الحياء قيمة خلقية وحضارية

110
9 دقائق
13 شوال 1447 (01-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

تتعرض الأمة الإسلامية اليوم لغزو ثقافي وأخلاقي ممنهج غير مسبوق تحتمه عليها دواعي الانفتاح العالمي، نحن في زمن اختزلت فيه المسافات والأزمنة، فما يحدث في أقصى الدنيا يصل إلى بيوتنا في وقت قياسي رهيب بحيث يمكن لأحدنا رؤية العالم وهو في مكانه، وهذه الحرب الشعواء طالت القيم الكبرى، فهي تسعى لتشويه مفاهيمها في نفوس أفراد الأمة أو استبدالها بقيم دخيلة تخدم المنظومة العالمية، بل تعمل على هدم القيم الإسلامية باعتبارها الجدار الحصين الذي يحرس الهوية والانتماء.

من القيم الكبرى التي تتعرض للتغيُّر في أذهان الكثيرين قيمة الحياء فهي تشهد تراجعا كبيرا، واختفاء تدريجيا نتيجة التحولات السريعة، والتطور التكنولوجي والمعرفي الذي انعكس عليها بشكل كبير.

هذه القيمة التي أخذت تختفي تدريجيا من حياة كثير من الناس الكبار والصغار منهم، حتى المتعلمين منهم ليحل بدلها الصفاقة في الوجوه، والتبجح مع سوء الأدب.

لذلك فالحديث عنها أمر مطلوب.

ما هو الحياء؟

الحياء والاستحياء بمعنى واحد الحَياءُ وهو الحِشمةُ، ضِدُّ الوَقاحةِ، ويقابل بالفحش لقوله في الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه: "ما كانَ الفُحشُ في شيءٍ إلَّا شانَهُ، وما كانَ الحياءُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ" رواه الترمذي واللفظ له، وابن ماجه واحمد.

وقول عائشة رضي الله عنها، أن النبي قال لها: "يا عائشةُ لو كان الفُحشُ رجُلًا كان رجُلَ سَوْءٍ ولو كان الحياءُ رجُلًا لكان رجُلَ صِدقٍ" الطبراني

عرف الراغب: “الحياء انقباض النفس عن القبائح“(1) .

من خلال التعريفات يتضح أن الحياء سمة يتصف به ذوو المروءات من الناس الذين عمرت قلوبهم بالتقوى والخوف من الله، وتعففت نفوسهم عن الصغائر وعن كل شيء قبيح، فهو قوة أخلاقية تضبط السلوك، وتوجّه الإنسان نحو الكمال الخُلقي.

(وخلق الحياء وثيق الصلة بيقظة الضمير، ويقظة الضمير وثيقة الصلة بحياة القلب وصفائه، ولذلك يرى ابن القيم أن الحياء من الحياة، وعلى حسب حياة القلب يكون فيه خلق الحياة) (2)، فكلما كان القلب حيا يقظا ازداد الحياء ونما.

مكانة الحياء في الإسلام:

الحياء خلق الإسلام الجامع وسمته المميزة عن عبدالله بن عباس رضى الله عنه أن النبي قال: "إنَّ لِكُلِّ دينٍ خُلُقًا، وإنَّ خُلُقَ الإسلامِ الحياءُ" أخرجه ابن ماجه.

والحياء والإيمان قرينان متلازمان إذا ضاعَ الحياءُ فلا يُنتفَعُ بالإيمانِ، وإذا ضاعَ الإيمانُ فلا حَياءَ، عن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما عن النبي قال: "إنَّ الحياءَ و الإِيمانَ قُرِنا جَميعًا، فإذا رُفِعَ أحدُهُما رُفِعَ الآخَرُ" الحاكم، والبيهقي، أبونعيم.

والحياء في المنظور الإسلامي ليس مجرد قيمة وخلق بل عنصر أساسي من عناصر الإيمان وشعبة منه في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه: "الإيمانُ بضعٌ وسبعون شعبةً، أعلاها قولُ لا إله إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ" مسلم.

وحديث رسول الله يوضح لنا حقيقة مهمة وهي أن الإيمان ليس مجرد عقيدة قلبية، بل هو إلى جانب ذلك سلوك عملي يرتبط بالحياة كلها، والحياء جزء من هذا السلوك الشامل حرص الإسلام على تعميقه في أفراد الأمة.

الحياء خلق الفطرة:

والحياء خلق فطري تنميه التربية الصالحة بالقدوة والتعهد والرعاية المستمرة وعدم الغفلة عن كل ما يشين فطرة الناشئة ويقتل فيه خلق الحياء فيكبر صفق الوجه قبيح الطبع، فالحياء يجلب الخير حيثما كان: "الحياء خير كله" و "الحياء لا يأتي إلا بالخير" رواهما مسلم.

وفي “الصحيحين” عن ابن عمر أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم: مرَّ على رجلٍ وهو يُعاتِبُ أخاه في الحياء يقولُ: إنك لتستحيي، كأنَّه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسولُ الله : "دَعْهُ، فإنَّ الحياءَ مِنَ الإِيمانِ".

إن غياب خلق الحياء عند ابنائنا وهم جيل المستقبل جريرة نرتكبها نحن الآباء والأمهات، والمربين والمؤسسات التربوية والتعليمية.

ويجب أن لا يكون الغاية من ترسيخ الحياء في النفوس التزكية فحسب بل يمتد ذلك إلى استنهاض الهمم، وشحذ العزائم لفريضة الاستخلاف وعمارة الأرض وإقامة العدل عليها.

بين الحياء والخجل:

الحياء ثمرة من ثمرات الإيمان وزينة له يورث في النفس قوة وثقة، واعتزاز، وهو قيمة ضابطة لشخصية المسلم وسلوكه الاجتماعي تجعله يبتعد عن مواطن الشبهات وارتكاب المعاصي، وتعيد إليه قيم الصدق والعفة والأمانة حين ضُعفها، أو غيابها تماما أما الخجل فهو نتيجة العجز والشعور بالنقص، حيث يترك الإنسان من أجله ماينفعه في دينه ودنياه، ويجعله ينطوي ويخاف ويتردد ويفقد الثقة في نفسه، إذ اعتبره علماء النفس الخجل مرضا اجتماعيا، و نفسيا إذا زاد عن حده.

والحياء لايعني التخاذل والخوف والجبن والشهادة بالحق ولو على نفس الإنسان، أو طلب الحقوق أو إبداء الرأي، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و ليس ضعف في النفس كما يقول أدعياء التمدن، أي أنه يمنع من تلبية الرغبات، وإشباع الشهوات، ساء ورب الكعبة ما يقول هؤلاء، فلقد كان سيد الخلق أشد حياء من العذراء في خدرها ولا يمنعه ذلك من قول الحق، ولا يخاف في الله لومة لائم، ويغضب له إذا انتهكت حرماته، ويُعرف ذلك في وجهه.

والحياء لايمنع من التعلم والسؤال والبحث عن الحقيقة قال التابعي مجاهد بن جبر: “فلا يتعلم العلم مستحيٍّ، ولا متكبر”(3).

ولقد أشادت السيدة عائشة رضي الله عنها بنساء الأنصار"نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" (4).

الحياء من صفات الله:

من صفات الله تعالى صفة الحياء، روى الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ربكم حيُِّي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه، فيردهما صفرا" صحيح ا بن ماجه، واخرجه أبو داوود والترمذي والحاكم.

وقال أيضا: "إن اللهَ عزَّ وجلَّ حليمٌ حييٌّ، سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الحياءَ، والسِتْرَ، فإذا اغتسَلَ أحدُكم فلْيَسْتَتِرْ". النسائي.

الحياء من صفات النبي صلى الله عليه وسلم:

والحياء صفة لنبينا صلى الله عليه وسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "كانَ النَّبيُّ ﷺ أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا" أخرجه البخاري.

أنواع الحياء:

الحياء من الله:

إن الحياء من الله هو أسمى المنازل وأعلاها وأكرمها، ومن لم يستحي من الله فقد استهان به.

كيف يكون الحياء من الله؟

ويتمثل في حفظ الجوارح عن المعاصي، عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استحيوا من الله حق الحياء. قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك استحيا من الله حق الحياء". أخرجه الترمذي.

1- كيف يحفظ الرأس؟

أن يكون سجوده وخضوعه لله تعالى وحده المعبود بحق، ويحفظ الدماغ من النفايات الفكرية المتنامية التي تشوش صفائه،و تفسد فطرته، وحفظ الحواس من السموم التي تنفذ عبرها لتفتك بصاحبها، فهي مسؤولة قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الإسراء36. فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسؤول عما قاله وفعله وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له وكفها عما يكرهه رب العالمين.

2- كيف يحفظ البطن؟:

بالابتعاد عن فضول الأطعمة المضرة بالجسم، وعن المسكرات والمخدرات، وحفظ الفرج من الوقوع في الرذائل ومن كل ما يورد الإنسان الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والخلقية، و حفظ الأيدي فلا يكتب صاحبها إلا ما يرفع قدره في الدنيا ويشفع له يوم القيامة، وكذلك الأرجل فلا تقصد إلا مواطن الفائدة والمنفعة.

3- وإن لذكر الموت على الإنسان المتبصر وقع يجعله يستحيي من الله، فيزداد شعوره بالمسؤولية لإصلاح حاضره، والعمل والاستعداد لمستقبله الدائم.

- إن الحياء منه سبحانه و تعالى يعني استشعار راقبته الدائمة قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ الحديد 4 في جميع الأحوال والأوقات ، حال النوم وحال الاستيقاظ، في مكان العمل ، وفي الشارع ، وهذه اليقظة تسمو بالمرء و ترتقي به في مدارج العبودية لله حتى يصل إلى درجة الإحسان حيث يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فهو يراه، فهو جل في علاه كامل في علمه وإحاطته، فإذا كان الواحد منا يخشى من أن يتفقد المسؤول عثراته في العمل وأن ينتبه الأهل إلى إنحرافاته وأخطائه وتصرفاته الطفولية، وأن يطلع أحبابه على خيانته، فالله أحق أن يُخشى ويُستحى منه لأنه سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُسورة غافر 19.

لكن العجب كل العجب أن لا يستحي الإنسان من الله الحيي الكريم، بل منهم من يتهاوى في سلم الهلاك حتى يَهلك دفعة واحدة، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: (إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مَقيتا مُمقتا فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نُزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مُخونا فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما مُلعنا فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام) (5).

ومن كانت هذه حاله هان عليه كل شيء، في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري: "إنَّ ممَّا أدرك النَّاسُ من كلامِ النُّبوَّةِ الأولَى: إذا لم تستحْيِ فاصنَعْ ما شئتَ" البخاري.

الحياء من النفس: وهو ما يدفع الإنسان إلى صيانة خلواته، والسمو عن الدنايا، فلا تسول له الاطلاع على ما يخدش الحياء،فلا يمد يده بالسرقة لشىء لا يملكه، ولا يقصِّر في عبادته، ولا يخون أماناته، و يترفع عن الخوض في أعراض الناس بالغيبة والنميمة والكذب، ويترك البذاءة والفحش في القول عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: "الحياءُ منَ الإيمانِ، والإيمانُ في الجنَّةِ، والبَذاءُ منَ الجفاءِ، والجفاءُ في النَّارِ" أخرجه الترمذي واحمد وابن حيان

الحياء من الناس:

لا يؤذي مشاعرهم بالقول والفعل، لايذكر عيوبهم، ولا يؤذيهم بتصرفاته في مجالسهم. لا يجاهر بعيوبهم، لا يتدخل فيما لا يعنيه من شؤونهم ومن أخص الناس الوالدين، والعلماء، وكبار السن.

صور من الحياء في القرآن:

الحياء لا يمنع الله تعالى من ضرب الأمثال بالحشرات الصغيرة كالبعوضة والذبابة والعنكبوت، لأنها للتنوير والتبصير قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًاالبقرة: 26 ، قال الألوسيُّ (الآيةُ تُشعِرُ بصِحَّةِ نِسبةِ الحَياءِ إليه تعالى).

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِۦ مِنكُمْ وَٱللَّهُ لَا يَسْتَحْىِۦ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ الأحزاب: 53.

ذكر تعالى في سورة الأحزاب صورة سامقة من حياء النبي وذلك لما تزوج السيدة زينب رضي الله عنها، فبعد الانتهاء من الطعام قام النبي صلى الله عليه وسلم، وقعد ثلاثة من القوم ثم انطلقوا وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ سورة الأحزاب 36 ، ومن كمال في خلقه في أنه ليستحي أن يقول لضيفه أخرج من البيت فقد انتهى الطعام، في الآية تنبيه للمسلمين إلتزام الأدب الرفيع مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

إن الحياء زينة المرأة المسلمة ودلالة على رقيها الأخلاقي والفكري وصلاحها، سجل الله تعالى نموذجا للصالحات راجحات العقل قرآنا يتلى إلى يوم الدين إنها ابنة شعيب عليه السلام قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ القصص 25.

هذه الفتاة جاءت إلى سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة والسلام، لأن أباها كلفها أن تذهب إليه ليكرمه، ولم يرسلها أبوها إلا وهو واثق منها، ومن عفتها، جاءت تمشي على استحياء، وفي المشي اتزان ووقار، لا مسرعة ولا متباطئة: (مُسْتَحْيِيَةٌ في مَشْيِها، أيْ تَمْشِي غَيْرَ مُتَبَخْتِرَةٍ ولا مُتَثَنِّيَةٍ ولا مُظْهِرَةٍ زِينَةً) (6).

لستحضر الصورة الفنية الرائعة لقوله تعالى: ﴿تمشي على استحياء﴾، يقول صاحب التفسير القرآني للقرآن: (جاءت في خفر وحياء، شأن الحَصان العفيفة. وحسبها أنهاَ ربيبة بيت النبوة. لقد تجَّسد الحياء فكان بساطا ممدودا على طريقها إلى موسى. إنها لا تمشي على الأرض، ولكنها تمشي على حياء تتعثر فيها قدماها وتقصر فيها خطاها ويضطرب لها كيانها) (7)، إن الطريق التي تمشي عليها ليست مكونة من تراب أو اسفلت إنما هي طريق مادتها الحياء، هل عشت المشهد الجميل وتدبرت؟

رسالة إليك ابنتي المسلمة:

بنيتي: إن أجمل ثوب يقتنى هو ثوب الحياء تأملي قصة هذه الفتاة لم يهتم القرآن باسمها ولا بشكلها، ولكن أشاد بخلقها الرفيع وخلَّده كلاما يتلى ويحفظ في الصدور، لتكون أُسوة لكل من تسمو إلى المعالي، مترفعة عن السفاسف، معرضة عن دعاة نزع لباس الفضيلة والعفة والوقار قبل لباس الجسد، واعلمي أن الحياء لا يمنعك من طلب العلم، أو من الإبداع والعطاء، ولا يقف حاجزا أمام القيام بواجبك الاجتماعي والدعوي فاحذري كل الحذر من هتك ستر الحياء.

وخير ما أختم به قول ابن القيم - رحمه الله -: (خلق الْحيَاء الَّذِي هُوَ من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرا واكثرها نفعا بل هُوَ خَاصَّة الإنسانية فَمن لَا حَيَاء فِيهِ لَيْسَ مَعَه من الانسانية الا اللَّحْم وَالدَّم، وصورتهم الظَّاهِرَة كَمَا أنه لَيْسَ مَعَه من الْخَيْر شَيْء، وَلَوْلَا هذاالخُلق لم يقر الضَّيْف،وَلم يوف بالوعد، وَلم يؤد أمانة، وَلم يقْض لَأحَدٍ حَاجَة،وَلَا تحرى الرجل الْجَمِيل فآثره، والقبيح فتجنبه،وَلَا ستر لَهُ عَورَة،وَلَا امْتنع من فَاحِشَة، وَكثير من النَّاس لَوْلَا الْحيَاء الَّذِي فِيهِ لم يؤد شَيْئا من الأمور المفترضة عَلَيْهِ وَلم يرع لمخلوق حَقًا وَلم يصل لَهُ رحما وَلَا بر لَهُ والدا) .(8)

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

1- الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الأخلاق ص: 207.

2- أحمد الشرباصي، موسوعة أخلاق القرآن ص: 90.

3- فتح الباري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم،1/335.

4- المرجع نفسه 1/33.

5- ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم 1/498.

6- الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير المجلد العشرون، ص: 61.

7- عبد الكريم يونس الخطيب،التفسير القرآني للقرآن المجلد العاشر. ص: 336.

8- ابن القيم الجوزية، مفتاح دار السعادة، ص: 277. ط


مقالات ذات صلة


أضف تعليق