قبل فوات الأوان

64
1 دقائق
12 ذو القعدة 1447 (29-04-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

بين ضجيج الفناء ونداء البقاء، تقف النفس البشرية على أعتاب الحقيقة، تارةً يلفحها هجير الغفلة، وتارةً يستنهضها نور الوحي.

إن المتأمل في خواتيم "سورة الفجر" يدرك إن القصة ليست مجرد عبور، بل هي "صناعة مصير" تُكتب حروفه بمداد العمل قبل إن يجفّ قلم الأجل.

يستفيق المرء يوم العرض على حقيقة مذهلة: إن حياته التي عاشها لم تكن سوى قنطرة، وأن "الحياة" الحقيقية هي التي تستقبله الآن.

حين يصرخ الندم: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، يكون الوقت قد انفرط.

لذا، فإن الذكاء الوجداني يقتضي إن نعيش "اليوم" بروح "الغد"؛ فتصبح الصدقة الخفية، والذكر الراتب، وركعتان في جوف الليل، هي الأرصدة الحقيقية في بنك الخلود.

سائل نفسك عند كل مغيب: ماذا أودعتُ لحياتي التي لا تموت؟

إن الذي يطلق لنفسه العنان في شهوات الدنيا بلا زمام، يواجه يوم القيامة قيدًا لا فكاك منه: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.

إن الانضباط اليوم هو ثمن الحرية غدًا.

حين نضبط ألسنتنا عن اللغو، وأعيننا عن الحرام، ووقتنا عن الضياع خلف الشاشات، فنحن في الحقيقة نحطم الأغلال قبل إن تُصاغ.

التدريب على كلمة "لا" لكل ما يضر القلب هو أولى خطوات السيادة الذاتية.

وعلى الضفة الأخرى، ينسكب النور على الأرواح التي سكنت إلى ربهّا في الدنيا، فيناديها بلفظ الحنان: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾.

هذه الطمأنينة لا تُشترى بجاه، بل تُستخلص من خلوة صادقة مع القرآن، ومن سجود طويل تذوب فيه الهموم، ومن رضا تام بالقضاء والقدر.

فمن رضي عن الله في ضيق التدبير، رضي الله عنه في سعة المصير، ليكون اللقاء لقاء محبٍ عاد إلى مأواه: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.

إن الطريق إلى الجنة يبدأ ب "صحبةٍ" تشد عضدك، وينتهي ب "جنةٍ" تلمّ شتاتك.

فاجعل شعارك في كل طاعة: "اللهم اجعلها ممهدة لدخولي جنتك".

إن العاقل هو من جعل من آيات الوعيد زاجرًا، ومن آيات التبشير قائدًا، ليكون في نهاية المطاف ضمن الركب المبارك: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق