بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
قال ابن كيسان -وذكَرَ سيبويه وتقديم النحويين إياه-: "وجعلوه الأصل الذي يرجعون إليه. فنظرنا في كتابه فوجدناه مستحقًّا للموضع الذي وضعوه به، ووجدنا ألفاظه تحتاج إلى عبارة وإيضاح، لأنه أُلِّف في زمن كان أهله يَأْلَفون مثل هذه الألفاظ، فجاء به على مذهبهم".
وقال الأخفش الأصغر: "عمِلَ سيبويه كتابه على لغة العرب وخطبها وبلاغتها، فجعل فيه شيئًا مشروحًا، وجعل فيه مشتبهًا، ليكون لِمَن استيقظ ونظر فضْلٌ. وعلى هذا خاطبهم الله -عزَّ وجلَّ- بالقرآن".
وقال القاضي إسماعيل (ت282) وهو يفسِّر عبارة لسيبويه واستشهد لها كلامَ الله تعالى واستعمالَ العرب، ثم قال: "ولا يُستغرب وقوع مثلها في عبارة سيبويه، لأن كلامه من طراز كلام المتقدِّمين الناطقين على سليقة أهل الفصاحة. والاستقراء يُطْلعك على نظائر لها في كتابه".
وزعم رجلٌ إن سيبويه روى بيتًا مكسورًا في كتابه، فقال ابن جني: "فهل يليق بسيبويه إن يكسر شعرًا، وهو من يَنبوع العَروض، وبُحبوحة وزن التفعيل".
ونقول: وهل يليق بسيبويه إن يستسرَّ عُجْمةً وهو عربيٌّ في نشأته ولسانه وفكره وأخذه وتلقِّيه!
وخالف ابن مالك سيبويه في مسألة، وردَّ عليه بما لا يليق بمثله، فقال أبو حيان: "وانظر إلى جسارة هذا الرجل على سيبويه، وهو المُسْتَقْرِي العربيةَ عن العرب مشافهَةً أو عمَّن شافَهَ العربَ!
وابنُ اللَّبُون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ
لم يستطِعْ صَوْلةَ البُزْلِ القَناعِيسِ"
هكذا يَقْدُرُ العارفون بلغة العرب قَدْر سيبويه الإمام، في بيانه ولغته.
ولا غَرْوَ، فإذا كان عُكوف أحدِنا اليوم على الكتب الجامعة للكلام الفصيح والبيان الرفيع يَكْسِبُه من البيان بقدر قراءته له وحفظه إياه، فكيف بمن كان بين العرب يتتبعهم ويسمعهم ويحاورهم، من لدن ولادته، وقد كتب كتابه وللفصحاء بقيَّة!
ومن يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ
يجدْ مُرًّا به الماء الزلالا