بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
يعرض للباحث كثيرٌ من الأفكار البحثية أثناء بحثه ويدونها، لعله إن سمح وقته أن يتناولها بالدراسة والبحث، لكن لكثرة الأشغال وتنوع الأفكار وضيق الوقت وقصر العمر، رأيتُ أن أطرح هذه الأفكار أمام الباحثين والمهتمين لعل أحدًا يعالجها في بحث عام أو بحث محكم أو بحث تكميلي أو رسالة علمية، وذلك حسب عدد الفروع المندرجة تحت هذه الفكرة واستعداد الباحث ورغبته، ومن شرط هذه الأفكار البحثية ألا يكون قد تمت معالجتها من قبلُ، حسب اطلاع الباحث (المقترح) وتنقيبه في الانترنت، مع أنه قد يفوته هذا الشرط في بعض الأحيان.
عنوان الفكرة البحثية: نقد تاج الدين السبكي (771ه) لشيخه الذهبي (748ه): جمعًا ودراسة.
فإنه عند تصفح كتاب طبقات الشافعية الكبرى نجد مؤلفه تاج الدين السبكي (771ه) قد بالغ في نقد شيخه الذهبي، وانتقده انتقادا لاذعًا، في عدة مواضع، مع إقراره بفضل شيخه وورعه وفضله وعلو كعبه في الجرح والتعديل، فهو القائل عنه: *أما أُسْتَاذنَا أَبُو عبدالله (شمس الدين الذهبي)، فَبَصر لَا نَظِير لَهُ، وَكَنْز هُوَ الْملْجَأ إِذا نزلت الْمُعْضِلَة، إِمَام الْوُجُود حفظا، وَذهب الْعَصْر مَعْنَى وَلَفْظا، وَشَيخ الْجرْح وَالتَّعْدِيل، وَرجل الرِّجَال فِي كل سَبِيل، كَأَنَّمَا جمعت الْأمة فِي صَعِيد وَاحِد، فَنَظَرهَا، ثمَّ أَخذ يخبر عَنْهَا إِخْبَار من حَضَرهَا*، ولم ينقد التاجُ شيخَه الذهبي في طبقاته فقط، بل انتقده أيضًا في كتابه معيد النعم ومبيد النقم، ومن أبرز ما انتقده على شيخه ما يأتي:
- أنه شديد الميل إلى الحنابلة كثير الإزراء بالأشاعرة.
- أكثر الوقيعة في الصوفية.
- غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغي، فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها لما نطق بها.
- عدم التزامه بما شرطه في بعض كتبه، من ذلك ذكره الآمدي وفخر الدين الرازي في كتابه ميزان الاعتدال في نقد الرجال، مع أنهما ليس لهما رواية ولا جرحهما أحد فيما ينقلانه من العلوم، وما دفعه إلى ذلك إلا الهوى أو أنه مطبوع على قلبه!
وقد ذكر من نتائج عدم إنصاف شيخه الذهبي في تراجمه، فيما يري، ما يأتي:
-النهي عن النظر في كلام الذهبي وعدم اعتبار قوله. وذكر السبكي أن هذا هو الذي أدرك المشايخ عليه.
-لا يجوز الاعتماد على كلام الذهبي في ذم أشعري ولا شكر حنبلي. وذكر أن هذا ما يُفتي به.
وقد رد السخاوي (902ه) علي السبكي نقده هذا، بكلام موجز لا يتجاوزا سطورا في كتابه: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، وإن كان أغلظ له في القول، (ص201-202 بتحقيق سالم بن غتر الظفيري، ط دار الصيمعي، وطبع بعنوان: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ)، وفي عصرنا الحاضر تعرض لهذا فضيلةُ الدكتور بشار عواد معروف في آخر كتابه (وهي رسالته للعالمية): الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام، ثم نقله في مقدمته لكتاب الذهبي: سير أعلام النبلاء، وقد قام فضيلته بدراسة موجزة للرد على السبكي في نقده لشيخه، وذلك بتقديم نماذج من كتاب تاريخ الإسلام تدحض هذا النقد وتبين تحامل التلميذ على شيخه! ، وقد ذكر فضيلته أن هذه القضية جديرة بالدراسة. ولذلك فإن هذه الدراسة المقترحة تقوم في نظري على استقراء التراجم كلها وليس نماذج منها فقط، مع الاهتمام الشديد بكتاب سير أعلام النبلاء لأن تراجمه أبسط وأوسع، وقد كتبه الذهبي بعد تاريخ الإسلام.