ما نسي ربك شعرًا قلته

76
1 دقائق
18 شوال 1447 (06-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

في عظمة التاريخ الإسلامي، لا نجدُ وقعًا لسيوفٍ تلمع فحسب، بل نجدُ أصداءً لكلماتٍ كانت أمضى من النصال وأبقى أثرًا في قلوب الرجال، ولعلّ قصة الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه هي البرهان الأجلى على إن الكلمة حين تخرج بصدقٍ لنصرة الحق، فإنها لا تقف عند حدود السمع، بل ترتقي لتُذكر في الملأ الأعلى وتخلد في ديوان الخالدين.

فعندما قال كعبٌ بيته الشهير: *قواطِعُهُنَّ دوسًا أو ثَقيفَا*، لم يكن ينطق مجرد قوافي شعريّة، بل كان يرسل إعصارًا نفسيًا أطاح بعناد القلوب حتى أسلمت قبيلة *دوس* رعبًا من الحق وإيمانًا بقوته، إذ أدركوا إن خلف هذا البيان إرادةً ربانية وقوةً لا تُغلب، فكانت الكلمة هنا هي القوة الناعمة التي حققت نصرًا بلا دماء، وحقنت أرواحًا بمجرد نبرةِ عزةٍ وإقدام.

ويا له من مشهدٍ مهيب تهتز له المشاعر حين يُخبر النبي صاحبه كعبًا بأن الله -بجلاله وعظمته- لم ينسَ شعرًا قاله في نصرة دينه، قائلًا له: "ما نسي ربك -وما كان نسيًا- شعرًا قلته"، ليتجلى لنا مقامٌ شامخ يُعلن فيه إن كلمات العبد الصادقة قد قُبلت وشُكرت في علياء الرب، وهي رسالة لكل واحدٍ منا بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا ولا أجر من قال قولًا سديدًا، فربما كلمة طيبة تنطق بها في مجلس، أو نصيحة تبذلها في خفاء، أو موقف حقٍ تتبناه؛ يكون هو مفتاح الخير في حياتك، وسبب الرضى الذي يكتبه الله لك في عليائه ويرفعك به درجات.

لذا، لا تحقرنّ نفسك ولا تبخل بجهدك، فرب كلمةٍ من رضوان الله لا تلقي لها بالًا تفتح قلبًا موصدًا، أو تجبر خاطرًا مكسورًا، أو ترد تائهًا إلى الجادة، واجعل لسانك دائمًا أداة بناء، فالتاريخ يكتبه الصادقون، والأجساد تفنى وتصمت الألسن، لكن الكلمة التي قيلت لله تظل حيةً تُزهر في نفوس الخلق وتُكتب في صحائف الرضوان، فكن أنت صاحب الأثر الباقي، واعلم إن ربك الذي شكر كعبًا على بيته، لن ينسى لك خيرًا قدمته ولو بكلمة.

أتمنى إن يكون هذا المقال سببًا في إيقاد شعلة الأمل والعمل في قلب كل من يقرؤه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق