بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
من سنن الله الكونية في خلقه: سنة الاصطفاء والاختصاص:
● اصطفى نبينا محمد ﷺ وجعله خير ولد آدم، وأكرم البشر، وأفضل الناس منزلة، وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى، عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ" (1).
وقال ﷺ: "إن اللَّهَ اصطفى مِن ولدِ إبراهيمَ، إسماعيلَ، واصطَفى من ولدِ إسماعيلَ بَني كنانةَ، واصطَفى من بَني كنانةَ قُرَيْشًا، واصطفى من قُرَيْشٍ بَني هاشمٍ، واصطَفاني من بَني هاشمٍ" (2).
● اصطفى مكة خير بقاع الأرض، وجعل فيها أول بيت وضع للناس: ﴿إن أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
● اصطفى الجمعة وجعلها خير أيام الأسبوع.
● اصطفى ساعات الثلث الأخير من الليل فكانت أشرف الساعات.
● اصطفى رمضان من بين شهور السنة، فجعله شهر القرآن والرحمات.
● واصطفى ليلة القدر فكانت خير الليالي في السنة.
كتب سيد قطب عن تلك الليلة: ((تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال. ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى. ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد ﷺ ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعا. العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري)) (3).
إن هذه اليلة الشريفة تحمل في أنفاسها عوالم الأسرار الإيمانية، والحضارية، والتربوية، إنها ليلة ولادة النور الذي بدد ظلمات الشرك والكفر والجهل والاستكبار.
في شأنها وفضلها أنزل الله تعالى قرآنا يتلى، سورة قصيرة ذات الخمس آيات، قوية في أسلوبها، جليلة في معانيها. إنها سورة القرآن العظيم (سورة القدر).
إن ليلة القدر هي ليلة العمر، هدية ربانية لأمة الإسلام كافة، لا ينال قدرها إلا المجتهدين المجدين.
تعالوا نعيش لحظات مع نفحات السورة وتجليات هذه الليلة……
يقول جل في علاه:
﴿إِنَّآ أَنزَلنَٰهُ فِي لَيلَةِ ٱلقَدرِ 1 وَمَآ أَدرَىٰكَ مَا لَيلَةُ ٱلقَدرِ ٢ لَيلَةُ ٱلقَدرِ خَيرٞ مِّن أَلفِ شَهرٖ ٣﴿ تَنَزَّلُ ٱلمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمرٖ٤ سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطلَعِ ٱلفَجرِ٥ ﴾.
ماهي علاقة السورة بالتي قبلها والتي بعدها؟
جاء ترتيبها في المصحف بعد سورة العلق، وقبل سورة البينة، أشار الطاهر بن عاشور: ((ومِن تَسْدِيدِ تَرْتِيبِ المُصْحَفِ إن وُضِعَتْ سُورَةُ القَدْرِ عَقِبَ سُورَةِ العَلَقِ مَعَ أنَّها أقَلُّ عَدَدَ آياتٍ مِن سُورَةِ البَيِّنَةِ وسُورٍ بَعْدَها؛ كَأنَّهُ إماءٌ إلى إن الضَّمِيرَ في أنْزَلْناهُ يَعُودُ إلى القُرْآنِ الَّذِي ابْتُدِئَ نُزُولُهُ بِسُورَةِ العَلَقِ))(4) .
● إن سورة العلق هي سورة الرسالة التي جاء بها محمد ﷺ، رسالة إقرأ بسم ربك الذي خلق، ختمت هذه السورة بقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾
[ العلق: 19]، فخير زمان تسجد فيه وتقترب من الله هو هذه الليلة العظيمة، معلنا الولاء والخضوع له وحده سبحانه.
● ثم تأتي بعدها سورة البينة لتبين: ((بأن القرآن *هذا الكتاب* قيِّم بما تميز به من علوِّ مقداره، وجليل آثاره في الأمم، وأن اتِّباعه يقود إلى الجنة دار الأبرار، وتركه ومخالفته يقود إلى الشقاء. وهذا يدل على جلال وعظيم قدرمن نزَّل هذا التشريع جل وعلا))(5).
في هذه الليلة يجدد المؤمن العهد مع القرآن المهجور، سائلا ربه التوفيق للعمل به، فلا مخرج من الفوضى التي يعيشها إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه فهو دستور الحياة الذي لا يتغير.
ليلة القدر في السنة النبوية:
كان النبي ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان جد واجتهد، وأمر أهله وصحابته بذلك، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ" (6)، وحث النبي ﷺعلى إحيائها بالقيام والدعاء وتلاوة القرآن بإخلاص، واحتساب ذلك كله لله، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ" (7).
الأنس بالآيات:
تناولت السورة الكريمة ثلاثة مواضيع: نزول القرآن العظيم في ليلة عظيمة، فضائل هذه الليلة، نزول جبريل عليه السلام.
أولا: نزول القرآن وتعظيم ليلة القدر
﴿إِنَّآ أَنزَلنَٰهُ فِي لَيلَةِ ٱلقَدرِ ﴾
● أسند الله تعالى إنزال القرآن إليه فهو رب العالمين ذي العظمة والسلطان، العارف بمصالح العباد وما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم، مستخدما ضمير التعظيم المؤكد *إنَّا*.
● عبر عن القرآن بِضَمِيرِ الغائِبِ فقال *أنزلناه* لأنه معلوم معروف لدى السامع والمخاطب، في تفسير روح المعاني للألوسي: ((وفي التعبيرعنه بضمير الغائبِ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ أيُّ تَعْظِيمٍ؛ لِما أنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ كَأنَّهُ حاضِرٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ فَهو في قُوَّةِ المَذْكُورِ))(8).
● عبر عن ليلة القدر بالاسم الظاهر بيانا لزيادة قدرها، وقد تكرر لفظ ليلة القدر ثلاث مرات لتعظيم شأنها وتفخيم أمرها، والاعتناء بفضلها وشرفها.
● أنزله الله جل في علاه من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى بيت العزة إلى الكرام البررة، ثم كان جبريل عليه السلام ينزله متفرقا على قلبه ﷺ حسب الأحداث والمناسبات خلال ثلاث وعشرين عاما.
هذا الكتاب المعلوم المعروف، أُنزله سبحانه وتعالى لهداية الناس على قلب رسول الله ﷺ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ١٩٢ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ١٩٣ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ١٩٤﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٤]، هو روح القلوب وحياتها، نزل على القلب وهو أشرف الأعضاء، فالتعامل معه يبدأ بالقلب، و الانتفاع الحقيقي لا يكون إلا بحضور القلب عند تلاوته وسماعه، و القلب يجب إن يكون سليما مخموما خال من الأورام الخبيثة القاتلة، ليستقبل آيات الكتاب العظيم وهداياته، وتتغذى بها الروح العطشى، ثم يمتد ذلك الغذاء إلى سائر الجوارح فتزداد قوة وفاعلية ودافعية.
ما هو حالك مع القرآن؟ هل للقرآن سلطان على قلبك؟ هل تستشعر منة الله عليك عند قراءته؟ هل للقرآن أثر في حياتك؟
تساؤلات كثيرة تطرح، بل نجعلها أولى الأولويات في حياتنا.
يجب إن يكون حالنا معه حال تعظيم، نتصالح معه، نتدبر معانيه، نغوص في مكنوناته، ونكتشف أسراره، نستلهم منه الهداية والرشاد، إنه الوحيد القادر بمنهجه معالجة أزماتنا الفكرية والحضارية، وكل مشكلات الوجود الإنساني.
لماذا خص الله تعالى الليل؟
الليل محراب المؤمن، مدرسة يتربى فيها على مواجهة الأحداث الجسام، في جنح الليل حيث تهدأ الحياة وحركتها، ويسكن الصخب، تتجافى جنوب المؤمنين عن مضاجعهم، يأوون إلى مولاهم، يدعونه خوفا وطمعا، يبكون، ويناجون ربهم، إنها لحظات الأنس بالله…
لحظات الليل أشد وطئا على قلوب المحبين: ﴿إن ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]، وفي ساعاته الأخيرة الشريفة يتجلى الرب لعباده الصادقين يناديهم يتودد إليهم: "من يدعوني فأستجيبُ له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرُني فأغفرُ له" (9).
إن قيام الليل دأب الصالحين، في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث بلال رضي الله عنه إن النبي ﷺ قال: "عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد" (10).
ذكر الشنقيطي في تفسيره: ((كَوْنُ إنْزالِ القُرْآنِ هُنا في اللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ، مُشْعِرٌ بِفَضْلِ اخْتِصاصِ اللَّيْلِ، وَهَذا يَدُلُّ عَلى إن اللَّيْلَ أخَصُّ بِالنَّفَحاتِ الإلَهِيَّةِ، وبِتَجَلِّياتِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ، وذَلِكَ لِخُلُوِّ القَلْبِ وانْقِطاعِ الشَّواغِلِ وسُكُونِ اللَّيْلِ، ورَهْبَتُهُ أقْوى عَلى اسْتِحْضارِ القَلْبِ وصَفائِهِ)) (11).
في تسميتها بليلة القدر:
ذكر العلماء في تسميتها بليلة القدر أمور:
● للطاعات فيها قدر زائد وشرف زائد، ومن أتى بالطاعات فيها صار ذا قدر وشرف، ((أيِ اللَّيْلَةِ الَّتِي لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ وشَرَفٌ كَبِيرٌ، والأعْمالُ فِيها ذاتُ قَدْرٍ وشَرَفٍ))(12) .
● نزل فيها كتاب ذو قدر، على لسان ملك ذي قدر، على نبي ذي قدر، على أمة ذات قدر، وجعلها مبدأ الوحي إلى النبي ﷺ.
● من معاني القدْرالتضييق، لذلك سميت ليلة القدر بليلة الضِّيقِ، فَإن الأرْضَ تَضِيقُ فيها رغم رحابتها وسعتها، لكثرة نزول المَلائِكَةِ، ومنه قوله تعالى: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:7]، أيْ ضُيِّقَ، والملائكة ينزلون بالبركة والخير و العفو والمغفرة على العباد المؤمنين.
● هي ليلة تقدير الأحكام: من معاني القدْر التقدير ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [ الطلاق: ٧].
فهي لَيْلَةُ تَقْدِيرِ الأُمُورِ والأحْكامِ، قالَ عَطاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إن اللَّهَ قَدَّرَ ما يَكُونُ في كُلِّ تِلْكَ السَّنَةِ مِن مَطَرٍ ورِزْقٍ وإحْياءٍ وإماتَةٍ إلى مِثْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ السَّنَةِ الآتِيَةِ لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
وقفة…
إن أعظم قدر يبلغه العبد هو معرفة قدر ربه الذي خلقه وأكرمه بليلة ذات قدر، وأرسل نفحات ربانية يتعرض لها فترفع شأنه، يعرف قدر ربه بالتأمل في آيات القرآن الكريم، والنظر في الكتاب المقروء، والتفكر في خلق الكون الواسع، والتأمل في قدرته ولطفه، ودراسة هذا الكون البديع الصنع.
وهذا ما نفتقده في حياتنا
كيف يغير القرآن أقدارنا؟
● لقد أحدث القرآن هزة كبيرة في نفوس الجيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم، لما خالطت أنواره شغاف القلوب… صنع منهم جيلا شامخا، وغير حالهم ورفع شأنهم من دركات الجاهلية إلى نور الحق والعدل والإحسان، ثم انطلق ذلك الجيل بكلمة اقرأ باسم ربك المدوية إلى كل أصقاع الدنيا. جيلا كانت روح القرآن هي القوة المحركة لعمارة الدنيا، وتشييد صروحها في كل ميادين الحياة.
● وحتى يغير القرآن من أقدارنا لابد من تفعيل أحكامه وعدم تعطيلها، وإحسان التعامل مع توجيهاته، والاعتصام به، وتنزيله إلى واقعنا المعاش فقد كان النبي ﷺ قرآنا يمشي فوق الأرض، وليس القصد تغيير ما لا إرادة لنا فيه، ولكن تغيير ما نملك فيه حرية الاختيار.
● والتغيير الحقيقي لايتأتى إلا بالعودة إلى هذا المنبع الصافي لننهل منه، و كلما صدَقنا الله وفقنا وتغيرت أحوالنا، ومكَّننا، وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء…
2: ليلة يُصعب إدراك قدرها:
من عظمة ليلة القدر ما لا يحيط بها الإدراك البشري.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾.
استعمال أسلوب التفخيم والتعظيم في قوله سبحانه: وما أدراك، يعني ما أعلمك بقدرها وعظمتها، إنه لا يمكن إدراك شرفها وعظمتها وفضلها، فالعلم بها خارج علم الإنسان، إنها ليلة الرجاء والتودد إلى الله رب العالمين، ليلة التجليات والعطاءات، ليلة إشراق نور القرآن على الوجود.
جاء في نظم الدرر للبقاعي: *ولأن ميل الإنسان للكسل يجعله يزهد في الطاعات عظمها الله تعالى وقال: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ وأنْتَ شَدِيدُ التَّفَحُّصِ ﴿ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ أيْ لَمْ تَبْلُغْ دِرايَتُكَ وأنْتَ أعْلَمُ النّاسِ غايَةَ فَضْلِها ومُنْتَهى عَلَيَّ قَدْرِها عَلى ما لَكَ مِن سِعَةِالعِلْمِ وإحاطَةِ الفِكْرِ وعَظِيمِ المَواهِبِ* (13).
الفرق بين ما أدراك وما يدريك:
ما أدراك تستعمل في مواضع التفخيم والتعظيم والتهويل والتشويق مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ وبعد هذا السؤال الاستفهامي يجيب سبحانه وتعالى عليه ببيان تفصيلي للفت الانتباه لعظمة الأمر: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [سورة البلد: ٨]، وقد ورد في مواضع أخرى من كتاب الله الفعل على صيغة المضارع *ما يدريك*.
رُوى عن ابن عباس رضي الله عنهما: كل شيء من القرآن من قوله: *﴿وما أدراك﴾ فقد أدراه -أي: للنبي ﷺ، وكل شيء من قوله: وما يدريك فقد طُويَ عنه*. (14).
في مفردات القرآن للراغب: ((كل موضع ذُكر في القرآن ﴿وما أدراك﴾ فقد عقَّب ببيانه، نحو ﴿وما أدراك ما هيه * نار حامية﴾ (القارعة: 10-11)، ﴿وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ (القدر: 2-3)، ﴿ثم ما أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا﴾ (الانفطار: 18-19)، ﴿وما أدراك ما الحاقة * كذبت ثمود وعاد بالقارعة﴾ (الحاقة: 3-4). وكل موضع ذكر فيه: ﴿وما يدريك﴾ لم يعقبه بذلك، نحو: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ (عبس: 3)، ﴿وما يدريك لعل الساعة قريب﴾ الشورى: 17)) (15).
وقفة مضيئة…
المؤمن وهو يقرأ القرآن يستمتع بجمال اللغة العربية المباركة العريقة، وسحر بيانها، وإعجازها، يتعلمها ويفقه أسرارها، ويعلمها أبناءه: *فالعربية هي لغة الإسلام، ولغة القرآن، ولا يتأتى فهم الكتاب والسنة فهمًا صحيحًا سليمًا إلا بها، فهي من مستلزمات الإسلام وضرورياته، وإهمالها والتساهل بها لا بد إن يضعف من فهم الدين، ويساعد على الجهل به* (16).
واللغة العربية *أفصح اللغات، وأجلاها، وأحلاها، وأعلاها، وأبينها، وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل الله أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، و ابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان * (17).
ثانيا: فضائل ليلة القدر:
1- خيريتها وبركتها.
ليلة العمل الصالح فيها خير من العمل في ألف شهر
قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾
قال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره: سمعت من أثق به يقول: «إن رسول الله ﷺ أُري أعمار الأمم قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر؛ فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر». (18)
قال الشيخ الطاهر بن عاشور:
((وتَفْضِيلُها بِالخَيْرِ عَلى ألْفِ شَهْرٍ، إنَّما هو بِتَضْعِيفِ فَضْلِ ما يَحْصُلُ فِيها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ واسْتِجابَةِ الدُّعاءِ ووَفْرَةِ ثَوابِ الصَّدَقاتِ والبَرَكَةِ لِلْأُمَّةِ فِيها؛ لِأنَّ تَفاضُلَ الأيّامِ لا يَكُونُ بِمَقادِيرِ أزْمِنَتِها ولا بِما يَحْدُثُ فِيها مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ، أوْ مَطَرٍ، ولا بِطُولِها أوْ بِقِصَرِها؛ فَإنَّ تِلْكَ الأحْوالَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى؛ ولَكِنَّ اللَّهَ يَعْبَأُ بِما يَحْصُلُ مِنَ الصَّلاحِ لِلنّاسِ أفْرادًا وجَماعاتٍ وما يُعِينُ عَلى الحَقِّ والخَيْرِ ونَشْرِ الدِّينِ. وقَدْ قالَ في فَضْلِ النّاسِ: إن أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم فَكَذَلِكَ فَضْلُ الأزْمانِ إنَّما يُقاسُ بِما يَحْصُلُ فِيها؛ لِأنَّها ظُرُوفٌ لِلْأعْمالِ ولَيْسَتْ لَها صِفاتٌ ذاتِيَّةٌ يُمْكِنُ إن تَتَفاضَلَ بِها كَتَفاضُلِ النّاسِ، فَفَضْلُها بِما أعَدَّهُ اللَّهُ لَها مِنَ التَّفْضِيلِ كَتَفْضِيلِ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ لِلْقُرُباتِ، وعَدَدُ الألْفِ يَظْهَرُ أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في وفْرَةِ التَّكْثِيرِ كَقَوْلِهِ: (واجِدٌ كَألْفٍ) وعَلَيْهِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ البقرة: ٩٦)) (19).
● ● إنها فرصة العمر يستغلها المؤمن، فهي بمثابة صفقة تجارية رابحة يعقدها مع الله، ولا يشغل نفسه بهذا العدد وتفاصيل الحساب لكن يشغلها بما هو أسمى، وهو تحري هذه الليلة، والتماسها بكثرة الطاعات، وكثرة السجود، و تلاوة القرآن وتدبره وكثرة الدعاء والتوسل إلى الله.
نطرح سؤالا لماذا استعمل مصطلح خير ولم يستعمل أفضل أو أعظم أو أكثر؟
لابد من توضيح مدلول هذه المصطلحات
أفضل: اسم تفضيل من *الفضل*، وتستخدم للمفاضلة بين شيئين في الدرجة أو المكانة، كقوله ﷺ: "أي الأعمال أفضل؟".
أعظم: اسم تفضيل من *العِظم*، وتشير إلى الكبر في الحجم، أو الشدة في القدر والمكانة، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ [التوبة: ٢٠]، وفي الحديث: "يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الصَّدَقةِ أعظَمُ أجرًا؟".
أكثر: اسم تفضيل من *الكثرة*، وتختص بالزيادة في العدد أو الكمية المادية، مثل *أكثر مالًا* أو *أكثر عددًا*، مثل قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [يوسف: ٢٣].
إن الخيرية هي صفة مطلقة ثابتة لا تتغير ملازمة للموصوف بها، كقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة﴾ فهي تشير إلى الكمال الأخلاقي، وإن الخيرية هي الغاية والهدف.
● أي إن ليلة القدر هي ليلة الخيرية والبركة التي لا تضاهيها ليلة أخرى في القدر والرفعة والمقام والفضل: ((ولكن ليلة القدر لا يشابهها بفضلها ورفعتها ومقامها ومنزلتها عند الله ليلة أخرى، فناسب إن توصف بالخيرية وليس بغيرها من المصطلحات السابقة، فليس لهذه الليلة حدٌّ ولا سقف تحد به، فهي ميدان ومضمار واسع لا يعلم حدوده إلا الله، فناسب إن تقترن بها الخيرية دون غيرها)) (20).
● كما بين الإمام عبد الحميد بن باديس معنى الخيرية من خلال تعليقه على الأثر الذي رواه الصحابي الجليل أنس رضي الله عنه: *العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر*.
قال الشيخ عبد الحميد بن باديس: ((بيَّن هذا الأثر إن خيرية ليلة القدر راجعة إلى تفضيل الطاعة فيها والعمل الصالح على غيرها من الليالي والأيام. وهذا يفيد إن المسلم الذي يتطلب ليلة القدر إنما يتطلبها ليعمل صالحا ويجد ُّفي العبادة، فالمؤمن إنما يطلبها للدين لا للدنيا، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه إن رسول الله ﷺ قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه")) (21).
2- ليلة القدر ليلة مباركة
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان: ٤].
ما هي البركة؟
● البركة: هي النماء أي ثبوت الخير ودوامه، أو كثرة الخير وزيادته، أو هما معا.
● والبركة جند من جنود الله الخفية التي يرسلها لمن يشاء من عباده، وهي لا تخضع لموازين العقل البشري، بحيث لا يعلمها إلا الله سبحانه في علاه، والبركة
والخيرية متلازمتين في هذه الليلة.
● وبركتها ممتدة ومستمرة طول العمر وبعده، إنها ليلة واحدة فاقت في الخيرية ألف شهر كاملة.
والعبرة ليست بطول الأعمار، ولكن ببركتها وحسن الأعمال فيها…
يمد الله البركة في الصحة، في الأموال، في الأوقات، في الذرية، وفي كل النعم الخفية والظاهرة التي يرزقنا الله بها….
وبركة هذه الليلة من بركة القرآن الكريم، فهو كتاب مبارك ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، كتاب وفير الخيرات والبركات أنزله الله لغاية كبرى هي تفعيله في الحياة والاستهداء به، ما أنزله تعالى للتبرك يوضع فوق رفوف ((إن هذا الكتاب يمنحُ مَنْ نظر فيه وتدبره خزائن بغير حساب ويفتح الله عليه من ألطافه ما يَجِلُّ عن الوصف فلا تُضيِّع هذه الصفقة الرابحة وإلا فأنت والله مغبون)) (22).
أنزله تعالى في شهر مبارك، في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال ﷺ: "قد جاءَكم رَمَضانُ، شَهْرٌ مُبارَكٌ، افتَرَضَ اللهُ عليكم صِيامَه، تُفْتَحُ فيه أَبْوابُ الجنةِ، وتُغلقُ فيه أبوابُ الجحيمِ، وتُغَلُّ فيه الشَّياطينُ، فيه ليلَةٌ خَيْرٌ مِن أَلْفِ شَهرٍ، مَن حُرِمَ خَيْرَها فقد حُرِم"، وبركة هذا الشهر لا تخفى على أحد منا.
وقفات للتأمل…
● ليلة القدر هي من نَفحات الدَّهر التي يتفضَّل الله تعالى بها على عِباده، فيغدق عليهم من فضله ورحمتِه وبركته أضعافًا مُضاعفة لذا يشمِّر لها المشمِّرون، وينتظرها العارفون، ويتضرع فيها المسرفون على أنفسهم لربهم وكلهم أمل ووجل ورجاء إن يصلح حالهم، ويغفر ذنوبهم.
إنها الليلة الحاملة لدستور السماء، في تفسير المراغي:
*وأيّ شرف أرفع من شرف ليلة سطع فيها بدر المعارف الإلهية على قلب رسول الله ﷺ رحمة بعباده، يبشرهم وينذرهم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ويجعل منهم أمة تحرر الناس من استعباد القياصرة، وجبروت الأكاسرة، ويجمعهم بعد الفرقة، ويلم شعثهم بعد الشتات، فحق على المسلمين إن يتخذوا هذه الليلة عيدا لهم، إذ فيها بدأ نزول ذلك الدستور السماوي الذي وجه المسلمين تلك الوجهة الصالحة النافعة، ويجددوا العهد أمام ربهم بحياطته بأنفسهم وأموالهم، شكرا له على نعمه، ورجاء مثوبته* (23).
ثالثا: من فضائلها تنزل الملائكة الكرام ومعهم أمين السماء جبريل عليه السلام.
قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي كَبْكَبَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يُصَلُّونَ وَيُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ تعالى" (24).
وروى أحمد وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه: "… إن الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى"(25).
قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، ولم يقل تتنزل، لتفيد إن نزول الملائكة كان في هذه الليلة فقط من السنة لعظمها ومكانتها عند الله، ولا يتكرر في أي ليلة أخرى.
ينزلون فيها أفواجا إلى الأرض وجبريل عليه السلام على رأسهم، وهذا كرم عظيم خص به هذه الأمة المباركة.
يشهدون قيام القائمين، وركوعهم وسجودهم، يسمعون دعاءهم، يسلمون عليهم ويصافحونهم، وهذا كله من فضل الله العظيم الذي لا يمكن تقديره.
● وهذه الملائكة تتنزل بإذن ربهم:
قال الطاهر بن عاشور: ((ومَعْنى بِإذْنِ رَبِّهِمْ إن هَذا التَّنْزِيلَ كَرامَةٌ أكْرَمَ اللَّهُ بِها المُسْلِمِينَ بِأنْ أنْزَلَ لَهم في تِلْكَ اللَّيْلَةِ جَماعاتٍ مِن مَلائِكَتِهِ وفِيهِمْ أشْرَفُهم، وكانَ نُزُولُ جِبْرِيلَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِيَعُودَ عَلَيْها مِنَ الفَضْلِ مِثْلَ الَّذِي حَصَلَ في مُماثَلَتِها الأُولى لَيْلَةَ نُزُولِهِ بِالوَحْيِ في غارِ حِراءٍ)) (26).
وفي تفسير الرازي: *وقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوا أوَّلًا فَأُذِنُوا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ المَحَبَّةِ، لِأنَّهم كانُوا يَرْغَبُونَ إلَيْنا ويَتَمَنَّوْنَ لِقاءَنا. لَكِنْ كانُوا يَنْتَظِرُونَ الإذْنَ* (27).
ومن فضائلها أنها ليلة سلام: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾
ليلة القدر هي ليلةُ ذات سلامة، ليلة السَّلام والأمان، ليلة السَّلامة والنفع والخير، السلامة من كل شر، إذ هي كلها خيروسلام من غروب الشمس إلى طلوع فجرها.
وقفات مع السلام:
● السلام اسم من اسماء الله الحسنى ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وفي الحديث: "كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ، إذَا انْصَرَفَ مِن صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ" أخرجه مسلم.
● النبي ﷺ هو رسول الرحمة والسلام للبشرية، جسد قيمة السلام في حياته.، وسيرته العطرة تزخر بالمواقف والعبر…
● الجنة هي دار السلام وتحية أهلها السلام: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ إن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يونس: 10، والله يدعو عباده إليها: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إلىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إلىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، وفي الجنة لا إثم ولا لغو: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة].
● ولفظ الإسلام، مشتق من السلام ﴿إن الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والسلام من قيمه الكبرى، *فهو الأمن الذي تطمئن إليه النفوس وتنشر فيه الهمم، ويسكن إليه البرىء، ويأنس إليه الضعيف*.
● تحية الإسلام السلام، ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً﴾ [النور: ٦١]
● وصف الله تعالى عباده بأن خُلقهم التواضع واللين للناس، وقولهم السلام: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
● وإفشاء السلام سبب للتحابب بين أفراد المجتمع الواحد، في الحديث: "لا تدخلوا الجنةِ حتى تؤمِنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، ألا أدلُّكم على ما تحابُّون به؟ قالوا: بلى، يا رسولَ اللهِ، قال: أَفشوا السلامَ بينَكم" أخرجه مسلم.
● وشريعة الإسلام جاءت بالسلام قال تعالى: ﴿قَد جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورࣱ وَكِتَٰبࣱ مُّبِینࣱ ١٥ یَهدِی بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضوَ ٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ ١٦﴾ [المائدة: ١٥-١٦]، قال سيد قطب في هده الآية: ((ما أدق هذا التعبير وأصدقه؛ إنه *السلام* هو ما يسكبه هذا الدين في الحياة كلها… سلام الفرد. وسلام الجماعة. وسلام العالم… سلام الضمير، وسلام العقل، وسلام الجوارح… سلام البيت والأسرة، وسلام المجتمع والأمة، وسلام البشر والإنسانية… السلام مع الحياة. والسلام مع الكون. والسلام مع الله رب الكون والحياة… السلام الذي لا تجده البشرية - ولم تجده يوما - إلا في هذا الدين؛ وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته)) (28)، أي إن شعار المؤمن في حياته كلها هو السلام.
لماذا خصصت ليلة القدر بسؤال العفو؟
سألت التلميذة النجيبة اليقظة عائشة رضي الله عنها، تلميذة مدرسة النبوة، الحريصة على التعلم، حبيبها المصطفى ﷺ سؤال يثير الشعور ويسترعي الانتباه، فعَنْها رضي الله عنها قَالَتْ: قلت: "يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إن وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُولِي: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي" (29).
ما هو العَفْوُ؟ من هو العَفُوُّ؟
العَفْوُ: أصل العفوُ المحو والطمس: مأخوذ من عفت الرياح الآثار إذا أخفتها ومسحتها، وهو التجاوز وترك الانتقام، والعَفْو من صفات الله.
العَفُوُّ: اسم من اسماء الله الحسنى، وهو من صفات الجمال والرحمة، معناه: المزيل لآثار الذنوب بالكلية، فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين، ولا يطالب بها يوم القيامة، وينسيها من قلوب المذنبين كيلا يخجلوا عند تذكرها، ويثبت مكان كل سيئة حسنة، وقيل غير ذلك، ويدل على سعة صفحه عن ذنوب عباده مهما كان شأنها إذا تابوا وأنابوا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥].
وحيث أنه من آداب الدعاء البدأ بالثناء على الله بأسمائه وصفاته، ففي تقديم التوسل باسم جميل للَّه تعالى قبل سؤاله له أهميّة جليلة في إعطاء المرجوّ منه تعالى، فقد سَمِعَ رسولُ الله ﷺ رجلًا يَدْعُو في صلاته لم يُمجِّدِ الله ولم يُصَل على النبيَّ، فقال ﷺ: "عَجِلَ هذا، ثم دعاه، فقال له أو لغيره: إذا صَلَّى أحَدُكُم فليَبْدأ بتَمْجيدِ رَبَّه والثَّناءِ عليه، ثم يُصَلَّي على النبيِّ، ثم يدعو بعدُ بما شاءَ". (30).
لماذا العفو؟
أبان الحافظ ابن رجب عن هذه الحكمة بقوله: *وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا، فيرجعون إلى سؤال العفو، كحال المذنب المقصر* (31).
والمؤمن في سؤاله الله العفو يجب إن يكون عالي الهمة، ولا يقتصر على الدعاء فحسب بل يسابق إلى أعمال البر، ولا يتكل على الدعاء: ((فالمؤمن العالي الهمة يجتهد في نيل مطلوبه ويبذل وسعه في الوصول إلى رضى محبوبه، فأما خسيس الهمة فاجتهاده في متابعة هواه، ويتكل على مجرد العفو فيفوته إن حصل له العفو منازل السابقين المقربين قال بعض السلف: هب إن المسيء عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين)) (32).
والعبد في هذه الليلة في حالة حركة دؤوب، بين ركوع وسجود وقيام وقعود وذكروتلاوة، في تجانس بين حركات جسد ه وأوامر قلبه الإيمانية "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". وفي حالته تلك بين الخوف والرجاء، ملقيا حاجته، معلنا فقره وذله لله العَفُّو الكريم.
حظ المؤمن من اسم العفو:
● إن الأخذ بالعَفْوَقاعدة قرآنية جليلة أمرنا الله تعالى بها قال جل في علاه:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
● نعفو عن كلّ من ظلمنا والاحسان إليهم، فربنا سبحانه يعفو عن العصاة في الدنيا بل والكفرة ولا يعاجلهم بالعقوبة.
● والعفوُ عن الناس ليس ضعفا ولا هوانا، فكلما عفا العبد عن أخيه ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا، وسكينة، وكلما عفا كسب من عفا عنه. قال: ((ابن كثير في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [ فصلت: ٣٤] أي: إذا أحسنتَ إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك، والحنوّ عليك، حتى يصير كأنه وليّ لك، قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك)) (33).
● جعل الله أجر العافي على الناس عليه سبحانه، وفي ذلك حض وتهييج للعبد على العفو، وأن يعامل الخلق بما يحب إن يعامله الله به، فكما يحب إن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب إن يسامحه الله، فليسامحهم، فإنَّ الجزاء من جنس العمل، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" أخرجه مسلم.
● وعَدَ الله تعالى العافين بالأجر العظيم، والثواب الكبير فقال سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾. وقال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ]آل عمران: ١٣٤ ].
في سبب إخفائها:
أخفاها الله كما أخفى ساعة الجمعة، وكما أخفى اسمه الأعظم، وكما أخفى أشياء كثيرة لحكمة يعلمها، وإن إخفائها يورث شوقا لها، وحرصا في طلبها، فلا يتكاسل المؤمن بل يبقى في حالة استنفار روحي وانتباه شديدين، ويقظة تامة وهمة، وإقبال بقلبه على الله. أخْفَاها تعالى حَتّى يَجْتَهِدَ المجتهدون في طلبِها، فَيَكْتَسِبون ثَواب اجتهادهم.
وفي إخفائها رحمة للعصاة والمذنبين وسترا لهم، إذ لو عصوا فيها لكان عقاب ذنبهم أعظم لمقامها وقدر زمانها.
ولا شك إن في إخفائها خير، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسم بذلك، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه إن رَسولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: "إنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بلَيْلَةِ القَدْرِ، وإنَّه تَلَاحَى فُلَانٌ وفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وعَسَى إن يَكونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا في السَّبْعِ والتِّسْعِ والخَمْسِ" صحيح البخاري.
في الحديث لفتة مهمة وهي إن التخاصَم، والملاحاة أدواء تصيب الأفراد فيحرمون الخير الكثير، “وأنها سَببُ العُقوبةِ للعامَّةِ بذَنْبِ الخاصَّة “، وقوله: "(فتلاحى فلان وفلان فرفعت) فيه استئناس لما يقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع، وكما جاء في الحديث: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" (35).
وقفات للتأمل.
على أفراد الأمة ترك الخلافات الدنيوية، وإثارة التنازع بينهم، ونبذ الفرقة والتشرذم بين الإخوة في الدين، والسعي لتآلف القلوب، والابتعاد على كل ما من شأنه إن ينسيهم أمور دينهم، أويجعلهم يغفلون عن القضايا الكبرى للأمة، فالوقت الراهن يستدعي الوحدة والقوة، لا الفرقة والخلاف، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا ۚ إن اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ]الأنفال [٤٦ .
الخلاصة:
⮚ ليلة القدر هي ليلة اتصال السماء بالأرض ليلة، ليلة نزول أشرف كتاب، بواسطة أشرف ملك، على أشرف نبي إلى أشرف أمة.
⮚ ليلة القدر هي ليلة الخيرية والبركة والسلام، خص بها أمة الإسلام، أمة الخيرية والبركة.
⮚ لابد من قراءة جديدة لهذه الليلة العظيمة، هذه النفحة الربانية الجليلة التي نزل فيها القرآن الكريم، وجَعْلها تمتد من الجانب التعبدي الفردي إلى البعد الحضاري الشامل.
⮚ ليلة القدر جاءت لحل الأزمات الانسانية التي تعاني ويلات الحروب والفقر والخوف بنشر السلام الحقيقي الذي أراده الله للانسانية، هي خريطة طريق نحو السلام.
⮚ ليلة القدر في الواقع نداء السماء المتجدد لأهل الأرض الغارقين في بحر الغفلة، المتخبطين في وحل الظلمات المتنوعة لتصوغ حياتهم من جديد بالإيمان، فهي مشروع حياة لمن أراد تدبر معانيها.
⮚ ليلة القدر هي ليلة لبناء الإنسان الرباني الرسالي، لا انسان رمضاني فقط، واستنهاض الفكر وتوجيه الطاقات نحو مستقبل أكثر أمنا ووعيا وعدالة.
⮚ قوله ﷺ: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، ميلاد إنسان جديد يستقبل الحياة غير مثقل بالأوزار والسلبيات، حتى يستطيع مواصلة مشواره الطويل، والقيام بعمارة الأرض بالكد والجد، وأداء وظيفة الاستخلاف التي كلف بها.
⮚ يعلمنا القرآن إن طريق الإيمان والرسالة هي طريق سامقة لابد لسالكها من همة عالية، ونفَس طويل، وصبر جميل، وإلى شد العزائم، ولو تدبرنا آياته لَفُتحت أقفال القلوب، ولاَن ما كان عصيًّا منها، وَلأنارت مُهج طال عليها الأمد فقست، وأزهرت قفار ما عرفت لماء السماء سبيل، وإن اتخاذه منهج للحياة يثمر حضارة رفيعة تسعد الأمة وتسعد البشرية كلها.
⮚ إنها فرصة منحها الله تعالى لنا لنستغلها ونضع برنامجا لحياتنا القادمة، وعقد العزم على التغيير والعروج بالنفس في مدارج الكمال، وإذا توفرت النية الصادقة في التغيير فإن الله يوفقنا ويهدينا ويزيدنا هدى.
⮚ على كل مسلم قامها إيمانا واحتسابا إن يجعلها نقطة انطلاق نحو الأفضل، لا نقطة عابرة، نقطة تحول لتحقيق العبودية الحقة لله فوق الأرض.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين
المراجع:
1- صحيح مسلم: رقم (4223)، 487/8.
2-الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم، 583/5، رقم: 3605.
3- سيد قطب، في ظلال القرآن، 3/1210.
4- التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور 31/457.
5- مصطفى مسلم، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، ط1، 1431ه -2010م، المجلد 10، ص: 259.
6-صحيح ابخاري رقم: (2024).
7- البخاري (35)، ومسلم (760).
8- الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، 30/189.
9- صحيح البخاري (1145).
10- تاريخ دمشق، ابن عساكررقم: (8793)، 182/67.
11- محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 38/9.
12- برهان الدين البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، 22/173.
13- نظم الدرر المرجع نفسه 173/22.
14- القرطبي الجامع لأحكام القرآن 213/19.
15- الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص: 398.
16- اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، 61/1.
17-تفسير القرآن العظيم، ابن كثير الدمشقي، 365/4.
17-الموطأ، مالك بن أنس، اعتناء عادل خضر، ط1، 1425ه-2004م، مؤسسة المعرف، كتاب الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر، ص: 169.
18- التحرير والتنوير مرجع سابق، 458/31.
19-التفسير الكبير-مفاتيح الغيب-، فخر الدين الرازي، 33/32.
20- ليْلَةُ الْقَدْرِ: تساؤلاتٌ مطروحةٌ للنقاشِ، أ. د. فهمي أحمد عبدالرحمن القزاز فهمي أحمد عبد الرحمن الفزاز، شبكة الألوكة.
21-آثار الشيخ بن باديس 2/328.
22- التحرير والتنوير، مرجع سابق 31/458.
23- فاضل السامرائي، أسرار البيان في التعبير القرآني، ص: 20.
24-تفسير المراغي، أحمد بن مصطفى المراغي، 206/30.
25- تفسير القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، مجلد 20، ص: 91.
26- مسند الإمام أحمد، طبعة الرسالة، 427/16، رقم: (10734).
27- التحرير والتنوير، مرجع سابق 459/31.
28- الترمذي (3515)، وابن ماجه (3850).
29 -مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، 232/32.
30- في ظلال القرآن مرجع سابق، ص: 862/2.
31- سنن الترمذي (3477) وأحمد (23937) وأبو داود (1481).
32- ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص: 206.
33- لطائف المعارف، المرجع نفسه، ص: 245.
34- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير الدمشقي، 180/ 2.
35-التفسير الكبير-مفاتيح الغيب -، مرجع سابق 233/2.
36- تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق 181/2.