فوائد من درس دلائل الإعجاز 78

121
5 دقائق
13 شوال 1447 (01-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

مما قال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى في درس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» بالجامع الأزهر الشريف.

يوم الأحد: 13 من شعبان 1447ه الموافق ل 1 من فبراير 2026م.

• «الرِّسالة الشَّافية» التي نقرأ فيها الآن موضوعُها الأساسُ هو تأكيد معنى أن العربَ لمَّا سَمِعوا بُرهان نُبوَّة محمِّد وهو القرآن الكريم المُعجِز، أيقنوا أنه مِن كلام الله، دلَّت على ذلك أحوالُهم، ودلَّت على ذلك أقوالُهم، ولكنهم أنكروا ذلك؛ لأنهم لو أقرُّوا بأنه مُعجِز وبأنه بُرهان نُبوَّة لوجَبَ عليهم أن يُقرُّوا بنُبوَّته وهم لا يُريدون ذلك.

• مُرادي أن أشرحَ لك، وأُعلِّمك كيف تَشرح أنت لنفسك؛ لأني معك زمنًا محدودًا، وإذا علَّمتُك شيئًا وَجَبَ عليَّ أن أُعلِّمَك كيف تَتعلَّم وحدَك.

• إن كنتَ صادقًا في تعليم أبنائنا فعليك أن تتَّجِه إلى أن تُعلِّمَهم العلمَ، وأن تُعلِّمَهم كيف يَتعلَّمون العلمَ وحدَهم.

• لا تنتظرْ أن أشرحَ لك كلَّ الكلام، لا تُرِحْ نفسَك وتَتوهَّمْ أن غيرَك يُعلِّمك، وإنما غيرُك يُعلِّمك كيف تتعلَّم؛ لأن الذي يُعلِّمك هو أنت، وعليك أن تكون أنت مُعلِّمَ نفسِك، وإلا فلا قيمةَ لك.

• في القديم قالوا: «نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا»، ونِعْمَ التسيُّدُ الذي تَكتسِبه أنت.

• رُبِّينا تربيةَ متخلِّفين؛ نَنتظر مَن يُعلِّمنا، والواجبُ أن نَنتظر مَن يُعلِّمنا كيف نتعلَّم نحن بأنفسِنا.

• يجب أن تَفهم، ويجب أن تحاول أن تَفهم، وربما تَفهم من النَّصِّ أفضلَ مِن فَهْمِي أنا، وفَهْمُك القليلَ من النَّصِّ أنفعُ لك مِن فَهْمِك الكثيرَ مِن فَهمِي.

• انهضُوا، تغيَّروا، لن تكونوا شيئًا إلا إذا تغيَّرتُم، على حدودكم عَدوٌّ لا ينام، وأنتم أبغضُ مَن في الأرض إلى قلبه؛ فلا تناموا، وانتبِهوا، وإلا ضاع كلُّ شيء، ضِعْتَ أنت، وضاع أولادُك، وضاع مالُك، وضاع عِرْضُك، وضاعت أرضُك. استيقظوا وإلا ضاع كلُّ شيء.

• العلمُ ليس معرفةَ معلومات فقط، ولكننا نُراجع التاريخ، ونُراجع الأحوال، ونُراجع الأقوال؛ لنتغيَّر نحن.

• العلمُ له قيمة، ولكنَّ القيمة الأكبر هي أثرُه في أن يَصنع منك إنسانًا آخر.

• تعليقًا على قول الإمام عبد القاهر في الفقرة رقم (6) من «الرِّسالة الشَّافية»، قال شيخُنا: هذه السُّطورُ فيها خلاصةُ قضية «الرِّسالة الشَّافية»: لمَّا ادعى عليه السلام النُّبوة، وذكَر أن القرآنَ المُعجِز بُرهانُ النُّبوة، ضاقتْ صدورُ «قريش» بالذي صار إليه «محمَّد»، ولو أمكنَهم أن يأتوا بمثل: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} لأنهَوْا دعوةَ النُّبوة، ولانفضَّ الناسُ الذين اتبعوا «محمَّدًا» مِن حول «محمَّد»، ولكنَّهم وجدوا أنهم لا يستطيعون، وأن بُرهانَ نُبوَّته قاطعٌ، فغاظَهم ذلك.

• حين تقرأ القرآنَ يُريك أن التعصُّب ضدَّ الحقِّ بعدما تبيَّن للناس أنه حقٌّ = قديمٌ جدًّا: تَعْجَب أن سيِّدنا نُوحًا؛ الأبَ الثانيَ للبشر، ظلَّ يدعو إلى الله ألف سنةٍ إلا خمسين عامًا، ثم لم يؤمنْ به إلا عددٌ قليلٌ ليس منهم ابنُه ولا امرأتُه.

• العِنادُ ضدَّ الحق، والتمسُّك والتشبُّث بالباطل، عجيبٌ جدًّا في تاريخ البشر، واقرأ القرآن وانظر الأقوام: ماذا فعلتْ «عادٌ»! مع أن «عادًا» كانت لها أحلامٌ راجحة، وكان العربُ يَضربون المَثلَ برجاحة عقلِ «عاد»، ولكنها لم تؤمِنْ ب«هُود»، وقالت له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ}.

• تعليقًا على الفقرة رقم (6) من «الرِّسالة الشَّافية»، قال شيخُنا: الغيظُ دعا «قريشًا» إلى أن يَسلكُوا المسالكَ التي لا تتناسب مع عقولهم؛ لأنه معلومٌ ومؤكدٌ أن «قريشًا» في جاهليتها الجَهْلاء كانوا مِن أعظمِ الناس أحلامًا، ومع ذلك خالفوا أحلامَهم، وسَفِهُوا على رجلٍ يؤمنون جميعًا بأنه مِن خيرِهم، وأنه مِن سادتِهم، وحارَبوه وهو منهم، وقَتَلُوا منه، وقَتَل منهم وهو منهم، وهذا كلُّه خلافُ العقل الذي عُرفوا به، وخلافُ الحكمة التي عُرفوا بها، ولكنَّ التشبُّث بالذي عليه الآباءُ جعلَهم ليس فقط يُنكرون الحقَّ البيِّن، وإنما يحاربون الحقَّ البيِّن، ولو كان الذي يدعو إليه مِن كِرامهم.

• قلتُ لكم إن «قريشًا» كان لا خلافَ بين الناس في أنهم مِن أكرم الناس أحلامًا، وأرجحِ الناس عقولًا، ولكنْ لمَّا وصل الأمرُ إلى مسألة تَرْك ما عليه الآباءُ ضاعت الأحلام وضاعت العقول، ودخلوا في مداخلَ ما كان لهم أن يَدخلوا فيها؛ لأنهم سَفِهُوا على رجلٍ يَعلمون هم، ويَشهدون هم، وقالوا هم إنه مِن خيرِهم.

• تعليقًا على وَصْف الإمام عبد القاهر أحلامَ «قريش» بالرَّاجحة، وعقولَهم بالفاضلة، قال شيخُنا: حين تَجِد عبدَ القاهر يَصِفُ أحلامَ «قريش» بالرَّاجحة وعقولَهم بالفاضلة تَفهمُ رأيَ عبد القاهر في هؤلاء الذين ضلُّوا: هم ضلُّوا نَعَم، ولكنْ أحلامُهم راجحةٌ وعقولُهم فاضلةٌ لا شكَّ في ذلك؛ فهو يُبيِّن لك أنك إذا رأيتَ إنسانًا أخطأ خطأ فاضحًا فلا تَنْسَ حقيقتَه، ونحن الذي يُخطئ فينا خطأ فاضحًا نَلعنُه، ونَلعنُ كلَّ ما قاله وكلَّ ما جاء منه، وهذا فِكْرُ المتخلِّفين.

• عبد القاهر يُعلِّمك أن السيئة لا تُذهِب الحسنة؛ لأنه لو كانت السيئات يُذهِبن الحسنات ما كانت على الأرض حسنات؛ لأننا كلَّنا نُسيء، فإذا كان سُوؤنا يُذهِب حسناتِنا فلا حسنةَ لنا. ومِن كرمِ الكريم أنه عكَسَ وجعل الحسناتِ يُذهِبن السيئات؛ حتى تَمحُوَ الحسناتُ السيئاتِ من الأرض أو تُقلِّلَها؛ لأنه يريد لنا الخير ويُحبُّ لنا الخير؛ فمِنْ حُبِّ الخير لنا أن تكثُر الحسناتُ فينا وأن تقلَّ السيئاتُ فينا.

• تعليقًا على قول الإمام عبد القاهر: «وهل سُمِعَ قَطُّ بذي عَقلٍ ومُسْكةٍ استطاع أن يُخرِسَ خصمًا له قد اشتطَّ في دعواه بكلمة يُجيبه بها. إلخ»، قال شيخُنا: عبد القاهر هنا سيبدأ يُعلِّمني طريقة: أنك إذا بيَّنتَ حقًّا وصوابًا فعليك أن تَجتهِدَ في أن تَدْفعَ عنه كلَّ ما يكدِّره، وأن تَفترض أن أهل الباطل يمكن أن يقولوا كذا، ثم تَنقُضُ ليس الذي قالوه وإنما الذي يمكن أن يقولوه، فأنت تُثْبِتُ حقًّا عليك أن تَحمِيَه؛ لأن معرفةَ الحق شيءٌ جليل، والقدرةَ على حماية الحقِّ شيءٌ أجلُّ؛ فعبد القاهر هنا يَعرِضُ احتمالاتٍ يقولها المخالفون له ويَنقضُها واحدًا واحدًا.

• لم يكن علماؤنا يُعلِّموننا الحقيقةَ فقط، وإنما كانوا يَحرصون على زَرْعها في قلوبنا؛ لأنها دِين، وهذا هو الفرق بين تربية أجيالٍ تَزرعُ في قلوبها الحقَّ وبين تربية أجيالٍ تُحدِّثها بالحقِّ حديثًا ما. صُنَّاعُ الأجيال هم الذين يَزرعون الحقَّ في النُّفوس زرعًا.

• كنت أعجبُ حين يكرِّر سيِّدنا رسولُ الله الكلمةَ ثلاثَ مرات مع أنها تُفهَم مِن أوَّل مرة، فيُقال لي: إن القضيةَ ليست أن تَفْهَمها، القضيةُ هي أن تكون الكلمةُ جزءًا من ذات نفسك، أن تكون حقيقةً في قلبك: تَحيا لها، وتَحيا بها، وتَحيا فيها، وتَحيا فيك.

• ليس المُهمُّ أن أُعلِّمك المعرفةَ والحق، وإنما المُهمُّ أن أجعل المعرفةَ والحقَّ يُغيِّران نفسَك.

• إنكارُ الشهادة كأنه إنكارٌ للشمس التي تَجْري لمُستقرٍّ لها، كأنه إنكارٌ للأرض التي تَمشي عليها، كأنه إنكارٌ للسَّماء التي تراها فوقَك، ولذلك ربُّنا يُخاطب الناسَ بما لا يستطيعون إنكارَه: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} هل يُنكر ذلك أحدٌ! {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} هل يُنكر ذلك أحدٌ! {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ}.

الله يخاطبنا بخطابٍ لا يَجوز لأحد أن يَتردَّد فيه.

• الأمرُ الإلهيُّ العجيبُ أن أمَّةً كانت صِناعتُها البيان، وعِزُّها في البيان، وفَخْرُها في البيان = تَحدَّاها ربُّنا بسَطرٍ من البيان فعَجِزَتْ.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


أضف تعليق