة هي التي يكون بها الطالب فقيه النفس، صحيح النظر، وهي التي ينبغي للمدرّسين أن يعنوا بنقلها لتلاميذهم، وأما المعلومات المجردة فيستوي فيها المدرسون، ولا فرق أن يسمعها الطالب من شيخه أو غيره.

ولقد كان نبينا قدوة في ذلك، فلم يكن يلقي على أصحابه الأحكام مجردة دون أن يلمح لهم إلى المآخذ، ويقوي نظرهم، تارة بالسؤال، وتارة بالإيماء، وتارة بقياس العكس، وغير ذلك.. ولعل الله أن ييسر الإشارة إلى شيء منها في كتابة لاحقة، والله ولي التوفيق.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق