معروف الكرخي حين تزهر الموعظة في جدب القلوب

89
2 دقائق
15 ذو القعدة 1447 (02-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

في تاريخِ السائرينَ إلى اللهِ قصصٌ ليست مُجرّد حبرٍ على ورق، بل هي محطاتٌ فاصلة، ولحظاتٌ فارقة، تَهزُّ الوجدان وتُعيدُ صياغةَ الأرواح.

ومن أعجبِ هذه المَحطّات، تلك اللحظة التي صَنعت من "معروف الكرخي" زاهدَ بغداد وعَلَمها، حين سُئل يومًا بسؤالِ المسترشد عن سرِّ استقامته: "كيف اصطلحتَ مع ربك؟ "؛ وهو سؤالٌ يقصد به السائلُ استيضاحَ كيف صلحَ حالُ العبدِ مع خالقه، وكيف بدأت رحلةُ إنابتهِ وإخلاصه.

لم ينسب معروفٌ فضلًا لنفسه، ولم يقل إنّهُ بَلغَ مبلغهُ بكثرةِ جِدالٍ أو تَبَحُّرٍ في غريبِ الكلام، بل عَزا الفضلَ لومضةِ حقٍّ أضاءت في قلبه بكلمةٍ صادقة.

يَحكي معروفٌ عن تلك اللحظة التي غيّرت مَجرى حياته -كما أوردها صاحب "طبقات الحنابلة"- حين دلفَ إلى مسجدٍ في الكوفة ليؤديَ صلاة العصر، فإذا به أمام رجلٍ تكسوه الهيبة ويُجلّلهُ الوقار، هو الواعظُ الزاهد ابن السماك.

جلس معروفٌ ليسمع، فكانت الكلماتُ رصاصًا من نورٍ تخرقُ غياهبَ الغفلة، إذ قال ابن السماك:

"من كان مع الله تارةً وتارة؛ كان اللهُ معه تارةً وتارة. ومن أعرضَ عن الله؛ أعرضَ اللهُ عنه.

ومن أقبلَ على الله بكليّته؛ أقبلَ اللهُ سبحانه بكاملِ رحمته".

كانت هذهِ الكلماتُ بمثابةِ ميزانٍ دقيق للعلاقة مع الخالق؛ فأدركَ معروفٌ حينها إن الله لا يرضى من العبدِ بقلبٍ مُشتت، ولا بوصلةٍ تتأرجحُ بينَ الإقبالِ والإدبار.

في تلك اللحظة، اتخذَ معروفٌ قرارهُ المصيري، يقولُ معروفٌ واصفًا حال قلبه تلك الساعة: فقلتُ في نفسي: إن مكّنني ربي لأفوزنَّ بأعلاها".

لقد اختارَ "الكلية" في الإقبال، فغمره اللهُ "بواسعِ الرحمة والعطاء"، وصارَ حالُه مع ربه في صلاحٍ واستقامةٍ يُضربُ بها المثل.

هذا التحولُ العميقُ جعلَ من معروف الكرخي مدرسةً في السلوك، حتى تساءلَ الباحثون عن مَكمنِ سِرّه وعلمه. ويروي عبد الله بن أحمد بن حنبل في أثرٍ جليل، أنه سأل أباه الإمام أحمد بن حنبل:

"هل كان مع معروفٍ شيءٌ من العلم؟".

فأجابه الإمامُ بجوابٍ يُعدُّ قمةً في الفقه والبيان:

"يا بُني، كان معهُ رأسُ العلم: خشيةُ الله تعالى!".

إن هذه السيرة العطرة التي خلّدتها بطون الكتب تُعلّمنا حقائقَ تصلُ العقولَ والقلوب:

صدقُ الإنابة: إن "الاصطلاح مع الله" في حقيقته هو حُسنُ الرجوع إليه وتجديد العهد معه، فمن أرادَ فَيضَ الرحمة، فليُقبلْ بقلبٍ مُخلصٍ لا يلتفتُ لسواه.

أثرُ الكلمة: كلمةٌ واحدةٌ تخرجُ من قلبٍ يخشى الله قد تَبني أمةً، وتُحيي نَفسًا كانت تائهةً في دروبِ الغفلة.

جوهرُ العِلم: كما فَقِهَ الإمام أحمد، ليس العِلمُ بمجردِ حفظِ المتون، إنما العِلمُ خشيةٌ تورثُ أدبًا، ونورٌ يَقذفُه الله في قلبِ من أقبلَ عليه بصِدق.

لقد صلحَ حالُ معروفٍ مع ربه حين قدّمَ للهِ كُلَّه، فأعطاهُ اللهُ من فضلهِ ما قرَّت به عينُه، وبقيَ ذكرهُ سراجًا يَهدي السائرين إلى طريقِ الوصلِ الحقيقي.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق