فوائد من درس دلائل الإعجاز 77

112
8 دقائق
13 شوال 1447 (01-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف.

يوم الأحد: 6 من شعبان 1447ه الموافق لـ 25 من يناير 2026م.

• هناك بعض الحقائق المفيدة لا بأس من تَكرارها، والاحتفاظ بها، ومحاولة الانتفاع بها: نحن رُبِّينا على أن نحصِّل العلم والمعرفة التي في الكتاب الذي نقرؤه، وهذا جيدٌ جدًّا، وقد كان همِّي وأنا أقرأ الكتابَ أن أتعرَّف على ما أراده المصنِّف، وأُحصِّل ما أراده المصنِّف، وهذا جيدٌ لا شكَّ فيه، والأجودُ منه أن يَبحث عقلي -مع بَحْثِه عن مراد المصنِّف- كيف كان المصنِّف يفكِّر، ولا أكتفي بصُحبتي للأفكار التي كتبَها، وإنما أحرص على صُحبتي لعقلِه وهو يُرتِّب أفكارَه.

• لا بدَّ من الاقتراب الشديد ليس مِن قلم المصنِّف، وإنما مِن عقل المصنِّف، وفِكْر المصنِّف؛ لأني سأنتفع بقلمه نفعًا جيدًا، وسأنتفع بصُحبتي لعقلِه وفِكْره وترتيبِه لأفكاره انتفاعًا أفضلَ بكثيرٍ جدًّا.

• «الرِّسالة الشَّافية» غيرُ كتاب «أسرار البلاغة» وغيرُ كتاب «دلائل الإعجاز»؛ لأن «الأسرار» و«الدلائل» معلوماتُهما العلميةُ استخراجاتٌ واستنباطاتٌ، والعقلُ الذي يَستخرج ويَستنبط صُحْبتُه جليلةٌ جدًّا.

• صُحْبةُ العقل وهو يَستنبط العلمَ ويَستخرج العلمَ صُحْبةٌ ما بعدها صُحْبة، لو ذُقْتَها لاقتربتَ منها أكثر، وخصوصًا أن هؤلاء الكرام كانوا يَدْعوننا لصُحْبتهم؛ فحين يقول عبد القاهر إنني منذ بدأتُ أطلبُ العلمَ وأنا أرى أن البلاغةَ في كُتب العلماء رمزٌ وإيماءٌ وإشارةٌ في خفاء، أو كالبحث عن الدَّفِين ليُستخرَج = كأنه يقول لك: اتْبَعْنِي وصاحِبْني ورافِقْني وأنا أُنمِّي الرَّمزَ والإيماءَ وأجعلُه علمًا يُدْرَس، اتْبَعْنِي وأنا أبحث عن الدَّفين من الأفكار.

• عبد القاهر يقول لك: هناك أفكارٌ مدفونةٌ كما تُدفَن الكنوزُ في الأرض، وعقلُ العالِم يَستخرِجُها ويَبحث عنها؛ فاتْبَعْنِي وتعلَّمْ منِّي؛ تعلَّمْ مني كيف أستخرجُ الدَّفينَ لتستخرجَ أنت الدَّفينَ.

• دفائنُ المعرفة في العلوم لا تنتهي، ستظلُّ الأجيالُ تَستخرج من العلم علمًا، ستظلُّ الأجيالُ تَستخرج من الفِكْر فِكْرًا، ستظلُّ الأجيالُ تَستخرج من الفِقْه فِقْهًا إلى أن تقومَ السَّاعةُ ويَبْطُلَ التكليف.

• لا أكتفي أبدًا بأن أُحصِّل المادةَ العلمية -وهذا جيد- ويَقِفَ عقلي عند تحصيلها، ولكنْ هناك أشياء أخرى؛ هناك صُحْبةٌ للعقول الفذَّة وهي تَضْرِب في الغَيْب لتستخرجَ من الغَيْب علمًا جليلًا.

• ليس المهمُّ أن تَفهمَ «التقديم» فقط، وإنما المهمُّ أن ترى عقلَ عبد القاهر وهو يَستخرج من جُملةٍ ل«سيبويه»، لا تزيد على نِصْف سطر، بابًا من أبواب العلم؛ قال «سيبويه»: «كأنهم يُقدِّمون الذي بيانُه أهم لهم، وهم ببيانه أعْنَى»؛ استخرجَ منها عبدُ القاهر أكثرَ من عَشْر صفحات، ثم أشار إلى أنه لم يَستخرجْ كلَّ ما فيها.

• القضيةُ أن نتعلَّم، ونتعلَّم كيف نتعلَّم، ونتعلَّم كيف نُعلِّم.

• صُحْبةُ عقول الكرام ليس في الدُّنيا لذَّةٌ أفضلُ منها، وليس عند الله جزاءٌ أعلى مِن جزاء مَن يُرافِقون عقول الكبار، "مَن سَلَك طريقًا يَلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقُا إلى الجنَّة"، هذا كلامُ سيِّدنا رسول الله صلواتُ الله وسلامُه عليه.

• تحصيلُ العلم جيدٌ جدًّا ورائع، ولكنَّ الخُطوةَ إلى الأمام لن نَخْطُوَها إلى الأمام إلا إذا عرَفْنا كيف استخرجَ العلمَ مَن استخرجَه.

• تطبيقًا منه لكلامه حول ضرورة رَصْد حركة عقل العالِم وهو يَعْرِض عِلمَه، قال شيخُنا: قضيةُ «الرِّسالة الشَّافية» هي إثباتُ أن العرب حين سَمِعُوا ما أُنْزِل على رسول الله أيقنوا أنه كلامٌ مُعجِز، وأنه لا سبيلَ لهم إلى أن يأتوا بمثلِه، هذه هي الفكرة؛ فانظرْ معي كيف بدأها عبدُ القاهر؛ بدأها بجُمَلٍ تُعدُّ رأسَ الفكرة، وتُعدُّ أوَّلَ الفكرة وآخِرَ الفكرة؛ فبدأ ببيان أمرين جليلين إذا وَعَيْناهما فكأننا انتهينا إلى القضية التي أرادها: الأمرُ الأول أن الكلام فيه تفاضُلٌ؛ يَفْضُل بعضُه بعضًا، ويَعْلُو بعضُه بعضًا؛ في كلام العرب وفي كلام العَجَم، وهذه حقيقةٌ إنسانيةٌ كاملة: كلُّ قومٍ وكلُّ أصحاب لُغةٍ يَعلمون أن كلامَهم ليس على مرتبةٍ واحدةٍ في الفَضْل، وهذا لا جدالَ فيه ولا يَحتاج إلى دليل؛ لأنه فِطْرة.

الأمر الثاني أن العربَ كانوا قُدوة الناس في أمرين: في صناعة البيان وفي معرفة فَضْل بيانٍ على بيان، أو على الأقل أن «قُريشًا» كانت قُدوةَ العرب في معرفة فَضْل كلامٍ على كلام، وما دامت «قُريشٌ» قُدوةَ العرب في معرفة فَضْل كلامٍ على كلام فهي لا شكَّ حين تَسمعُ ما أنزله الله على رسوله ستُدرِك أنه ليس مِن كلام النَّاس؛ فبدأ عبد القاهر بهذين الأمرين، وبهذا انتهت القضية.

• عبد القاهر لا يُعلِّمني العلمَ فحسب، وإنما يُعلِّمني طريقةَ عرض العلم وطريقةَ التفكير في العلم.

• الذي يكشف لي حقيقةَ ما كان عليه العربُ حين سَمِعُوا ما أنزله الله على سيِّد الخلق صلواتُ الله وسلامُه عليه أمران: أحوالُهم وأقوالُهم؛ فما هي أحوالُهم بعدما سَمِعُوا ما أنزله الله على رسوله؟ وما هي أقوالُهم حين سَمِعُوا ما أنزله الله على رسوله، وبذلك تنتهي «الرِّسالة الشَّافية»، ولم يَبْقَ فيها إلا القولُ بالصَّرْفة.

• القولُ إن العربَ هم الأصلُ والقُدوةُ في البيان وفي معرفة فَضْل بيانٍ على بيان ليس رأيَ عبد القاهر ولا رأيَ الجاحظ؛ لأن ذلك يُمكِن أن يُعترَضَ عليه ويُقال: «وما أدراك أنهم الأصلُ والقُدوة؟»، وإنما وجدتُ لذلك القولِ سندًا؛ هو أنه مِن سُنن الله في تأييد أنبيائه، وأن الله - سبحانه وتعالى - ما أيَّد نبيًا إلا بمعجزةٍ تَغْلِبُ ما كان عليه قومُه؛ فلمَّا كانت معجزةُ سيِّد الخلق في البيان دلَّ ذلك على أن قومَه كانوا أغلبَ الناس وأكثرَ الناس وقُدوةَ الناس في البيان.

• أيَّد الله- سبحانه وتعالى - «موسى» بقَلْب العصا حيَّةً لتَغْلِبَ السِّحرَ الذي كان عليه قومُه، الذين هم الفراعنة، وإن كانوا ليسوا قومَه، إنما كان يَعيش بينهم؛ لأنك يجب أن تقرأ التاريخ وتعرف أن بني إسرائيل وُلِدوا في فلسطين، ثم انتقلوا جميعًا مع أبيهم «يعقوب» إلى مصر في زمن «يوسف»، وعاشوا فيها إلى زمن «موسى» أكثرَ مِن خمسة قرون؛ فكَثُروا وتناسَلُوا وتكاثروا، ثم أُمِرَ «موسى» بأن يُخْرِج بني إسرائيل من مصر وأن يَذهب بهم إلى الأرض التي وُلِدَ فيها جَدُّهم «إسحاق» وجَدُّهم «إبراهيم»، و«إبراهيمُ» لم يكن من سكَّان فلسطين، وإنما هو من سكَّان العراق وهاجر إلى فلسطين بعد أن نجَّاه الله من التَّحْريق، وهذه هي علاقةُ اليهود بفلسطين التي يدَّعون أنها أرضُهم، وأن الفلسطينيين هم المُحتلُّون.

• «إبراهيمُ» جَدُّ بني إسرائيل- لأن «يعقوبَ» ابنُ «إسحاق» ابنِ «إبراهيم» دُفِنَ في فلسطين وهو ليس من أهلها، وإنما نجَّاه الله من «النُّمْرُوذ» إلى الأرض المقدَّسة، وفلسطين اسمُها الأرضُ المقدَّسة قبل أن يَدخُلَها «إبراهيم»، وسُمِّيت الأرضَ المقدَّسةَ لأن الفلسطينيين بَنَوْا فيها بيت المقدس قبل زمن «إبراهيم» بقُرونٍ عديدة؛ فلا بدَّ أن تقرأ جيدًا وتَفهم التاريخ.

• عبد القاهر لم يَقُلْ إن العربَ هم القُدوةُ والأصلُ في البيان لأن الله أرسل نبيَّه بالبيان، لم يَقُلْ هذا لأنه أعقلُ مِن هذا؛ لأنه يُخاطِب مَن يُنكرون نُبوَّةَ «محمَّد»؛ فلو قلتَ إن بُرهان نُبوَّة «محمَّد» هو البيان سيَعترضون بأنهم لا يعرفون أنه نَبي، ولا أن له معجزة؛ فكأن عبد القاهر يوجِّه حديثه لغير المؤمنين، أمَّا المؤمنون فيقولون إن العرب كانوا قُدوةً بدليل أن معجزةَ نبيِّهم عليه الصَّلاة والسَّلام معجزةٌ بيانية، وأن نبيَّهم أعلى الناس في البيان، وأن قومَه أعلى الأقوام في البيان.

• تكوينُ العقل العلمي ليس أمرًا سهلًا؛ حياتُك كلُّها متوقِّفةٌ على تكوين العقل العلمي، وتَقدُّم بلادك كلُّه متوقِّفٌ على تكوين العقل العلمي.

• البلادُ لن تتقدَّم بالسَّيف، وإنما تتقدَّم بالتفوق العقلي، ومن رام أن يُقدِّم بلادَه بالسَّيف والعصا فلن يَنجح. إن كنتَ صادقًا قَرِّب الكفاءات، واصْنَع الكفاءات، وضَعِ الكفاءاتِ في موضعِها. متى السَّاعةُ يا رسول الله؟ قال: "حين يُسنَد الأمرُ إلى غير أهلِه"، وستَجِدُ للأمر أهلَه إذا رَبَّيْتَ الكفاءات.

• لِيَتَّسِعْ صَدرُك للكفاءات وإن أخطأتْ؛ لأنه لا عِوَضَ لها، ولا غِنى للتُّراب عنها، ولا غِنى لحِفْظ التُّراب عنها، ولا غِنى لتقدُّم البلاد عنها، ولا غنى لزَهْو البلاد إلا بها.

• القراءةُ هي بابُ العلم؛ فأحْسِن القراءةَ ليُفتحَ لك الباب، وبابُ العلم لا يُفتح لكلِّ مَن طرَقَه، وإنما للعلم رجالٌ تُفتح أبوابُه لهم، كما قال عبد القاهر:

مِنَ النَّفَرِ البِيضِ الَّذِينَ إِذَا اعْتَزَوْا *** وَهَابَ رِجَالٌ حَلْقَةَ البَابِ قَعْقَعُوا

وهذا البيتُ قيل في السِّيادة، ولكنَّ عبد القاهر نَقلَه إلى العِلْم؛ ليبيِّن أن للعلم رجالًا يَفتحُ العلمُ أبوابَه لهم.

• وأنت تَلعنُ «قُريشًا» التي حاربتْ وسَفِهَتْ على سيِّدنا رسول الله تَذكَّرْ أنهم دخلوا في دين الله أفواجًا، ولمَّا دخلوا في دين الله كانوا خيرَ أجيال الأرض، ولمَّا دخلوا في دين الله كانوا كالنُّجوم بأيِّهم اقتديتُم اهتديتُم، ولذلك حين أقرأ تاريخَ الجاهلية لا ألعنُ الجاهليين.

• تعليقًا على الفقرة رقم (4) في «الرِّسالة الشَّافية»، قال شيخُنا: نحن مع تواضُعِنا الشَّديد في معرفة أسرار الكلام حين نَسمع أيَّ آيةٍ من القرآن: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}، {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} نَشعُر أن هذا غيرُ: «ويومَ دَخلتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنيزةٍ»، حين نَسمع: {طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى} نَشعُر أنها غيرُ: «أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ». مَن الذي يَشتَبِه عليه أن هذا غيرُ هذا؛ فكيف بقومٍ كان إذا سَمِعَ أحدُهم البيتَ عَرَف صاحِبَه وإن لم يُحدَّثْ عنه.

• حين كنت أُدرِّس لطلابي الشِّعرَ الجاهليَّ -والشِّعرُ الجاهليُّ أحيانًا له أُخْذَة، وله سيطرة، وله قدرةُ نَفاذٍ على النَّفس- فإذا وجدتُ الشِّعرَ الجاهليَّ قد نَفَذَ في عقول طلابي قلتُ لهم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}؛ فتنتهي المسألة.

• ليس المطلوبُ أن أعتقدَ أن القرآنَ مُعجِز؛ لأن يقيني أنه مُعجِز؛ لأن الله قال إنه مُعجِز، إنما المطلوبُ أن تُحِسَّ أُذني أنه مُعجِز.

• لن يُفهِّمَك الشِّعرَ إلا الشِّعرُ، ولن يُفهِّمَك الإعجازَ إلا القرآنُ، ولن تَفهم بلاغةَ النبيِّ إلا مِن بلاغة النبيِّ.

• لو كان «امرؤ القيس» في زمن المبعث وسَمِع: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} لألْقَى باليدَيْن لرسول الله ولو كان «النَّابغةُ» بُعِثَ رسولُ الله وهو حَيٌّ وسَمِع ما تلاه لألْقَى باليدَيْن لرسول الله.

• حين قرأتُ قضيةَ معارضات «جرير» و«الفرزدق» جاء في ذهني موضوعٌ علميٌّ مسكوتٌ عنه؛ لأنك تتكلَّم في كيف كانت المعارضةُ من أهم العوامل التي دَفعت «الفرزدق» لتجويد شِعْره، ودَفعتْ «جريرًا» لتجويد شِعْره، حتى إنه لو لم تُوجَد هذه المعارضةُ لوَجَدْنا شِعر «الفرزدق» أقلَّ مِن الذي هو بين أيدينا الآن، فتساءلتُ: لماذا لم نَدْرُس أثرَ المعارضة في تجويد الشعر.

• رائعٌ جدًّا عبدُ القاهر حين يُعوِّل على الفِطْرة، أشعرُ أن الرجلَ يخاطب الناسَ كافَّةً، وكما أن سيِّدنا رسولَ الله كان رسولَ الله إلى الناس كافَّةً كذلك كان ورثةُ عِلمه يَنْزِعُون في بعض خطابهم إلى الناس كافَّةً.

• ما أروعَك يا شيخَنا عبد القاهر حين لا تُحدِّث بعِلمٍ قاله الناس، وإنما تُحدِّث بشيءٍ بُنيتْ عليه الفِطْرة، ولذلك حين أجد كلمةَ «المركوز في الطَّبْع» في كلام أي عالِمٍ أقفُ عندَه؛ لأنه يُحدِّثني عن الإنسان مِن غير نظرٍ إلى جِنسٍ ولا إلى لُغة، وما أفضلَ الحديثَ حين يكون حديثًا عن الإنسان مِن حيث هو إنسان.

• حين يقول لنا ربُّنا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} كأنه يقول لنا: «ماذا يَصنع بعضُكم ببعض؟ ما الذي دَهاكُم؟ أنا الذي خلقتُكم من أبٍ وأمٍّ». أنتَ لستَ ابنَ عمِّي، أنت أخي مِن أبي وأمِّي، وأنت يا صهيوني لستَ ابنَ عمِّي، أنت أخي مِن أبي وأمِّي؛ فما الذي دهاك! ما الذي ملأ قلبَك بالحقد عليَّ حتى قتلْتَني وأنا عجوزٌ، وحتى هَدمتْ داري على رأسي وعلى أطفالي! ماذا حدث! أيُّ شيءٍ انتزع منك الرُّوحَ الإنسانية.

• تعليقًا على قول الإمام عبد القاهر: «فذلك الذي يُسْهِر ليلَه، ويَسْلُبُه القرارَ»، قال شيخُنا: يا سلام على الرُّوح الإنسانية القابلة للتحدِّي! وأنها تُسْهِرُ ليلَها ولا يَقَرُّ لها قرارٌ إلا إذا انتصرتْ بذات نفسِها.

• العجيبُ أن كلَّ الذين كتبوا عن أكاذيب «قريش» شَهِدُوا لهم بأنهم ذوو نُفوسٍ أبيَّة وهِمَمٍ علِيَّة، وهذا حقٌّ؛ لأنهم في لحظة واحدة شَهِدُوا أن لا إله إلا الله فصاروا خيرَ أجيال الأرض.

• لو قلتَ عن أبي جَهْل: «رضي الله عنه وأرضاه» لرَمَاك طُوبُ الأرض، لكنَّه لو كان شَهِدَ أن لا إله إلا الله لم يكن ليُقال فيه: «رضي الله عنه»، وإنما كان سيكون نَجْمًا على هذه الأرض يُقتدَى به فيُهتدَى به.

• بيانًا لمعنى «فَأْتُوا» في قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} قال شيخُنا: لم يَقُلْ ربُّنا: «فقُولوا»، وإنما قال: «فَأْتُوا»، أي: إذا كنتم تَحفظون مِن شِعْر آبائكم سطرًا يُساوي: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} فَأْتُوا به. كلمةُ «فَأْتُوا» تَحَدٍّ وَحْدَها.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


أضف تعليق