بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
ذكر غيرُ واحدٍ من العلماء إن الله تعالى قد يفتحُ على بعض عباده فيكشف لهم عن علامةٍ تدلهم على إن تلك الليلة هي ليلةُ القدر التي يتحرَّاها ملايينُ المسلمين، قد تكون برؤيا منامٍ وهي الأكثرُ والأشهر، وقد تكون يقَظةً وهي الأعجبُ والأندر.
قال الإمام النووي رحمه الله: *اعلم إن ليلة القَدر يَراها من شاء الله تعالى من بني آدم كلَّ سنةٍ في رمضان، كما تظاهرت عليه الأحاديث وأخبار الصالحين بها، ورؤيتُهم لها أَكثرَ من إن تُحصر*.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: *وقد يكشفها الله لبعض الناس في المنام، أو اليقَظة فيرى أنوارَها، أو يرى من يقول له هذه ليلة القَدر، وقد يفتح على قلبه من المشاهد ما يتبيَّن به الأمر*.
إنَّ من عجيب ما حدَّثني به مَن وقع له ذلك الكشفُ يقظةً مَشهدان، كلاهما من رجلين موثوقَين عندي، لا أشكُّ في صدقهما وعدالتهما.
ولن أذكرَ اسميهما لأني لم أستأذنهما، وأظنُّهما لا يرتضيان ذلك.
القصة الأولى:
حدثني الأخ (…) قبل خمس وثلاثين سنة، أنه كان يصلي التهجدَ في مسجد الحي مع الجماعة في ليلةٍ وتريةٍ من العشر، فشعَر فجأةً بسكينةٍ عجيبة تتغشَّاه، ثمَّ أخذته قشعريرةٌ شديدةٌ من غير برد، وأحسَّ برغبةٍ جامحةٍ في ارتقاء سطح المسجد بمفرده، ففعل ذلك، واستقبل القبلةَ ورفع يديه إلى السماء وكانت صافيةً والنجوم فيها تتلألأ، وظلَّ يدعو الله تعالى ويناجيه ويبكي، وعند ذلك وقعَ له أمرٌ مدهش! !
يقول: رأيت إن عدد النجوم صار يتضاعف تدريجيًا، وظلَّ يزيد ويتضاعف حتى غطَّى معظمَ الفراغات التي نراها في السماء عادة، وصار لونُ السماء كلها أقربَ إلى البياض منه إلى السواد لشدَّة تقارُب النجوم من بعضها، حتى سقطتُ مغشيًّا عليَّ من هَول ما رأيت.
أخبرني بنفسه بما حصل معه تلك الليلة بعد انقضاء العيد، وأسَرَّني بذلك، ولم أخبرْ بها إلا آحادَ الناس منذُ ذلك اليوم.
أما القصةُ الثانية فهي أعجَبُ وأغرب!
حدثني بها الأخ (…) وقد وقع له ذلك عندما كان يدرسُ في إحدى الجامعات في دولةٍ غربيةٍ، عامَّةُ أهلها ملحدون، وتقع في منطقةٍ نائية، وكان سكنُ الطلاب مُطِلًا على غابةٍ كثيفةِ الأشجار، ونافذةُ غرفته مشرفة على تلك الغابة.
توافَق في تلك السنة إن تكون العشرُ الأواخرُ من رمضان متزامنةً مع أعياد رأس السنة، وأحوالُ الناس من الفجور فيها لا يخفى على أحد.
يقول لي الأخ: كنتُ المسلمَ الوحيدَ في السكن، وربما في الحيِّ كله، ولم يكن مستغرَبًا إن يخلو سكنُ الطلاب من نزلائه في تلك الليلة التي يترقَّبونها طوال العام، ويستعدُّون لإحيائها على ما يغضِبُ الله جلَّ جلاله بجميع أنواع الموبقات.
لم ألتفت لجميع المغريات التي يُفتن بها الشباب، بل حتى المسلمون منهم تكون أحوالهم في الغربة غريبة، ولا تكاد تفرِّقُ بينهم وبين غيرهم في تلك المناسبات.
وتذكَّرتُ حديثَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "عبادةٌ في الهَرْج كهجرةٍ إليَّ"، فقويت عزيمتي على قيام تلك الليلة وحيدًا، وأنا أشعر بالوحشة من جهة كوني بمفردي في هذا السكن الكبير، ومن جهةٍ أخرى أشعرُ بالأنس بالله تعالى ومناجاته، وأنا أؤثرُ رضاه وقربه على كل تلك المغريات، فكل الأرض من حولي مزخرفة بزينة الهوى، ويلفها ظلامٌ دامسٌ يطغى على بريق المفرقعات والألعاب النارية، وقد نشب الشيطان مخالبه في قلوب العباد واستحوذَ عليها.
كنتُ أسكنُ في الطابق الثاني، وكانت نافذة غرفتي باتجاه القبلة، وكنت إذا قمت إلى الصلاة في العادة يكون مستوى بصري موازيًا لرؤوس الأشجار الممتدة إلى مئات الأمتار، فلا أرى شيئًا بعدها لأنه محجوب بها.
عندما دخل ثلثُ الليل الآخر وأنا على ما وصفتُ لك من المشاعر المختلطة، والتي غلب عليها شعور الأنس والفرح وتذوُّق لذة القرب من المحبوب الأعلى الذي آثرتُ قربَه وخالفتُ هواي لأجله، وقع لي أمرٌ خارقٌ تعجزُ الكلمات عن وصف أثره في نفسي، قد لا يصدِّقُه أحَد، لكنه وقع بالفعل، وشعرتُ وكأنَّ ربِّي ومحبوبي أراد إن يواسيَني ويسليني به! !
أحقًّأ ما أرى؟! !
الأشجار التي كنتُ أنظرُ إليها قبل قليل من وراء الزجاج لم تعُد موجودة! !
صرتُ أرى المنطقة التي تليها والتي كانت محجوبةً عني طوال فترة إقامتي! !
هل أنا أحلُم؟!
ركعتُ ثم سجدتُ ثم قمتُ للركعة الثانية، والمشهدُ هو هو! !
بعد تسليمي من الصلاة قمتُ مسرعًا لأقترب من النافذة وأنظر إلى الخارج لأرى ذلك المنظر الرهيب العجيب الذي وقف له كل شعرةٍ في رأسي!
هل ما أراه حقيقي! !
يا الله. كلُّ الأشجار ساجدة! !
نعم ساجدةٌ على الأرض بهيئة السجود كما يسجدُ البشر!
لم تبقَ شجرةٌ إلا وقد انثنت والتصقَ أعلاها بالأرض! !
انعقدَ لساني عن كل كلام إلا عن التسبيح. سبحانك يا ربُّ!
سبحانك يا ربُّ!
سبحانك يا خالقي ويا مَليكي! !
وتذكَّرتُ قوله تعالى: {والنجمُ والشجرُ يسجدان}، وقوله تعالى: {ولله يسجدُ مَن في السماوات والأرض طوعًا وكَرها وظِلالُهم بالغُدوِّ والآصال}! !
لقد وقع في نفسي شعور يقينيٌّ لا يتزحزح، وكأنه صوتٌ مدَوٍّ من داخلي لا أستطيعُ ردُّه: إن هذه الليلة هي ليلةُ القدر.
قبل مطلع الفجر بقليل عاد الوضع على ما كان عليه كأنَّه شيئًا لم يكن، وقد ترك هذا الحدثُ أثرًا محفورًا في وجداني منذ ذلك الحين حتى هذه اللحظة، أستمدُّ منه طاقةً إيمانيةً، ترتفع بها الهمَّةُ كلما خبت، وتنشط بها العزيمةُ كلما وهنت.
سألتُ الأخ: هل حدَّثتَ أحدًا بهذا؟
قال: نعم، أحد الشيوخ، فأخبرني أني بحاجةٍ إلى رقية! فلم أخبر بها أحدًا بعده.
قلتُ له: إن كان أخبرك هذا المتعالم بهذا فهو الأحوج إلى الرقية منك.
أيها الأخ الأكرم.
مرَّ على تحديثي بالقصة الأولى خمسة وثلاثون سنة، وعلى الثانية نحوًا من ثلاثين سنة، وفي كلِّ عام في هذا الموسم المبارك أتذكَّرُ بقوةٍ هاتين القصتين وأتأثَّرُ بهما، وأهِمُّ بأن أوثقهما لله تعالى ثمَّ للتاريخ، لكنَّي سرعان ما تفتُر همتي وأتراجع عن الكتابة ولا أدري ما السبب!
اليوم فقط وجدتُ في نفسي نشاطا وإصرارا على التدوين، ولعلَّ الله تعالى أراد إن تبلغ الرسالة شخصًا ما، في مكان ما، في هذه الظروف العصيبة، التي زاغت فيها كثيرٌ من القلوب، ووهنت فيها كثير من العزائم، وطغت فيها الماديةُ الصمَّاء، فينتفع بها بإذنه من يشاء، والله سبحانه يقضي بما يشاء ويحكم ما يريد.