بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
لأن شهر رمضان ارتبط كثيرًا في تاريخنا بمشاهد عظيمة ووقائع محورية فاصلة، ينبغي علينا إحياؤها لاستعادة شعور العزة والغلبة التي كانت للمسلمين في تلك الأزمان الغابرة، حفظًا لأنفسنا من الذلة وصيانةً لإيماننا إن يضعف أمام النكبات المتتالية على أمتنا، وأمام حالة الضعف والاستضعاف العام التي حلّت بالمسلمين في كل أقطار العالم منذ عقود.
وقائع شهر رمضان كانت محورية في تاريخ الأمة، فأولى تلك الوقائع الخالدة هي غزوة بدر في العام الثاني للهجرة، أو يوم الفرقان كما سماها القرآن الكريم. كانت أول صدام عسكري بين كفار قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم وثلته المؤمنة. ومع فارق العدد والعدة بين الجيشين، هُزمت قريش وولَّت الأدبار، ولو رأيت أكابر المجرمين مجندلين على الأرض غارقين في دمائهم، لرأيت صنع الله في المجرمين، وظهر صدق موعود الله لنبيه وللمؤمنين بنصرهم وإظهار كلمتهم. وكانت مكسبًا عسكريًا ونفسيًا للمسلمين، وطافت أخبارها ديار العرب، وقد فصلها الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال.
ثاني تلك الوقائع الكبرى هو فتح مكة في العام الثامن للهجرة، حين دخل المسلمون مكة فاتحين من كل الجوانب، ولم تقدر قريش على صدّهم، يصدحون بالتكبير، يحطمون الأصنام مردّدين: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا". وأعطى النبي الأمان للناس، ثم أمر بلالًا باعتلاء الكعبة ورفع الأذان: "الله أكبر. الله أكبر". إنه لمشهد مهيب حقًا، صوت الأذان يتردد في أرجاء مكة: الله أكبر. الله أكبر. هذا الذي يؤذِّن هو بلال بن رباح رضي الله عنه، الذي كان بالأمس القريب يُعذَّب في رمضاء مكة ويُسام سوء العذاب. وهؤلاء هم أصحاب رسول الله، صدقهم الله وعده، فهم يحمدونه ويعظمونه، وها هي مكة قد خلت من طغاتها وتطهرت من رجس الأصنام، وتم محو الوثنية منها. فسبحان الله يذل من عصاه. وكان فتح مكة فتح الفتوح، فقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، وتتابعت الوفود إلى المدينة تبايع على الإسلام.
وثالثة تلك الوقائع هي فتح الأندلس – جنة الله في أرضه – عام 92ه على يد القائد الهمام طارق بن زياد في معركة وادي لكة. فخاض أمواج البحار، ووصل الإسلام بذلك إلى أوروبا، وعاش المسلمون في الأندلس قرونًا، أنتجوا فيها العلوم النافعة، وحملوا الحضارة والعلم إلى أوروبا.
ورابعة تلك الوقائع الكبرى هي معركة حطين عام 583ه بقيادة صلاح الدين الأيوبي، التي كسر بها شوكة الصليبيين الغزاة دفاعًا عن المسجد الأقصى ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. أقبل في نصرة الإسلام وأخلص في الجهاد في سبيل الله حين كثر الأمراء الخونة الذين لا تطابق أسماؤهم أفعالهم، ففتح الله على يديه بيت المقدس، وردَّه إلى حظيرة الإسلام بعد احتلال دام قرابة مئة سنة!
وخامسة تلك الوقائع العظام، هي معركة عين جالوت الخالدة عام 658ه بقيادة سيف الدين قطز، حيث هزم التتار الأنجاس الذين عاثوا في الأرض فسادًا، وكسر كبرياءهم، وأذاقهم طعم الهزيمة، فأصبحوا في خبر كان، بعد إن ظنوا أنهم الجيش الذي لا يُهزم. فسبحان قاهر الجبابرة.
والحادثة الأخيرة التي بها أختم هي معركة عمورية عام 223ه وهي أكثر صلة بواقعنا اليوم، فقد كان سببها صرخة استغاثة اطلقتها امرأة مسلمة في قلب الأناضول حين اعتدى عليها عِلج كافر من علوج الروم. وامعتصماه صرخة واحدة وصلت اسماع المعتصم فأجابها من مكانه: لبيك يا أختاه، وحرك جيشا زلزل عرش الروم، وخلدها أبو تمام في قصيدته الشهيرة:
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ
في مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ
وأطرب ما فيها قوله:
إن كانَ بَينَ صُروفِ الدَهرِ مِن رَحِمٍ
مَوصولَةٍ أَو ذِمامٍ غَيرِ مُنقَضِبِ
فَبَينَ أَيّامِكَ اللاتي نُصِرتَ بِها
وَبَينَ أَيّامِ بَدرٍ أَقرَبُ النَسَبِ
فيا لله إن نساء غزة يصرخن منذ أكثر من عام ولكنهن لم يجدن نخوة المعتصم ورحم الله الشاعر عمر أبو ريشة حين قال:
رب وامعتصماه انطلقت
ملء أفواه البنات اليتم
لامست أسماعهم… لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم
وهكذا، فإن رمضان ليس موسم صوم وصلاة فقط، بل هو كذلك موسم صبر وجهاد، وليس موسم كسل ونوم، بل موسم عمل وعطاء. بل إن من مقاصد هذا الشهر الكريم إن تُعَدَّ النفوس لمواطن البذل والصبر، فهو دورة جماعية لتدريب النفس على التحمل، والبذل والإنفاق، ولحكمة الله كانت هذه الوقائع العظيمة في هذا الشهر الفضيل.
نسأل الله العظيم إن يلطف بنا، وأن يردنا إليه ردًا جميلًا.