من سيصنع التغيير

162
5 دقائق
26 شوال 1447 (14-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

في مجلسٍ قريبٍ جمعني بعددٍ من صفوة المجتمع من خيرة العلماء والدعاة إلى الله تعالى، تجاذبنا فيه أطرافَ الحديث، وتناولنا أحوالَ المسلمين في بؤَرٍ مختلفة من العالم، لفتني إن عامَّةَ الحديث كان يدور حول تعاظم الفتن في زماننا وكثرة المفتونين، وغفلة الناس وبعدهم عن دينهم، وذكر المشايخُ أشكالا وألوانا منها، وعرضوا لأفانين مختلفة من مكر الأعداء وكيدهم بهذا الدين العظيم، تجعل السامع يظنُّ لأول وهلةٍ إن دين الله سيودِّعُ الحياةَ قريبًا، وأنَّ المسلمين في الرمق الأخير، وأنهم لن تقوم لهم قائمة بعدها.

وفي الواقع، هذا الخطاب بهذا النفس المتشائم متداوَل بكثرة في المجالس الحوارية والفكرية لدى المهتمين بالشأن العلمي والدعوي، والباعثُ عليه بلا شك هو غيرتُهم على دينهم وحزنُهم على نكَبات المسلمين ونكساتهم هنا وهناك.

ثم كانت لي فرصةٌ إن أُعلِّقَ بكلمة قصيرة حاولتُ من خلالها إن أعدِل الكِفَّةَ لصالح التوازن بين الألم والأمل، ودونكم الفكرة مقتضَبة بما يتلاءم مع منهجي في المقالات.

إن القارئ لتاريخ الأمم والشعوب من خلال الوحي المنزَّل أو في مظانها من كتب التاريخ، يجد إن نهضة الأمم منوطةٌ بالنُخَب الواعية العاملة وهي الأقل في المجتمعات، وليست مرهونةً بالغالبية العظمى الذين يعيشون على هامش الحياة، ولا يمثلون إلا رقمًا من الأرقام.

إن أتباع الأنبياء عليهم السلام هم الأقل، وأعداءهم هم الأكثر على الدوام.

نوح عليه السلام: {وما آمَنَ معَهُ إلا قليل}!

موسى عليه السلام: {فما آمن لموسى إلا ذرِّيَةٌ من قومِهِ على خوفٍ من فرعونَ ومَلئِهم إن يفتِنَهُم}!

وطالوتُ الملكُ الذي بعثه اللهُ على الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام، لم يثبُت معه في أرض المعركة حتى النهاية إلا نفَرٌ قليل من الصابرين: {فشربوا منه إلا قليلا منهم، فلما جاوزَه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنوده، قال الذين يظنون أنهم مالقوا الله كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين… فهزموهم بإذن الله وقتل داودُ جالوت}!

كثيرة هي الآيات التي تفيد هذا المعنى:

{وما أكثرُ الناس ولو حرصتَ بمؤمنين}.

{بل أكثرُهم لا يعلمون الحقَّ فهم معرضون}. الخ

ولو قفزنا إلى عصر الصحابة الكرام سنجد إن الذين كان لهم الدورُ المؤثر والحاسم نخبةٌ منهم، والآخرون تبع لهم.

لقد كان للمنافقين في المجتمع المسلم الناشئ في المدينة صولات وجولات، وأقاموا مسجدهم الضرار، ورجع زعيمُهم بثلث الجيش يوم أحُد، وجاؤوا بالإفك العظيم وطعنوا بعِرض سيد المرسلين، وتواطئوا مع يهود، ولم يمنع ذلك من ظهور الحق وأهله وقيام دولته!

لقد جزَم الإمام المحَدِّث أبو زُرعة الرازيُّ إن عدد الصحابة الكرام الذين ينطبقُ عليهم وصفُ الصحبة يزيد عن مئة ألفٍ وأربعةٍ وعشرين ألفا.

فلو سألتك الآن وأنت طالبُ علم، كم عدد من يمكنك إحصاؤهم بأسمائهم من هذا الجَمِّ الغفير؟!

حتى لو كنتَ متخصِّصًا في علم الحديث، هل تُراكَ تحفظُ مئةَ اسمٍ من عُمومهم؟!

هل تعلم إن عددَ رواةِ الحديث في الكتب الستة هو (548) صحابي، و(85) صحابية!

وأنَّ عددَ من روى مئةَ حديثٍ فأكثر هم (37) فقط! !

هل تعلم إن عدد من روى ألفَ حديثٍ فأكثرَ هم سبعةٌ فقط! !

إذَن لم يكن كلُّ الصحابة الكرام رواةً للحديث، بل تحمَّل هذا العبءَ نخبةٌ قليلةٌ منهم فحسب، وقاموا بالمهمة خير قيام، وحفظ الله بهم السنة الشريفة من الضياع.

إن الأمة لا تحتاجُ إلى ملايين من القادة والعلماء والمحَدِّثين والمفكرين لتعود إلى ماضيها المجيد وعزِّها التليد، بل يكفي إن يكون فيهم نُخَبٌ قيادية قوية ومؤثرة في كلِّ مجال، وسيكون بقية الناس تبعا لهم.

وهذه هي الحالة الطبيعية للبشر على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.

يؤكد لنا هذا المعنى نبيُّنا الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: "الناسُ كإبلٍ مئةٍ لا تكادُ تجدُ فيهم راحِلة".

ويؤكد لنا الواقع ذلك كذلك، فمن يعتقد إن جميع الشعب الأمريكي ملهَم ومثقف ولديه وعي سياسي وتخطيط استراتيجي فلا شك أنه جاهل واهم.

وكل من يظنُّ إن الشعب الياباني بأسره ذكيٌّ ومبدع وقادر على الاختراع والابتكار فهو أحمق.

وهكذا الشأن مع كل الدول المدنية الحديثة اليوم، إذا زرتها وخالطت أهلها سوف تُصدم بكثرة من تصادفهم من الهمج الرعاء الذين يعيشون على هامش الحياة، فلا تلمس فيهم علما ولا عقلا ولا أدبا، وقد ابتعدوا عن الدين والقيم الفاضلة، وأصبح أكبر هَمِّ أحدهم إن يُشبع رغائبَ نفسه وشهواتها.

ومجتمعاتنا المسلمة ليست استثناءً من هذا البلاء العام الذي نزل بالبشرية، وتمثل بموجات جارفة من طغيان المادة والإلحاد، وشيوع الفواحش والبعد عن الدين والأخلاق، ومع ذلك فإنَّ حظَّ الأمة الإسلامية من هذا الفساد والانحطاط هو الأدنى نسبيًا ولله الحمد.

فبالرغم من كل ما نرى من آثار تلك الفتن العمياء على الشعوب فإنَّ فيها من بقايا الخير والصلاح ما لا ينكره إلا أعمى أو مبغض مغرض.

فإذا نظرنا إلى نصف الكأس الممتلئ ألفينا نُخبًا في العلم والفكر، وأئمة في الدعوة والهداية، وملايين من أهل القرآن حفظا ومدارسة، وجَمًّا غفيرًا من الأبطال المجاهدين في سوح الوغى، وعشرات الألوف المخلصين وراء القضبان، هانت عليهم أنفسهم وضحوا بشبابهم نصرة لدينهم، وأضعاف هذه الأعداد ممن قضى نحبَه في سبيل الله، ولدينا من العقول المبدعة القادرة على التطوير في كل المجالات أعداد غفيرة لا يسمح لهم إن يقدِّموا شيئا مما لديهم من نتاج علمي إلا بالمقدار الذي يسمح لهم به عدوُّهم المتسلط.

من يكون؟!

هناك كتاب تراجم موسوعي بريطاني يُنشر سنويًا منذ عام 1849، عنوانه (who is who) يُقدِّم معلوماتٍ عن شخصيات من جميع أنحاء العالم أثَّرَت في الحياة البريطانية، تشمل شخصياتٍ بارزةً من الحكومة والسياسة والأوساط الأكاديمية والأعمال والرياضة والفنون.

وفي الإصدار (175) لعام 2023 وصل عددُ من ترجم لهم الكتاب حوالي ثلاثة وثلاثين ألف شخص.

وصدر في أميركا موسوعة بالعنوان والمضمون ذاته، ذكر مؤلفها في المقدمة بأنه يسعى إلى تعريف قادة المجتمع بأنهم أولئك الرجال والنساء الذين يؤثرون في تنمية أمتهم، وجميع من أحصاهم من المؤثرين بمقاييسهم الغربية في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والأدبية والفنية والعسكرية. الخ، أقل بكثير من نسبة واحد بالمئة.

ويشهد لهذه الحقيقة واقعُ الأمم والشعوب عَبْرَ التاريخ، وأنَّ الفتوحات والانتصارات تُنسَب للقادة بأسمائهم دون ذكر أتباعهم على كثرتهم.

فإذا ذُكِرت غزوةُ بدر ذُكرَ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وحمزَةُ وعليٌّ.

وعند ذكر معركة أحد فذاك يوم كله لطلحة.

وإذا ذُكِرت غزوةُ مؤتة ذُكر خالدُ بن الوليد وجعفر وزيد وابنُ رَواحة.

وإذا ذُكِرت القادسية ذُكر سعد بن أبي وقاص.

وإذا ذكر فتح القسطنطينية ذكر محمد الفاتح.

وإذا ذكرت عين جالوت ذكر قطز والعز بن عبد السلام.

وإذا قرأت عن الأندلس برز لك اسم طارق بن زياد.

وإذا ذُكر فتحُ بيت المقدس لاحَ لك اسمُ صلاح الدين الأيوبي في الصدارة. وهكذا دواليك.

وليس في نسبة الفتوح إلى القادة دون أتباعهم إغفالا لدور الأتباع في صناعة النصر، بل لم يكن للقادة إن ينجحوا في مهامهم لولا وجود ثلة من أولئك الأنصار المخلصين، ولكن طبيعة الحال هي إن الفضل ينسب لمن كان له الدورُ الأكبر في التخطيط والتوجيه وتحمُّل المسؤولية، ولنا في عهدنا القريب من فتح الشام المبارك خير شاهد ودليل.

ختاما أقول:

كلُّ من يعتقد إن النهضة والتغيير لا يتأتَّى للأمم إلا في حال صلاح أفرادها قاطبةً أو غالبا فهو واهم، والمثاليةُ التي يرتقبون لن تأتي أبدًا لأنها حالة ذهنية حالمة لم تتحقق في أيِّ واقعٍ عبر التاريخ، وهي أشبه ما تكون بالمدينة الأفلاطونية الفاضلة، والتي لم توجَد مواصفاتها القياسية حتى في خير القرون الصالحة.

وهذا لا يعني إن يتوقَّف الدعاةُ والمصلحون عن وظيفتهم الربانية في هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فتلك مهمة واجبة مقصودة لذاتها، وإن لم يتحقَّق بها ثمَرةٌ عاجلة، فإنَّ نفعَها متعدٍّ وممتَدٌّ إلى عالم الأخرة وموصول بها، وإنَّ من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد!

وغاية ما أردتُ لفتَ النظر إليه هو إن قيام الأمم بالنخبة من ذوي الهمم، فالعزم منعقد لهم، والخير قادم بهم.

والله مظهرٌ دينَه، ومتمٌّ نورَه، ولو كره المجرمون.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق