الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ إن آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: 258).
تتضمن هذه الآية حوارًا عظيمًا بين نبي الله إبراهيم عليه السلام والملك المتجبر الذي جادله في شأن الربوبية. ومن يتأمل ألفاظ الآية يلاحظ انتقالًا دقيقًا في التعبير؛ إذ قال إبراهيم في بداية الحوار: (ربي الذي يحيي ويميت)، ثم قال في نهاية الحجة: (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق).
فلماذا انتقل إبراهيم من لفظ (رب) إلى لفظ (الله)؟
أولًا: دلالة لفظ (الرب) وعلاقته بالتدبير:
لفظ الرب في اللغة العربية يدل على معاني الملك والتدبير والتربية والتصرف. فالرب هو المتصرف في شؤون مملوكه والمدبر لأمره. ولهذا استُعمل اللفظ في القرآن أحيانًا بمعنى السيد أو المالك، كما في قصة يوسف عليه السلام:
{أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا}.
{ارْجِعْ إلى رَبِّكَ} أي سيده أو ملكه.
وعندما قال إبراهيم عليه السلام:
{ربي الذي يحيي ويميت}.
كان الحديث عن التصرف في شؤون الحياة والموت، وهي أمور قد يظن بعض الناس إن للأسباب البشرية مدخلًا فيها؛ فالمريض قد يشفى بدواء، والطبيب قد يكون سببًا في إنقاذ حياة إنسان أو هلاكه.
ومن هنا استغل النمرود هذا المعنى الظاهري وموّه على الناس قائلًا:
{أنا أحيي وأميت}، أي يعفو عن إنسان فيتركه حيًا ويقتل آخر فيميته، فظن أنه بذلك يعارض حجة إبراهيم.
ثانيًا: الانتقال إلى الحجة الكونية القاطعة:
لما رأى إبراهيم عليه السلام إن خصمه يلبس الحق بالباطل ويتلاعب بالألفاظ، انتقل إلى حجة أخرى لا يمكن التلاعب بها ولا ادعاء المشاركة فيها، فقال:
{فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب}.
وهنا جاء التعبير باسم (الله)، وهو الاسم العلم الدال على الإله الحق المتفرد بالألوهية والقدرة المطلقة.
فحركة الشمس في نظامها الدقيق آية كونية عظيمة:
لا سلطان للبشر عليها.
ولا مدخل للأسباب البشرية فيها.
ولا يمكن لملك أو طاغية إن يدّعي أنه يتحكم فيها.
وهكذا نقل إبراهيم النقاش من مسألة يمكن التلاعب في ظاهرها بالأسباب إلى قضية كونية مطلقة لا سبيل إلى المجادلة فيها.
ثالثًا: روعة الحجة القرآنية:
تكشف هذه الآية عن منهج بديع في الحجاج العقلي؛ فإبراهيم عليه السلام لم يطل الجدل، بل انتقل مباشرة إلى الحجة التي تُفحم الخصم وتغلق أبواب المراوغة.
ولهذا ختمت الآية بقول الله تعالى:
{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} أي انقطع واندهش ولم يجد جوابًا.
خاتمة:
إن التأمل في هذا التحول الدقيق بين لفظ (رب) ولفظ (الله) يكشف جانبًا من إعجاز البيان القرآني؛ فاختيار الألفاظ في القرآن ليس اعتباطيًا، بل يأتي موافقًا للسياق والمعنى والحجة المقصودة.
فحين كان الحديث عن التصرف في شؤون الحياة والموت جاء لفظ الرب الدال على التدبير والتصرف، وحين انتقل إبراهيم إلى آية كونية مطلقة لا مدخل للبشر فيها جاء لفظ الله الدال على الإله الحق المتفرد بالقدرة على تدبير الكون كله.
وهكذا يتجلى في هذا الحوار القصير عمق الحجة، ودقة التعبير، وروعة البيان القرآني.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين