بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
يمثل المنهج الإنساني والتأويلي اتجاهًا حداثيًا يسعى إلى تأويل النصوص، ومنها نصوص القرآن الكريم، ببعض المفاهيم الغربية مع الحفاظ على الروح الدينية للنص، وقد برز هذا الاتجاه لدى عدد من المفكرين العرب المعاصرين مثل حسن حنفي وطه عبد الرحمن وغيرهم.
والإنسانية في فهم النص فكر ومنهج نشأ في الأوساط الفكرية الأوروبية، ويقوم على فلسفة إن الفهم ليس استعادة موضوعية لمعنى النص، بل هو تفاعل بين أفق القارئ والنص، والمتأثرون بهذا المنهج يحاولون تأسيس ما يسمونه بالإنسانية المسلمة التي تراعي خصوصية الوحي واللغة العربية، مع الاستفادة من الأدوات الحديثة في فهم وتفسير النصوص.
ومن أهم سمات هذا المنهج أنه ينظر إلى قراءة النصوص بوصفها حوارًا دائمًا بين النص والمفسر، مع افتراض إن القارئ أو المفسر المعاصر يشارك في تحديد الدلالات في النص بما يتواكب مع العصر والواقع، كما يرى هذا المنهج إن المعنى يتعدد، وليس بالضرورة إن تكون دلالته ثابتة، بل يكون متغيرًا بحسب اختلاف مستويات الوعي والسياقات الثقافية لقارئ النص، كما يسعى هذا المنهج إلى التمييز بين الدين والمعرفة، معتبرين إن الدين ثابت كونه إلهيًا، إلا إن المعرفة متغيرة كونها بشرية، ولذلك فإنه من الممكن مراجعتها وتأويلها بحسب تطور واختلاف العقل الإنساني.
وعلى الرغم مما يحمله هذا المنهج من محاولة ورغبة لما يسميه تجاوز الجمود الفقهي وإحياء فاعلية النص القرآني واقعًا، إلا إن التوسع في سلطة القارئ، وهي السمة الأبرز فيه، وكذلك اعتبار المعنى نسبيًا، يؤدي إلى نفي المرجعية القطعية للوحي، (أي إن مرجعية النص القرآني تكون نسبية لا قطعية)، كما إن محاولة التأصيل لهذا المنهج باستخدام مفاهيم غربية يخلق تنازعًا فكريًا بين منهجين مختلفين، فالفكر الإسلامي يقوم على اليقين والإيمان بمرجعية النص القرآني الإلهي، بينما المنهج الحداثي يقوم على التشكيك في هذه المعاني.
ولهذا فقد نبه علماء التفسير إلى إن الفهم الإنساني في الإسلام مقيد بالنص والضوابط الشرعية والأصول التفسيرية، وكل قارئ للقرآن ومفسر له ملزم باتباع المنهج الإسلامي الذي يؤكد على إن الفهم يجب إن يكون تابعًا للنص لا حاكمًا عليه، وفقًا لقوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾ [سورة الأعراف: الآية 3].
والخلاصة إن هذا المنهج يمثل محاولة معاصرة للتوفيق بين الحداثة والوحي، لكنه لم يوفق في ذلك لكونه متأثرًا بالفكر الفلسفي الغربي، وابتعد عن التأصيل الإسلامي في ضبط العلاقة بين النص وقارئه، وضبط العلاقة النسبية في فهم الخطاب الإلهي، إذ إن الاتجاه الصحيح في هذا الموضوع يكمن في السعي لإحياء وتفعيل الحوار مع النص لا باعتبار القارئ حاكمًا في المرجعية للنص، بل الحكم والمرجعية للنص القرآني دائمًا.