بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى تُقَابَلُ بِالشُّكْرِ؛ فَإِنَّ النِّعَمَ بِشُكْرِهَا تَقِرُّ وَبِكُفْرِهَا تَفِرُّ، وَمِنْ شُكْرِ النِّعَمِ اسْتِشْعَارُهَا، وَالتَّحَدُّثُ بِهَا، وَالْحِرْصُ عَلَى اسْتِدَامَتِهَا، قَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا)، وَيَقولُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، وَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ نَبِيِّكُمْ ﷺ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالشُّكْرُ حَافِظٌ لِلنِّعَمِ الْمَوْجُودَةِ، وَجَالِبٌ لِلنِّعَمِ الْمَفْقُودَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إن عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾؛ فَالشُّكْرُ عُنْوَانُ الْحِفْظِ وَالزِّيَادَةِ، وَسَبَبُ رِضَى الرَّبِّ، ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، وَمَا أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا إِلَّا زَالَتْ عَنْهُ نِعْمَةٌ بِحَسَبِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: *الْمَعَاصِي نَارُ النِّعَمِ تَأْكُلُهَا كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ*.
إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا *** فَإِنَّ الذُّنُوبَ تُزِيلُ النِّعَمْ
وَحُطْهَا بِطَاعَةِ رَبِّ الْعِبَادِ *** فَرَبُّ الْعِبَادِ سَرِيعُ النِّقَمْ
وَهَذَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِمَامُ الشَّاكِرِينَ مُحَمَّدٌ ﷺ، كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَتَقُولُ لَهُ عَائِشَةُ: تَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَيَقُولُ: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الْوَاجِبِ شُكْرُهَا نِعْمَةُ الْبَلَدِ الْمُبَارَكِ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ؛ فَقَالَ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ وَهِيَ: مَكَّةُ مَحِلُّ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَسَمَّاهُ أَمِينًا: لِأَنَّهُ حَرَمٌ آمِنٌ، يَأْمَنُ فِيهِ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ.
الْبَلَدُ الْأَمِينُ، بَلَدُ الْمَسْجِدَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، وَالْمَدِينَتَيْنِ الْمُقَدَّسَتَيْنِ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ -شَرَّفَهُمَا اللهُ- وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ، وَمَنْبَعُ الرِّسَالَةِ، وَقِبْلَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَهْوَى أَفْئِدَتِهِمْ، رَايَتُهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَدُسْتُورُهَا الْقُرْآنُ، وَقِيَامُهَا قِيَامٌ لِلْعَالَمِينَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعبَةَ البَيتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾.
وَمِنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ تَحْقِيقُ الْوَلَاءِ لِبَلَدِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَمَحَبَّتُهَا وَبَذْلُ الْغَالِي وَالنَّفِيسِ دُونَهَا، فَقَدْ كَانَ حُبُّ مَكَّةَ -شَرَّفَهَا اللهُ- فِي سُوَيْدَاءِ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ قَالَ وَهُوَ يُغَادِرُهَا مُهَاجِرًا: "وَاللهِ إِنَّكِ لَأَحَبُّ بِلَادِ اللهِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا إن قَوْمَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ"، وَكَذَلِكَ حُبُّ الْمَدِينَةِ مُهَاجَرِهِ ﷺ؛ فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ". وَلَا يَزَالُ هَذَا الْحُبُّ وَالِانْتِمَاءُ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ.
وَمِنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْحِفَاظُ عَلَى الْأَمْنِ، وَالْبُعْدُ عَنْ إِثَارَةِ الْفِتَنِ، وَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ فِي الْمَعْرُوفِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِالْجَمَاعَةِ، وَيَنْهَى عَنِ الْفُرْقَةِ، قَالَ ﷺ: "مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَمَاتَ؛ فَمِيتَتُهُ مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي ظِلِّ مَا يَمُرُّ بِهِ عَالَمُنَا الْيَوْمَ مِنِ أَحْدَاثٍ مُتَسَارِعَةٍ وَتَقَلُّبَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ، وَحُرُوبٍ مُسْتَعِرَةٍ، وَنِزَاعَاتٍ مُفْتَعَلَةٍ، يُرَادُ بِهَا الْكَيْدُ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَتَفْرِيقُ جَمَاعَتِهِمْ؛ يَتَأَكَّدُ تَرْكُ الْخَوْضِ فِي الْأَحْدَاثِ وَالْأَزَمَاتِ فِي الْمَجَالِسِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَالرَّدُّ إلى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأُولِي الْأَمْرِ، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وَهَذَا يُحَتِّمُ الْحَذَرَ مِنْ تَدَاوُلِ الشَّائِعَاتِ وَالْأَرَاجِيفِ، وَالتَّسَرُّعِ فِي تَنَاقُلِ الْأَخْبَارِ، فَبِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا، قَالَ ﷺ: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا إن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاحْذَرُوا تَصْوِيرَ الْمَوَاقِعِ الْعَسْكَرِيَّةِ أَوْ تَدَاوُلُ الْمَقَاطِعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْدَاثِ الْأَمْنِيَّةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِرْجَافِ، وَإِشَاعَةِ الْخَوْفِ، وَتَعْرِيضِ الْأَنْفُسِ وَالْمَصَالِحِ لِلْخَطَرِ، وَإِعَانَةِ الْعَدُوِّ عَلَى التَّمَادِي فِي عُدْوَانِهِ؛ فَاحْرِصُوا عَلَى بَثِّ الطُّمَأْنِينَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا تَكُنْ عَيْنًا لِلْعَدُوِّ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ!
أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاشْكُرُوهُ عَلَى النِّعَمِ، وَاحْمَدُوهُ عَلَى مَا دَفَعَ مِنَ النِّقَمِ، وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ؛ الَّتِي اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهَا، وَانْحَلَّ عِقْدُ أَمْنِهَا، وَتَمَزَّقَ شَمْلُهَا، وَتَسَلُّطَ الْعَدُوُّ عَلَيْهَا؛ فَالْزَمُوا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتَهُمْ، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إن اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
اللَّهُمَّ أَدَمْ عَلَيْنَا نِعَمَةَ الْأَمْنِ وَالْإيمَانِ، وَارْزُقْنَا شُكْرَهَا عَلَى الْدَوَامِ، يَا ذَا الْجَلَاَلِ وَالْإكْرَامِ
اتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَابْتَهِلُوا وَتَضَرَّعُوا إلى رَبِّكُمْ لِيَرْفَعَ الْبَلَاءَ وَيَرُدَّ كَيْدَ الْأَعْدَاءِ، وَاسْتَمِعُوا لِنِدَاءِ رَبِّكُمْ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إن النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
وَأَكْثِرُوا مِنْ دُعَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إن يَحْفَظَ عَلَيْكُمْ دِينَكُمْ وَإِيمَانَكُمْ وَبِلَادَكُمْ وَقِيَادَتَكُمْ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَى الْمَمْلَكَةِ وَبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عِزَّهَا وَقُوَّتَهَا وَمَنَعَتَهَا، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهَا وَلِسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَاسْتِقْرَارَ، وَأَنْ يَحْفَظَ جُنُودَنَا الَّذِينَ يَذُودُونَ عَنْ بِلَادِنَا وَيُقَوِّيَ عَزَائِمَهُمْ وَيُسَدِّدَ رَمْيَهُمْ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ وَالمُسلِمِينَ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا رَخَاءً سَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا آمِنْ حُدُودَنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَاجْمَعْ شَمْلَنَا عَلَىٰ طَاعَتِكَ وَنُصْرَةِ دِينِكَ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ وَالِاسْتِقْرَارَ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا وَأَرَادَ الْمُسْلِمِينَ بِسُوءٍ فَاشْغَلْهُ بِنَفْسِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرَهُ، وَرُدَّ كَيْدَهُ إلىٰ نَحْرِهِ.
اللَّهُمَّ وفِّق خَادَمَ الحَرَمينِ الشَريفينِ، وَوَليَ عَهدِهِ لمَا تُحبُ وَترْضَى.
اللهُمَّ أعْذنَا مِنَ الشرورِ والفتنِ، مَا ظَهَرَ مِنهَا ومَا بَطنَ. يَا ذَا الجَلالِ وَالإكْرَامِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَاكْتُبْ صِيَامَنَا فِي عِدَادِ الصَّائِمِينَ، وَقِيَامَنَا فِي عِدَادِ الْقَائِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.