بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء: 51).
عندما يكون الرشد عطاءً إلهيًا، فاعلم أنه ليس مجرد صواب رأي، بل هو منظومة متكاملة من الحكمة، ونفاذ العقل، وصلابة المنطق، وثبات الإرادة، بحيث لا يعود صاحبها قابلًا للزيغ أو الاضطراب أمام الشبهات.
وهذا المعنى يتجلّى بوضوح في سورة الأنبياء، في عرضها للمعركة العقدية والفكرية التي خاضها نبيّ الله إبراهيم عليه السلام مع قومه، بل ومع أقرب الناس إليه.
لم تكن معركة صدامٍ أعمى، وإنما كانت معركة وعي وحجة، بدأت بسؤال استنكاري هادئ: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ فوصَفها أولًا ب التماثيل، توصيفًا محايدًا يفتح باب التفكير، فلما تكشفت حقيقة موقفهم وانتقلوا من مجرد المشاهدة إلى العبادة، سمّاها أصنامًا، فقال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾.
وتبلغ قمة الرشد والحكمة حين حطّم إبراهيم الأصنام جميعًا، وترك الصنم الأكبر قائمًا، مع قدرته التامة على تحطيمه، لكنه لم يُرِد إنهاء المواجهة بالفعل وحده، بل أراد استنفاد المعركة الكلامية إلى آخر مدى؛ ليقيم عليهم الحجة من داخل منطقهم هم.
فلما واجهوه بالسؤال، لم ينكر، ولم يبرر، بل دفعهم دفعًا إلى التفكير، فقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إن كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.
حجة بعد حجة، ونقلة عقلية بعد أخرى، حتى أُجبروا على الاعتراف بالعجز، لا عجز الأصنام فحسب، بل عجز عقولهم عن الدفاع عن باطلهم.
ذلك هو الرشد الذي آتاه الله لإبراهيم:
رشدٌ في الخطاب.
ورشدٌ في إدارة الخلاف.
ورشدٌ في الجمع بين الفعل والحجة.
وهو علمٌ علّمه الله لعبده من لدنه، لا تمنحه جامعات البشر مهما علت درجاتها.
إنها قصة نعرفها جميعًا، لكننا لا نقرأها كما ينبغي، ولو أعدنا قراءتها مراتٍ ومرات بتدبر، لاكتشفنا إن الرشد ليس فقط إن تعرف الحق، بل إن تحسن عرضه، وتختار لحظته، وتدير به العقول قبل إن تكسر الأصنام.