بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.
يبدأ النص القرآني بقرعِ أجراسِ الحقيقةِ التي يغفلُ عنها اللاهون؛ إنها معضلةُ *المسافة* بين حتمية اللقاء وذهول الاستعداد.
الحسابُ يركضُ نحونا بخطىً حثيثة، ونحنُ نركضُ في تيه الأمل بعيدًا عنه.
إن *غدًا* الذي تؤجل فيه أوبتك قد لا يشرق، فكن من أبناء *الآن*؛ باكر بالطاعة قبل إن يباغتك الأجل، واجعل من ذكر الموت وقودًا يحيي قلبك لا قيدًا يطفئ طموحك، وقلل من ضجيج *الملاهي* لتسمع صوت ضميرك.
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.
يرسم الوحي مشهدًا مأساويًا لنفسٍ تسمعُ الذكرَ بجارحتها وتعرضُ عنه بروحها؛ فالفجيعة الكبرى ليست في غياب الوحي، بل في اعتياد سماعه حتى يفقد هيبته في القلوب، فيتحول القرآن من *قائدٍ للروح* إلى مجرد *خلفيةٍ صوتية* لا تُجاوز الآذان.
السماع بلا حضور قلب هو هجرٌ في ثوبِ وصل.
فإذا تلي القرآن، فأخرس العالم في داخلك واسأل نفسك بصدق: *ماذا تريد مني هذه الآية الآن؟ *.
لا تقرأ اليوم بعقل الأمس، بل اجعل كل تدبرٍ جديد ميلادًا متجددًا لإيمانك.
﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
هنا يضعُ الحقُ يده على مكمن الداء؛ فالإعراض يبدأ نبضًا لاهيًا في سويداء القلب قبل إن يصير قولًا باللسان.
لقد اتخذ الجاحدون من بشرية الرسل ذريعةً ليتخففوا من أعباء التكليف، ووصموا الحق بالسحرِ ليواروا عجزهم عن الانقياد له.
طهّر قلبك بالذكر فهو الجلاء، وحصّن فكرك من تيارات الشك بالالتجاء إلى اليقين وأهل العلم. لا تدع قلبك وعاءً لكل مشكك، بل اجعله حصنًا لا يسكنه إلا الثبات؛ فصلاح الظاهر يبدأ من استقامة الباطن.
﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وسط ضجيج المؤامرات ونجوى الظالمين، يأتي الردُ الساكنُ المطمئن؛ إنها الطمأنينة في أسمى تجلياتها، فالمؤمن لا يخشى كيدًا في عتمة الليل طالما إن *السميع العليم* يحيط بالسر والجهر، ويحفظ الحق ليعلنه في وقته.
استشعر معية الله في خلواتك قبل جلواتك، واجعل رقابته لك دافعًا لإخلاص سريرتك.
من علم إن الله يسمعه، هذّب منطقه وأنفَ إن ينطق بما يُسخط الخالق لإرضاء المخلوق، فالحقُ محفوظٌ بعينِ الله التي لا تنام.
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾.
تختم هذه الومضات بكشف التخبط الفكري لأهل الباطل؛ فمرةً يزعمونه حُلمًا، ومرةً افتراءً، ومرةً شعرًا. هذا الاضطراب هو أكبر شهادة على صدق الوحي؛ فالحقُ أبلج وله وجهٌ واحد، أما الباطل فأقنعةٌ مهترئة تتساقط عند أول مواجهة مع الحقيقة.
لا يغرنك بريق الشبهات ولا كثرة المرجفين، فنور الله لا يطفئه من ينفخ فيه.
اجعل لك وقتًا لطلب العلم اليقيني، وإذا هاجمتك الحيرة فعد إلى مناهل التفسير الموثوقة؛ فالظلمة لا تصمد أبدًا أمام فجر العلم.
إن هذه الآيات الخمس هي *دستور اليقظة*؛ تدعونا لنفض غبار الغفلة، وإصلاح بوصلة القلب، لتكون حياتنا سلسلة من الاستجابات الصادقة لنداء الله، قبل إن يأتي يومٌ لا مفر فيه من الحساب.