شرنقات المتخصصين

69
2 دقائق
26 شوال 1447 (14-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

‏هناك تحديات كثيرة تواجه أيَّ متخصصٍ في علمٍ من العلوم، وعليه إن يجتهد اجتهادا في التخلص من رِبقتها، وأشير هنا إلى بعضها مجرَّد إشارة:

‏من ذلك ما يفعله بعض المتخصصين من توعير طريق علمه وزراعة حقول الألغام حول بوابة الدخول لمن يسألونه مسترشدين عن الباب، فيذكر لهم خططًا عسرة وبرامجَ شديد الوعورة والالتواءات والمنحنيات، كأنها سرداب الشيعة لم يتنفس بداخله مخلوق، فإن ذلك المسلك التعجيزي يحفظ للمتخصص فرادَته وامتيازَه ومبرر وجوده.

‏ومن ذلك إن يحمله شعوره بالامتياز على الغضّ من مشاركات غير المتخصصين في علمه ولو أصابوا، والحنقِ من إفاداتهم واستدراكاتهم العلمية ولو كانت دقيقة، فيخيل إليك إن بعض المتخصصين يتمنى إقامة علاقة شبه زوجية مع علمه لا يكاد يشركه فيها غيره، وتكون هذه العلاقة زواجا كاثوليكيا دائما لا تهدده مخاطر الخلع والانفصال، وربما لو استطاع بعض المتخصصين إن يقيم نظام الضرائب المالية العالية لمن يفكر إن يلج تخصصه لفعل!

‏ومن التحديات الولع والمبالغة بذكر فعالية هذا العلم وضرورته وأثره على باقي العلوم، وقد رأيتُ كثيرًا من المتخصصين في سائر الفنون يتحدثون كثيرًا عن علمهم بأنه (أهمُّ) و(أولى) و(أجدر) و(أفضل) وباقي أفعال التفضيل التي يتم استدعاؤها وتركيبها عادةً في أوائل جميع الفنون!

‏حتى إنه ليُخيَّل إليك أحيانا أنه لو اشتغل امرؤٌ بعلمِ أنواع الطحالب المحتشدة على سطوح المياه الآسنة لحدَّثك عن أثر علم الطحالب على بقية العلوم وأسهب في شرح دوره في نهضة الأمم، واسترسل بذكر خطورة غياب هذا الفن في المدِّ الحضاري القادم!

‏ومن تلك التحديات إن يبالغ المتخصص في تفعيل قواعد الفن، فيولع بها ويسترسل عقله بإيرادها ولو لم تكن ملائمة للحال، وعلى سبيل المثال ما ذكره العلامة البلاغي الزمخشري حول قوله تعالى: {والسلام عليَّ يوم ولدت} علَّقَ عليه الشيخ محمود شاكر رحمه الله بقوله: (كان خليقا به إن يصرف عنه وجهه، ولولا أنه كان مولعا بنكت البلاغة لما وقع في مثل ما وقع فيه).

‏ومن تلك التحديات تضخيم الأخطاء العلمية إذا كانت في رسيس التخصص، والاستهانة بالأخطاء العلمية إذا كانت خارجه، فقبل مدة كنت أفكر في ظاهرة ضجر طالب العلم إذا زلَّ في موضع اهتمامه، وعدم مبالاته إذا أخطأ خارجَ محيط تخصصه، ورأيت لمثل هذا شواهد واقعية، ورأيت بعضَ المعتنين بالحديثِ مثلا يأخذ الحزن بأكظامه إذا أسند حديثا لمسلم مع أنه في المتفق عليه، ويعظِّم لك مثل هذا الخطأ مع أنه في الحقيقة لم يخطئ، لكن لو زلّ هو أو غيره في تصوير مسألة فقهية قريبة لما حزن نحو هذا الحزن، ورآه أمرًا يسيرًا للغاية.

‏ورأيت المشتغلَ بالنحو والصرف لا يبالي بمضمون للكلام ومدى انحرافه إذا استقامت قواعده اللغوية، مع إن اللغة العربية إنما تحفظ لمقصود حفظ الدين، كما قال ابن تيمية: (العربية إنما احتاج المسلمون إليها لأجل خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بها، فإذا أعرض عن الأصل كان أهل العربية بمنزلة شعراء الجاهلية) لكني رأيت من يَغضب إذا نُصِبَ الفاعل ويُغضي إن كُسر الدِّين!

‏وأمثال هذه المواقف في تقويم الأخطاء العلمية كثيرة في واقعنا المعرفي. فبعض المتخصصين يقيس حجم الخطأ لا حسب درجته في الشريعة ولا حسب درجته عند أصحاب الفنون كلها ولا على أثره على المحصلة النهائية للمعرفة، وإنما بحسب مدى اهتمامه الشخصي بتفاصيل ذلك الفن.

‏ومن ذلك الجهل المطبق بما يتعدى خارطة الفن وحدوده، فمن اقتصر على فنّ واحد لا يجاوزه إلى ما يجاوره ويؤثر فيه من المسائل والفنون ذهب من حديثه الضياء والبهاء وكثر غلطه حتى في مسائل فنِّه وعلمه!

‏فعلى المتخصص إن يكسر حواجز هذه التحديات وغيرها ليستطيع مدَّ القناطر وتسييج الجسور حول مورد علمه العذب ليبلَّ به قلوب الطالبين!

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق