هدي الإسلام في حماية البيئة

177
3 دقائق
13 شوال 1447 (01-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

اتَّقَوْا اللهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ خَلْقَ الْخَلْقَ وَأَسْكَنَهُمْ الْأَرَضَ لِيَعَمُرُوهَا بِعِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَجَعَلَ مَا عَلَى الْأَرَضِ زَيْنَةً لَهَا لِيَبْلُوهُمْ أَيُّهُمْ أَحَسَنُ عَمَلًا، فَالدُّنْيَا مَيْدَانُ عَمَلٍ وَمَدْرَجَةٌ لِلدَّارِ الْآخِرَةِ.

عِبَادَ اللَّهِ: الْإِسْلَامُ دِيْنُ الْإيمَانِ وَالْقَيِّمِ الْإِنْسَانِيَّةِ الرَّفِيعَةِ، وفِي مُقَدَّمَتِهَا الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْبِيئَةِ، وَهوَ جُزْءٌ مِن إيمَانِ الْفَرْدِ الْمُسْلِمِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ : "الْإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَو بِضْعٌ وَسِتُّونَ شَعْبَةً، فَأُفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاَهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، بَل جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الصِّدْقَاتِ، قَالَ: "وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلِلْحِفَاظِ عَلَى الْبِيئَةِ نَهَى الْإِسْلَامُ عَنِ الْإفْسَادِ فِي الْأرْضِ، وعَن كُلّ مَا يُعَرِّضُهَا لِلضَّرَرِ أوْ التَّلَوُّثِ وَالْإِتْلَاَفِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

وَقَدْ كَانَ لِلْإِسْلَامِ السَّبْقُ فِي حِمَايَةِ الْبِيئَةِ وَمُكَوِّنَاتِهَا، فَوَضْعَ مِنَ التَّشْرِيعَاتِ وَالْأَحْكَامِ مَا يَضْمَنُ وُجُودَ بِيئَةٍ نَظِيفَةٍ سَلِيمَةٍ كَمَا خَلَقَهَا اللهُ تَعَالَى؛ فَفِي جَانِبِ الْعِبَادَاتِ حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى النَّظَافَةِ وَالنَّزَاهَةِ مِن الْأَقْذَارِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ؛ فَمِفْتَاحُ الصَّلَاَةِ الطُّهُورُ، وَالطَّهَارَةُ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاَةِ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِوُجُودِ مَاءٍ طَهُورٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رَائِحَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورَهُ، وَالْغُسْلَ وَالْاسْتِحْمَامُ لَا يَتْمُ إِلَّا بِمَاءٍ طَهُورٍ نِقِيٍ مِنَ التَّلَوُّثِ وَكَدَرِ الْأَوْسَاخِ.

وَالْبُقْعَةُ الَّتِي يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمُسْلِمُ لَابِدَ أَنْ تَكَوُنَ نَظِيفَةً، فإِذَا تَلَوَّثَتْ الْأَرَضُ فإِنّ الصَّلَاَةَ لَا تَصِحُّ عَلَيْهَا، قَالَ : "وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى، وَاجِبٌ صِيَانَتُهَا وَتَطْهِيرُهَا مَعَنّىً وَحِسًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِّيَّ اللَّهُ عَنْهَا: "أَمَرَ رَسُولُ اللهِ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وأَنْ تُنَظَّفَ، وَتُطَيَّبَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَزَجَرَ عَن ارْتِيَادِ الْمَسَاجِدِ بِمَا فِيهِ رَائِحَةٌ تُؤْذِي؛ فَقَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلَيَعْتَزِلْنَا، أَو لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ: "الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتَهَا دَفْنَهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَمِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ الحَثٌّ عَلَى إِزَالَةِ النُّفَايَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ مِنَ الطُّرْقَاتِ وَأَمَاكِنِ جُلُوسِ النَّاسِ، قَالَ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ". وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْبَوْلِ فِي طُرُقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهُمْ قَالَ : "اتَّقَوْا اللَّعَّانَيْن"، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: "الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَو فِي ظِلِّهِمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ النَّوَادِي وَالْأَفْنِيَةِ، وَالْحَدَائِقِ وَالْمَيَادِينِ الْعَامَّةِ، مِمَّا يَرْتَادُهُ النَّاسُ، وَيَجْتَمِعُونَ فِيهِ، ويَرْتَفِقُونَ بِه.

وَلِمُكَافَحَةِ التَّلَوُّثِ الْبِيئِيِّ، قَالَ : "لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثَمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ"، وفِي رِوَايَةٍ: "لَا يَغْتَسِلْ أحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُب". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي نَهْيِهَا عَمَّا يَضُرُّ النَّاسَ فِي أبدَانِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَأَخْلَاَقِهِمْ.

وَمِمَّا يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ حِينَ التَّنَزُّهِ وَالْخُرُوجِ لِلْبَرَارِي الْحِرْصُ عَلَى نَظَافَةِ الْمَكَانِ، وَتَرْكِهِ كَمَا كَانَ أَوْ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ قَدْرَ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا مِمَّا جَاءَ بِهِ الشَّرَعُ وَحَثَّ عَلَيْهِ.

وَمِنَ الْعِنَايَةِ بِالْبِيئَةِ، الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتَاتِ، وَتَجَنُّبِ تَلْويثِ الْحَدَائِقِ وَالْمُنْتَزَهَاتِ، بِبَقَايَا الْأَطْعِمَةِ وَالنُّفَايَاتِ، وَالْمُخَلَّفَاتِ الْبلَاسْتِيكِيَّةِ وَالزُّجَاجِيَّةِ، الَّتِي تَضُرُّ بِالْإِنْسَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، وكَذَلِكَ الْبُعْدُ عَنِ الْاِحْتِطَابِ وَالرَّعْيِّ الْجَائِرِ، وَعَدَمُ رَمْيِّ مُخَلَّفَاتِ الْبِنَاءِ وَالْمَشَارِيعِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُخَصَّصَةِ لَهَا مِمَّا يُسَبِّبُ أضْرَارًا جَسِيمَةً وَتَشْوِيهًا لِلْبِيئَةِ وَأذَىً لِلْخَلْقِ.

فَاِحْذَرُوا- حَفِظَكُمِ اللهُ- مَوَاقِعَ الْخَطَرِ وَإيقَاعِ الضَّرَرِ، وَالْتَزَمُوا بِمَا يَصْدُرُ مِنَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةِ مِن التَّعْلِيمَاتِ الْمُنَظَّمَةِ، التي تُحَقِّقُ الْغَايَةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْبِيئَةِ، وَالابْلاغِ عَنِ الْمُخَالِفِينَ لِكَفِّ أَذَاهُمْ؛ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْبِيئَةِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَتَدُلُّ عَلَى حَضَّارَةِ الْأُمَّةِ وَرُقِيِّهَا، وَيَنْبَغِي تَشْجِيعُ الْمُبَادَرَاتِ الْاِجْتِمَاعِيَّةِ لِلْعِنَايَةِ بِالْمَسَاجِدِ، وَالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ، وَالْمُنْتَزَهَاتِ الْبَرِّيَّةِ، وَتَثْقِيفُ النَّشْءِ وَالْمُجْتَمَعِ بذَلِكَ.

فَحَافَظُوا -عِبَادَ اللهِ- عَلَى بِيئَتِكُمْ وَمُرَافِقِهَا الْعَامَّةِ؛ فَفِي نَظَافَتِهَا وَنَقَائِهَا طِيِّبَةُ النُّفُوسِ، وَسَلَامَةُ الْأَجْسَادِ مِنَ الْعِلَلِ، وَالْغَرْسُ وَالزَّرْعُ يَزِيدُ الْبِيئَةَ نَضَارَةً وَجَمَالًا وَيُخَفِّفُ مِنْ غَلْوَاءِ التَّلَوُّثِ وَالتَّصَحُرِ، وَهُوَ مِنْ أَبْوَابِ الْأَجْرِ؛ كَمَا أَرَشَدَ نَبِيِّكُمْ فَقَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

اتَّقَوْا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَتَمَسْكُوا بِلَا إلَهَ إِلَّا اللهُ فَإِنَّهَا الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحْسَنَ الْحَديثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُّ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَعَلَيْكُمْ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرَيْنَ، وَرَحْمَةِ اللَّهِ لِلْعَالَمَيْنَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ قَضَوْا بِالْحَقِّ وَبِهِ كَانُوَا يَعَدِّلُونَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَنْ بَقِيَّةِ الْعَشَرَةِ، وَأَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجَمْعَيْنِ، وَعَنَا مَعَهُمْ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أكْرَمَ الأكرَمِينَ.

اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ وَالمُسلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا البَلدَ آمِنًا مُطمَئنًا وَسائرَ بلادِ المسلمينَ.

اللَّهُمَّ وفِّق خَادَمَ الحَرَمينِ الشَريفينِ، وَوَليَ عَهدِهِ لمَا تُحبُ وَترْضَى، يَا ذَا الجَلالِ وَالإكْرَامِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق