بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
في هجير القيظ ووهج الرمال، حين كانت الأنفس تُختبر بمشقة الطريق، تعالت همسات واهنة من قلوبٍ أعياها الشك وأقعدها التردد: "لا تنفروا في الحر".
لم يكن ذلك مجرد اعتذار عن مسير، بل كان مرآةً لنفوسٍ آثرت ظل الدنيا الزائل على خلود الآخرة، فجاء الرد الإلهي كالبرق الذي يمزق غيوم الزيف: {قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ}. إنها الحقيقة التي تغفل عنها الأبصار؛ أن حرارة التكليف بردٌ وسلام، وأن راحة المعصية سعيرٌ لا يُطاق.
وهنا نقف أمام مرآة النفس، فخوفك من النفاق هو أول أمارات اليقين، فما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق. انظر إلى الفاروق عمر، وهو من هاب الشيطانُ ظله، كيف يهرع إلى حذيفة بن اليمان -خازن سر النبوة- يسأله والوجل يملأ صدره: "أنشدك الله، هل عدّني رسول الله ﷺ منهم؟". إن هذا القلق المحمود هو الذي يصون القلوب من الغفلة، ويحرس الأرواح من الانحدار نحو خصال النفاق العملي، من كذب الحديث، وخيانة الأمانة، وغدر الوعود، والفجور عند الخصومة.
لكن رحمة الله أوسع من مخاوفنا، فقد بشّرنا الراسخون في العلم أن من أدمن طرق باب الله نجا؛ فالله لا يخيب من ألحّ عليه بالسلامة وعزم على الصلاح. والمؤمن الحق هو من إذا أذنب استغفر، وإذا خلا بربه صلى، وإذا نطق ذكر الله كثيرًا؛ فاللهج بالذكر هو براءة المؤمن، بينما السكون والرياء هما شأن المنافقين الذين لا يذكرون الله إلا قليلًا.
يا رفيق الدرب، إن النفاق ليس قدرًا محتومًا، بل هو مسلكٌ يُتجنب بصدق السريرة وإخلاص العمل. فاستعذ بالله من شتات القلب، واجعل من تقوى الله في السر والعلن وقايةً لك، واعلم أن من استجار بالله من النفاق بقلبٍ صادق، لم يجعله الله من أهله، وحفظه في كنفه حتى يلقاه بقلبٍ سليم.