المفاضلة بين التعبد الذاتي والعمل المتعدي

124
3 دقائق
20 شوال 1447 (08-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يطلق بعض الناس تفضيل العمل المتعدي وترجيحه على التعبد الذاتي بلا ضوابط ولا شروط، وهذا غير متجه؛ لأن العملين: الذاتي والمتعدي: أصلان متكاملان لا متفاضلان، فهما متداخلان متشابكان يصعب الفصل بينهما، وحال وقوع شيء من التعارض بينهما يجب الموازنة بينهما دون اعتداء جهة على الأخرى؛ إذ الأصل ارتفاع التقابل لا وقوعه: فلم يظهر تعارض بينهما في حياته عليه الصلاة والسلام: فكان عليه الصلاة والسلام يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويصلي الرواتب، ويكثر من النوافل حتى يشع ويملأ بيته نوراً من العبادة، ويصوم حتى يقال لا يفطر، ويذكر الله في كل أحيانه، ويقرأ القرآن ويستمعه، ويحج ويعتمر، ومع هذا كان في مهنة أهله، وكان خير الناس لأهله، ويدعو إلى الله الخلائق العرب والعجم، ويفتي ويقضي بين الناس، ويقود الجيوش، ويعلم العلم، وهو إمام الأمة، يقابل الوفود، ويعقد الأولوية ويؤمر الأمراء، ويجاهد في سبيل الله، ويصلح بين الناس، وغيرها من المصالح المتعدية الكثيرة، فلا يوجد أعظم منه عليه الصلاة والسلام وأكثر في إقامة تعبداته الذاتية وأعماله المتعدية، ومع هذا لم يقع أي تنافر أو تضاد بينهما في حياته عليه الصلاة والسلام لأن كل واحد يكمل الآخر ويقويه ويشده فيستعين بهذا على هذا، ويقيم هذا من هذا.

فالعمل الذاتي هو الأصل. وما شرع المتعدي إلا لإقامة الذاتي: فالمتعدي وسيلة للذاتي، لا العكس لأن المقصد من المتعدي حمل الناس وإعانتهم على مصالحهم الدينية والدنيوية فالأصل هو الذاتي، فلو نصح ناصح الليل والنهار، وأرشد كل الخلق وهو لم يعبد الله حق عبادته ولا قام بحقه سبحانه لا ينفعه ذلك البتة، وكذا لو أعان كل الخلق وهو مقصر بأصول حق الله لم تستقم حاله، ولم يكن محمودا في علمه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ إن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } [الصف: 2، 3]، {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].

وأول من تسعر بهم النار ثلاثة عملوا أعمالا متعدية، ونسوا أنفسهم: المنفق والمجاهد والعالم فهؤلاء لم تنفعهم أعمالهم المتعدية لما أضاع الذاتي، وكذا قصة الرجل الذي يلقى في جهنم فتندلق أقتاب بطنه، لأن قوله لم يوافق عمله.

فليس في الشريعة خصومة بين العمل المتعدي والتعبّد الذاتي، بل كلاهما جناحان يطير بهما العبد إلى الله، غير إن الجناح الذي ينهض بالعبد أولًا هو جناح قلبه، لا جناح أثره؛ فمن أقام قلبه أقام الله به خلقًا كثيرين، ومن خرب قلبه لم تُقِمه كثرة أعماله.

فالأصل إصلاح الإنسان نفسه بالعمل الذاتي قبل إصلاح غيره بالعمل المتعدي. فهذا الوجه الأول.

الثاني: إن الواجبات الذاتية لا تسقط من ذمة المكلف عند قدرته عليها، بخلاف المتعدية فتسقط مع قدرته عليها إذا قام بها غيره.

الثالث: عند قيام تعارض بين تعبد ذاتي ومتعد: يوازن بينهما من جهة مقاصد الشريعة فيقدم الضروري على الحاجي والحاجي على التحسيني والأصل على مكمله وهكذا، فليس هناك قاعدة مطردة بتقديم المتعدي على القاصر، بل ينظر في مصالح العملين ويوازن بينهما، فبعض الأعمال المتعدية قد تكون مصالحها ضعيفة لا تقارن مع مصالح التعبدات الذاتية، أو العكس.

فليست المسألة إذن تفضيلًا مطلقًا، بل نظرٌ في موطن الحاجة، ووزنٌ بميزان الحكمة.

الرابع: حتى يوازن بين الذاتي والمتعدي: ينظر فيها إلى مقصد صاحبها وإخلاصه وأغراضه من قيامه بها لأن الذاتي والمتعدي متى فقد منهما الإخلاص لا قيمة له ولا وزن، لكن المتعدي تسلط الشيطان فيه على العبد أشد من الذاتي، وانظر كم أتى في الجهاد وفي العلم وقراءة القرآن من الترهيب بعدم الإخلاص، ما لم يأت بالصلاة والذكر، لأن الذاتي متى أخفاه العبد انفك عن أسر الشيطان وأثره.

فالعمل المتعدي لا يُشرق إلا إن كان له قلب صادق، فكل عمل لا يُراد به وجه الله لا يزاحم سجدةً خاشعة، ولا ركعةً صادقة، ولا ذكرًا يملأ الصدر نورًا.

الخامس: إن التعبدات الذاتية لها مصالح متعدية كبيرة لأنها متى ظهرت، وكثرت القدوات العملية، شاع هذا وانتشر وعظم بين الناس وتكاثر الناس عليه: {الَّذِينَ ينفقون أَمْوَالَهُم بِاللَّيْل وَالنَّهَار سرًّا وَعلَانِيةً فلَهم أَجرهم عنْد رَبِّهمْ وَلَا خوفٌ علَيهِم وَلَا همْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274].

فحين ترى العابد يتندى قلبك، وحين ترى القانت ينشرح صدرك، وحين ترى الصالح تتقوى نفسك، فالعبادات الصادقة تُشعّ؛ لا تقف عند صاحبها، بل تتعدّاه إلى من حوله. وهذه أعظم الآثار المتعدية، وإن بدت في الظاهر أعمالًا ذاتية، فكم من عبادة ذاتية خالصة له سبحانه وتعالى كانت سببا في خير كثير واسع للأمة. لذا قال تعالى: {والذين يمسّٖكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين} فجعلهم مصلحين لأمرين: تمسكهم بالكتاب وإقامتهم الصلاة. وهما تعبدات ذاتية غير متعدية.

‏وأخيراً: هذه ليست دعوة إلى ترك الأعمال المتعدية، بل المتعين الإكثار منها في حدودها وشروطها الشرعية مع الذاتية، وعدم ضرب أحدهما بالآخر، وإظهار أحدهما في موقف الضعف والآخر بموطن القوة، إنما قوتهما بتكاملهما وتداخلهما، لا بتعارضهما، فيجب التفقه بموارد وأصول العمل الصحيحة، والاعتدال بين الأمرين. والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق