على عتبة العريش حين تهزم الروح طينها

95
2 دقائق
18 شوال 1447 (06-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

في هجير الصحراء، حيث الشمسُ تصهر الرمال والأنفاسُ تتقطع من شدة اللأواء، كانت هناك معركةٌ من نوع آخر تُخاض في صدر رجل واحد. إنه أبو خيثمة الأنصاري رضي الله عنه؛ رجلٌ كاد إن يكبله الظلُّ، لولا إن تداركته رحمةُ الله بيقظةٍ هزت أركان نفسه.

عاد أبو خيثمة إلى بستانه وقد سار النبي والجيش في "غزوة العسرة" منذ أيام. دخل ليجد النعيم ينتظره في أبهى صوره: عريشان مرشوشان بالماء البارد يكسران حدة القيظ، وطعامٌ شهي، وزوجتان قد تزيّنتا لاستقباله. مشهدٌ يغري كل ذرة في جسد الإنسان بالاسترخاء والقعود، ويفتح للشيطان باباً واسعاً ليفتل خيوط مكره حول قلب المؤمن.

لكن المؤمن لا يرى بعين جسده فقط، بل بعين قلبه. وقف أبو خيثمة على عتبة العريش، ولم يدخله، فلم ينظر إلى الماء البارد، بل أبصر غبار النبي في الأفق البعيد، ولم يلتفت إلى رغد العيش، بل استشعر وعورة الطريق التي يقطعها الصحب الكرام في الرمضاء. في تلك اللحظة الحاسمة، نطق بكلمةٍ خلدها التاريخ، لتكون ميزانًا لكل متردد: "رسول الله في الضح والريح، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ؟! ما هذا بالنَّصَف! "

لقد أدرك إن العدل مع الله يقتضي التضحية، وأن الراحة الحقيقية هي التي تُنال في ركاب الطاعة، لا فوق مفارش الحرير. ولكي يقطع على الشيطان طريق الوسوسة، لجم نفسه ب "قسمٍ غليظ" ألزم به قلبه ألا يدخل العريش حتى يلحق بالركب النبوي، فكانت تلك الاستفاقة هي طوق النجاة. إن "عريش أبي خيثمة" يتكرر في حياتنا كل يوم؛ فقد يكون نوماً يثقلك عن صلاة، أو مالاً يغريك بالقعود عن حق، أو هوىً يزين لك التأخير. والشيطان لا يمل من المحاولة حتى في سكرات الموت، فما دامت الأنفاس تتردد في صدرك فأنت في ميدان الجهاد، فاجعل الشيطان هو الخاسر بعودتك السريعة.

انطلق أبو خيثمة فزِعاً إلى ربه، ليرسم لنا طريق العودة مهما طال الغياب. فلا تقل "قد فات الأوان"، فبإمكانك بصدق لحظة واحدة إن تحرق خيوط المكر، وتكتب اسمك في ديوان الناجين.

اللهم ارزقنا صدقاً كصدق أبي خيثمة، وهمةً تعلو فوق العوائق، وعزيمةً تقطع خيوط المكر.

اللهم لا تجعل للشيطان على قلوبنا سبيلاً، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق