بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
إن من النعم التي اسبغها الله على بعض الشعوب توافر الأمن والأمان ورغد العيش بحيث لا يبذل الإنسان مزيد جهد للحصول على قوت يومه مقارنة بغيره في الدول الأخرى، فلا يشكل ذلك عنده هاجس كبير ويستحوذ على جل تفكيره، يخرج من عمله إلى المنزل ويعود بعد ذلك يتناول طعام الغداء، ثم ينام إلى قبيل المغرب ثم يخرج ليروّح عن نفسه إما الذهاب إلى الاستراحة أو الشاليه! حسب مكان إقامته ويمكث بها حتى آخر الليل، ويصحو متأخرًا بسبب ذلك ويذهب للعمل مرهقًا لا يستطيع إنجاز الأعمال المطلوبة فضلا عن الإبداع والتطوير، وهذا ديدنه طوال أيام العمل وفي آخر الأسبوع يغير الوجهة لمكان ترفيه آخر، وفي الإجازات يحاول جاهدًا السفر خارج مدينته أو دولته حتى وصل في اعتقاد بعض الناس إن السفر ضرورة اجتماعية وليس وسيله للترويح عن النفس ثم يمضي جل العمر دون فائدة على نفسه أو أثر إيجابي في مجتمعه أضاع الوقت بقضائه في أنواع الملذات ووسائل الترفيه.
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ *** إن الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها *** فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني
فإضاعة الوقت أشدُّ من الموت: قال العلامة ابن القيم رحمه الله: إضاعةُ الوقت أشدُّ من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.
لذا تُعد مشكلة عدم الاهتمام بالوقت، أو ما يُعرف أحيانًا ب "العمى الزمني"(Time Blindness)، ظاهرة نفسية تكلم عنها علماء النفس وبينوا أسبابها والتي منها: غياب الحافز فعندما لا يشعر الفرد بارتباط عاطفي أو وجودي بما يفعله ويخبو الشغف عنده، فإن الوقت يفقد قيمته فيكون مجرد أرقام لا تعني شيئًا، وحالة الاكتئاب التي تنتاب الإنسان حيث تؤدي إلى تباطؤ في الإدراك المعرفي وشعور المريض إن الوقت بلا قيمة أو إن "المستقبل" لا يحمل أي حافز، مما يولد حالة من اللامبالاة تجاه الزمن والمواعيد، ومن الأسباب القلق المزمن في بعض الأحيان فإن الخوف من الفشل في مهمة معينة يؤدي إلى "شلل التحليل"، فيتجنب الشخص النظر للساعة هربًا من التوتر، وحالة الإشباع اللحظي وهي من أكثر الأسباب وقوعًا وانتشارًا في هذا العصر وهي تقوم على فكرة تقديم المتعة الفورية (مثل تصفح الهاتف) على الأهداف طويلة المدى، وهو ما يسميه علم النفس "خصم القيمة مع الوقت".
وللتخلص من هذه الظاهرة السلبية وأسبابها وخطر آثارها على الفرد والمجتمع يتوجب علينا معرفة قيمة الوقت من خلال الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَالْعَصْرِ * إن الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1، 2]، والمقصود بالعصر هو الزمن، وفي قَسَمه سبحانه وتعالى بالعصر دليل على أهميته في الحياة وأنه يمثل العمر للإنسان، وقال الله تعالى أيضًا: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: 12]. وهذه الآية أيضًا تدل على أهمية الوقت في حياة الإنسان، وجاء في السنة المطهرة فقد روى البخاري عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ))، وروى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن عمره؛ فيم أفناه؟ وعن علمه؛ فيمَ فعل؟ وعن ماله؛ من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه؛ فيمَ أبلاه؟)). فهذه الأحاديث تدل على إن الإنسان مسئول عن وقته فيما قضاه هل هو فيما ينفعه أو يضره في رضى الله أم سخطه.
وبعد ذلك إن يحدد المرء أولوياته في الحياة من أعمال ليتمكن من إنجازها في وقتها المناسب، والتغلّب على فكرة التسويف التي تطرأ عليه في كل فترة يفكر فيها لإنجاز الأعمال، ويبتعد قدر الإمكان عن المشتتات التي تصرف ذهنه عن التركيز ومتابعة الأعمال مثل التصفح المستمر للهاتف الجوال أو الانغماس في مشاهدة القنوات الفضائية بمتابعة الأخبار السياسية أو الرياضية، وعدم الانشغال في قضاء كثيرًا من الوقت في اللقاء بالأصدقاء والمعارف لمجرد الاجتماع والمحادثة والتسلية فقط.
اسأل الله العلي العظيم إن يوفق المسلمين إلى ما يحب ويرضى.