الأب مفهوم تربوي والوالد مفهوم أحيائي

559
2 دقائق
28 شوال 1447 (16-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

قد يظن البعض إن الأب والوالد كلمتان متشابهتان أو متطابقتان أو مترادفتان في كتابنا العظيم (القرآن) وأنهما ذات الشّيء ولا يوجد فرق بينهما، وأنّهما تُطلقان على ذات الشّخص الذي أنجب الطّفل، وهذا غير صحيح أبدا، فالقرآن فرّق بينهما بشكل جلي، فهناك فرق بين الأب والوالد من ناحية الإشتقاق، فالأب مشتق من الجذر: "أبّ"، والوالد مشتق من الجذر: "وَلْد".

الوالد هو صاحب الحيوان المنوي، والوالدة هي صاحبة البويضة، الوالد والوالدة هم أصحاب ال (DNA) أصحاب الحمض النووي فقط، بينما الأب هو من أبّ لك ومن أجلك، ويُراد به التربية والرعاية والتوجيه والإرشاد، أي: تهيّأ لك وتجهّز وسار من أجلك، لأن الأب هو المُربي، فهو الذي ربّاك وأنفق عليك وعلّمك وتعب من أجلك، قال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين} (الآية رقم 78من سورة الحج).

الله تعالى يُخبرنا إن إبراهيم عليه السلام هو أبونا! ؟ لماذا قال تعالى لنا في هذها الآية الكريمة بأن سيدنا إبراهيم هو أبونا؟ مع أنه ليس صاحب الحيوان المنوي؟ لأنّ سيّدنا إبراهيم عليه السّلام كان له فضلا علينا، بإرشادنا وتعليمنا الدّين الإسلامي، والنسب للأب وللأم الذين إعتنوا بالطفل، أما الوالد فإنه يُذكر ويُراد به التوالد والتناسل وإنفصال الولد عن الوالد وتفرُّعه عنه، فالّلقيط له والدة ووالدة، ولكن ليس له أب وأم.

قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا} (الآية رقم 22 من سورة الإسراء)، القرآن هنا يذكّر الولد بأصله الذي تفرع عنه، ويرشده إلى أهمية التواصل بين الأصل والفرع.

وقد يكون الوالد أب وقد لا يكون، فنحن نقول عن هذا الوالد بأنه (أبّ) عند إرادة معنى التربية والتغذية والعناية والرعاية والإهتمام، كما جاء في سورة يوسف، قال تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (الآية رقم 4 من سورة يوسف)، لأنّ سيدنا يعقوب عليه السلام هو والده البيولوجي وفي نفس الوقت كان أب له، فربّاه وعلّمه وأرشده.

وهذا يدل على إن القرأن العظيم ينتقي ألفاظه وكلماته ويختارها بعناية دقيقة، ولكل كلمة دلالتها الخاصة بها.

قال تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ} (الآية رقم 31 من سورة النور)، لم يقل في هذه الآية الكريمة "لوالديهنّ"، بل قال: "آبائهنّ" لأنّ الأب مفهوم تربوي وإنساني.

في النهاية:

عندما ننظر في واقعنا المرير، فإننا نرى معظم الرجال والنّساء هم مجرد (والدين) وتنتهي مهمة الوالد بمعاشرته للوالدة، وكأنها مجرد مهمة (بيولوجية) جنسية، وبعد ذلك تنجب له ولده، الذي ينتسب للوالد والوالدة برابطة التوالد والنسب فقط، وقليل من الوالدين من هم (آباء) وقليل من الوالدات من هنّ (أمّهات) لعدم قيامهم بواجباتهم نحو أبنائهم، فقد غذّوهم بالطعام والشراب ولم يتم تغذيتهم بالأخلاق والآداب والفضائل والقيم، وهنا أعتذر عن قولي بأنهه لا يوجد فرق بين الولد والبهيمة في هذه الحالة، لذلك إن تكونوا آباء وأمهات هذا شرف كبيرمن الله تعالى، لا يناله الوالدون الذين يكتفون بوظيفتهم البيولوجية.

وحتّى نعلم إن للحيوان والد ووالده، والطفل له والد ووالده، ولكن ليس المهم الإكتفاء بالإنجاب فقط، المهم التربية والمتابعة والإحسان وحسن المعاملة وزرع الأخلاق والقيم والفضائل، وهذا الفضل كلّه ينسب للأب وللأم وليس للوالد والوالدة.

قال تعالى: {وقل ربّي إرحمهما كما ربّياني صغيرا} (الآية رقم 24 من سورة الإسراء)، لم يقل سبحانه: "كما أنجبوني أو خلّفوني"، بل قال: {كما ربّياني}، يا رب إرحمهما لإنّهم ربّوني، فبرّ الأبوين لأنّهم إهتمّوا بتربيتي.

لذلك، الأب هو مفهوم تربوي، بينما الوالد هو مفهوم أحيائي.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق