الجمع في المطر واشكالية الاستدلال والنظر

74
3 دقائق
13 شوال 1447 (01-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

الغرض من هذه الورقة بيان طريقة الأئمة في التعامل مع النصوص والآثار.

وليس الغرض ذكر الخلاف والترجيح. وإن كنت أرى أن قول جماهير الأئمة بأنه يجوز الجمع للمطر أرجح.

(1) القائلون بجواز الجمع في المطر من حيث أصل المشروعية: ابن عمر، وعمر بن عبدالعزيز، وأبان بن عثمان. (أثناء إمارتهما على المدينة)

والشافعي، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور.

وهو مذهب الفقهاء السبعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبدالله بن عتبة؛ وسليمان بن يسار.

واختاره جماعة كبيرة من المحققين منهم:

الطبري -نقله ابن عبد البر-، وابن هبيرة، وربيعة، وأشهب، والقاضي أبو يعلى، وأبو الخطاب، وابن تيمية، والنووي، والخطابي. وغيرهم كثير جدا.

وبالجملة فالقائلون بالجواز عدد كبير يشق حصرهم.

(2) استدل هؤلاء الأئمة:

-بأثر ابن عمر: عن نافع، قال: *كانت أمراؤنا إذا كانت ليلة مطيرة أبطؤوا بالمغرب، وعجلوا بالعشاء قبل أن يغيب الشفق، فكان ابن عمر يصلي معهم، لا يرى بذلك بأسًا*.

قال ابن رجب: *وقد علم شدة متابعة ابن عمر للسنة، فلو كان محدثًا لم يوافقهم عليه البتة*.

-واستدلوا أيضا بأن عمل التابعين على الجواز.

- وفي البخاري عن جابر بن زيد عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء". فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى اه

وهذا يدل على أن الجمع للمطر معروف بين أتباع التابعين -سواء حملنا هذا الحديث على المطر أو على محملٍ آخر-. وأيوب السختياني: كان من سادات أهل البصرة وعباد أتباع التابعين وفقهائهم ممن اشتهر بالفضل والعلم والنسك والصلابة في السنة والقمع لاهل البدع. كما يقول ابن حبان.

- ويستأنس بما رواه الأثرم أن أبا سلمة بن عبدالرحمن قال: *إن ‌من ‌السنة ‌إذا ‌كان ‌يوم ‌مطير، ‌أن ‌يجمع بين المغرب والعشاء*.

نعم في إسناده: عمر بن أبي سلمة فيه ضعف لكنه ليس ضعفا شديدا ويقبل في هذه الآثار.

فهذه الأمور مجتمعة -وبعضها أقوى من بعض- هي مستند الأئمة.

ولهذا قال ابن الصلاح: *فدَّل هذا مع غيره على شهرة ذلك وانتشاره من غير منكر*.

وقال ابن تيمية: *الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة والتابعين أنكر ذلك، فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك*.

ولما ذكر ابن قدامة أثر ابن عمر وآثار التابعين قال: *ولا يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان إجماعا*.

وأما غير هؤلاء ممن لم ينقل عنهم الجمع من التابعين فهم لم يقولوا بعدم مشروعية الجمع، إنما لم ينقل عنهم الجمع، وبين الأمرين فرق.

وهذا أيوب السختياني مثلا ممن لم ينقل عنه الجمع للمطر ومع ذلك هو من حمل حديث ابن عباس على المطر.

(3) لم يشكل على الأئمة القائلين بالجواز وهم عامة علماء الأمة: أن المطر استمر أسبوعًا على المدينة ولم ينقل أن النبي جمع له.

ولا أنه لا يوجد نص صحيح مرفوع يدل على الجواز.

ولا أن الخلفاء الراشدين لم ينقل عنهم الجمع.

ولا غير ذلك مما هو من جنس هذه الاستدلالات.

فكل هذه الاستدلالات لم تشكل على الأئمة، ولم تمنعهم من القول بالجواز، مع أنها استدلالات قريبة المأخذ، متبادرة للذهن، كما لا يخفى إن شاء الله.

مما يجزم معه الناظر أن عامة الأئمة كانوا: يرون أنه لا يصح ولا يستقيم الاستدلال بهذه العمومات مع وجود هذه الآثار في الباب.

وبما تقدم يعلم أيضًا أن طريقة الأئمة في التعامل مع نصوص وآثار وملابسات هذه المسألة تختلف عن طريقة مَن منع الجمع للمطر مستدلا بما لم يستدلوا به من الظواهر التي كانوا يعرفونها.

لا إشكال في وجود خلاف في مسألة من المسائل

لكن الإشكال في الاستدلال بأدلة تركها الأئمة مع وضوحها.

أو تأويل الأدلة التي استدلوا بها بطريقة لم يقل بها أحد.

ولهذا قال الشيخ الفقيه ابن أبي زيد القيرواني (الملقب بمالك الصغير): *إنه ليس لأحدٍ أَنْ يُحْدِثَ. تَأْويلًا لم يَسْبِقْهُ به سَلَفٌ*.

ولما استدل «ابنُ عبد البر» بدليلٍ من السنة وبين وجه الاستدلال قال: *وقد نزع بهذا جماعة من العلماء منهم ربيعة والشافعي وغيرهما*.

فبيَّن أنه لم ينفرد بالاستدلال، مع أنه في مرتبة المجتهدين عند كثير من العلماء.

فاستدلالُ المتأخرين بالنصوص أو المعاني والتعليلات، التي لم يستدل به المتقدمون، مع أنها كانت في متناولهم، من قرائن الخطأ في الاستدلال.

والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق