تفسير سورة الهمزة

158
3 دقائق
18 شوال 1447 (06-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

عدد آياتها: تسع آيات، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

مناسبة السورة لسورة العصر التي قبلها:

قال سبحانه في سورة العصر: ﴿إن الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ثم أتبعه بذكر نقص الإنسان وقصوره واغتراره وظنه الكمال لنفسه حتى يعيب غيره، واعتماده على ما جمعه من المال ظنًا أنه يخلده وينجيه، وهذا كله عين النقص الذي هو شأن الإنسان وهو المذكور في السورة، فقال تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ فافتتحت السورة بذكر ما أعد له من العذاب جزاء له على همزه ولمزه الذي أتم حسده، والهمزة: العياب الطعان، واللمزة مثله، ثم ذكر تعالى مآله ومستقره بقوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ أي ليطرحن في النار جزاء على اغتراره وطعنه. [راجع: البرهان في تناسب سور القرآن ص 376 لأبي جعفر الغرناطي].

مناسبتها لسورة الفيل التي بعدها:

لما تضمنت سورة الهمزة ذكر اغترار من فتن بماله حتى ظن أنه يخلده، وما أعقبه ذلك، أتبع هذا بأصحاب الفيل الذين غرهم تكاثرهم وخدعهم امتدادهم في البلاد واستيلاؤهم حتى هموا بهدم البيت المكرم فتعجلوا النقمة وجعل الله كيدهم في تضليل وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ: أي جماعات متفرقة، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، حتى استأصلهم وقُطعت دابرهم ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، وأثمر لهم ذلك اغترارهم بتوفر حظهم من الخسر المتقدم.

مقاصد السورة:

(1) بيان العذاب الشديد للذين يعيبون الناس.

(2) المال وكثرته ليست سببًا لطول البقاء في الدنيا ولا لتحصيل كافة متاعها.

(3) ذكر بعض مواصفات النار والترهيب منها.

تفسير سورة الهمزة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ إن مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)﴾.

تفسير الآيات:

قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ "وَيْلٌ" وعيد بالعذاب بمعنى هلاك أو خزي، وقيل الويل واد في جهنم، والقول الأول أقوى.

كَقَوْلِهِ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.

والهمزة أو الهماز هو الطعان الَّذِي يطعن فِي النَّاس ويغتابهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، واللمزة هُوَ الَّذِي يتنقص الناس ويعيبهم في وُجُوههم لا في الغيبة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾.

والهمز واللمز قد يكون بالقول أو باليد أو بالعين والحاجب، والله تعالى حرم كل هذا، قال تعالى ﴿إن الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إن هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾.

وقيل إن سورة الهمزة: نزلت في أبي بن خلف، وقيل في: الأخنس بن شريق، وقيل: في الوليد بن المغيرة وكان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من خَلفه، ويطعن فِي وجهه.

قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ الذي يحرص على جمع المال وإحصائه، وقال: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ ليدل على التكرار ليحفظ عدده خشية نقصانه، وفيه بيان وصفه بالبخل والشح.

وقيل: (وَعَدَّدَهُ) أي: أكثر عدده.

وقيل: أي صنفه؛ فجعل ماله أصنافًا، وأنواعًا من الإبل، والغنم والبقر والدور، والعقار، والأموال، وغيرها.

قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ إن مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ يظن إن ماله يزِيد فِي عمره.

قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ (كَلَّا) رد عليه؛ أي: ليس كما ظن عند نفسه.

﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ ليلقين أو ليقذفنّ ويطرحنّ في النار.

وَالْحَطْمَةُ مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى سُمِّيَتْ حُطَمَةَ لِأَنَّهَا تَحْطِمُ الْعِظَامَ وَتَكْسِرُهَا.

قوله تعالى: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ. نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّهْوِيلِ وَالتَّفْظِيعِ حَتَّى كَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ وَتَبْلُغُهُ الْأَفْهَامُ، والموقدة المشتعلة المستعرة.

قوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ أي التي يصل ويبلغ ألمها وحريقها وعذابها إلى القلوب والضلوع، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهَا تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلى فُؤَادِهِ.

وَخَصَّ الْأَفْئِدَةَ بالذكر مَعَ كَوْنِهَا تَغْشَى جَمِيعَ أَبْدَانِهِمْ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْعَقَائِدِ الزَّائِغَةِ.

قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي إن النار عليهم مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ.

قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قِيلَ: هِيَ أَوْتَادُ الْأَطْبَاقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، أَيْ أَنَّهَا مُطْبِقَةٌ عَلَيْهِمْ بِأَوْتَادٍ مُمَدَّدَةٍ، ووصفت بالممددة أَيْ مُطَوَّلَةٍ لتكون قوية راسخة، وفيه بيان لبعد عمق النار ودركاتها.

وَقِيلَ: الْعَمَدُ أَغْلَالٌ فِي جَهَنَّمَ، وَقِيلَ: الْقُيُودُ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي في الأغلال والقيود.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق