كيف نصر الله الأنبياء الذين قتلوا

85
3 دقائق
13 شوال 1447 (01-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

حين يتحدث القرآن عن النصر، فإنه لا يتحدث بلغةٍ سطحية، ولا يقيس الأمور بمقاييس العاجل وحده. كثير من الناس يختزلون النصر في صورة واحدة: الغلبة الظاهرة، والسلامة من القتل، والبقاء في الدنيا. لكن القرآن يفتح المعنى على أفق أوسع، أعمق، وأصدق.

النبي قرر قاعدة عظيمة حين قال لأبي بكر رضي الله عنه في شأن بلال ومن شابهه من المستضعفين: "لئن كنتَ أغضبتَهم لقد أغضبتَ ربك" [صحيح مسلم].

هنا يضع الميزان بوضوح: نُصرة المؤمن هي نُصرة لله، ومن نصر الله نصره الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

لكن يثور السؤال في النفوس: كيف نفهم هذا الوعد، وقد قُتل أنبياء، وأُبيد مؤمنون، وأُحرقت أخاديد، وسُجن صادقون؟ هل نصرهم الله أم خذلهم؟

القرآن نفسه يجيب، لكنه لا يجيب لمن يطلب إجابة سريعة، بل لمن يتدبر.

الله تعالى يقول:

﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51].

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ۝ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات: 171-172].

هذه نصوص قطعية، لا تقبل الشك. فكيف نجمع بينها وبين واقع القتل والأذى؟

أول ما ينبغي فهمه أن أعظم نصر للمؤمن هو أن يهديه الله للإيمان، ثم يقبضه عليه دون تبديل. أن يخرج من الدنيا وقلبه ثابت، لا مرتدًّا، ولا منكسرًا، ولا خائنًا. هذا نصر لا يراه أصحاب العيون العجلى، لكنه عند الله عظيم.

انظر إلى الصحابة السابقين. ابتُلوا بالجوع، والخوف، وقلة العدد، ثم ابتُلوا بعد ذلك بالمال، والفتح، والسلطة. الفتنة الثانية أخطر من الأولى، ومع ذلك ثبتوا. لم يبدلوا، ولم ينقلبوا. هذا في ذاته نصر إلهي.

ثم إن النصر في القرآن ليس معناه دائمًا البقاء حيًّا. بل معناه - الثبات على الحق- سواء غلبت أو قُتلت.

﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].

علوّ الإيمان لا يسقط بالهزيمة العسكرية، ولا بالقتل، ولا بالأسر.

في غزوة أُحد، حين جُرح الصحابة وقُتل خيارهم، قال الله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾،

ثم بيّن الحكمة:

﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140].

فالشهادة نفسها نصر، لأنها اختيار إلهي.

خذ نموذج خبيب رضي الله عنه، وهو يُقاد إلى القتل، فيقول كلمته الخالدة: ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا على أي جنبٍ كان في الله مصرعي.

لم يكن يسأل: متى أموت؟ ولا كيف؟ بل على أي شيء أموت. هذا هو ميزان المؤمن. الميتة واحدة، لكن الشرف في سببها.

ولهذا قال الله عن أقوام سابقين:

﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87].

قتلوا أنبياء، ومع ذلك لم يُنقض وعد الله. لأن الله نصرهم وهم يُقتلون، لا بعد أن بقوا.

قصة أصحاب الأخدود مثال صارخ. أُحرق المؤمنون جميعًا، ولم ينجُ أحد. فهل خُذلوا؟ أم نُصروا؟

القرآن يخلّد قصتهم، ويجعلهم عنوانًا للإيمان الخالص، ويجعل قاتليهم في لعنة أبدية. هذا نصر.

وانظر إلى الرجل المؤمن في سورة يس:

﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾.

وحيد، في جو ملتهب، يواجه قومًا متوحشين. قال كلمته، ونصر الرسل، ثم:

﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾.

قُتل. لكن ماذا قال؟

﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ۝ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: 26-27].

لم يقل: لِمَ تركني؟ بل قال: بما غفر لي. ثم جاء نصر الله بعد موته:

﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ… إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾.

انتصر الله له، ولو بعد أن استُشهد.

وفي المقابل، هناك من نصرهم الله وهم أحياء.

الرجل المؤمن من آل فرعون في سورة غافر. وقف في مجلس الطغيان، وقال كلمته، وفضح الباطل، وختمها بقوله:

﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾.

فماذا كانت النتيجة؟

﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: 45].

نفس الطريق، نتيجتان مختلفتان، وكلاهما نصر.

واحد قُتل فرفعه الله، والآخر حُفظ فنصره الله في الدنيا.

إذن المؤمن مع الله بين حالين لا ثالث لهما:

إما نصرٌ بالتمكين والغلبة.

وإما نصرٌ بالثبات والشهادة ورفعة المقام.

أما الهزيمة الحقيقية، فهي أن يُفتن عن دينه، أو يُبدّل، أو يُساوم على الحق. هذه وحدها الخذلان.

ولهذا قال الله:

﴿لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42].

يمهل، ولا يهمل.

ينصر، لكن على طريقته، لا على تصوراتنا القاصرة.

ومن لم يفهم هذا المعنى، سيقف مذهولًا أمام مشاهد القتل، ويسأل: أين نصر الله؟

ولو فهم، لعلم أن الله لا يضيع دمًا سُفك من أجل الحق، ولا دمعة نزلت صبرًا، ولا موقفًا قيل فيه: ربي الله.

النصر في ميزان القرآن ليس بقاء الجسد، بل بقاء الدين.

ومن نُصر دينه، فقد نُصر، وإن قُتل.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق