بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
إن ما نُشاهده اليوم في فضاء (العالم الرقمي) من تهافتٍ أخلاقي مريع، ليس مجرد عبث عابر، بل هو زلزالٌ قيمي يضرب حصون الحياء في قلوبنا.
لقد سخر الله لنا هذه التقنية لتكون مِشكاةً للنور، ولسانًا للحق، فإذا بها عند الكثيرين تتحول إلى مَزادٍ تُباع فيه المروءة، وسوقٍ للنخاسة تُعرض فيه المبادئ مقابل حفنةٍ من دراهم معدودة أو "إعجابٍ" زائل.
تأمل بعقلك قبل قلبك في ذلك المشهد التاريخي؛ حين تبسم النبي ﷺ ليس فرحًا بالمال، بل إشفاقًا على الأمة من سكرته، فقال: "فواللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى إن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككم كما أهلكتهم".
إننا نعيش اليوم (هلاك التنافس)؛ تنافسٌ على التفاهة، وتنافسٌ على كسر الحواجز المحرمة، وتنافسٌ على نزع جلباب الحياء، وكأنَّ لسان حال البعض: *خذوا ديني وقيمي، وأعطوني شهرةً زائفة*.
أيُّ انحدارٍ هذا الذي نراه؟ إنسانٌ يبيعُ ثوابت دينه بعرضٍ زائل، ويُقايض كرامته ب *دعمٍ* عابر، وأخلاقه ب *متابعةٍ* جوفاء.
نرى مشاهد من التبذّل والاختلاط، وتجاوزًا لخطوط الحياء الحمراء في سلوكياتٍ يأنفُ الحُرُّ إن يفعلها في خلوته، فكيف بظهوره أمام القاصي والداني؟!
يا من تظن أنك خلف شاشةٍ لا يراك فيها إلا المتابعون، تذكر إن خلفك رقيبًا عتيدًا، وأمامك يومًا تُبلى فيه السرائر.
هؤلاء المتابعون الذين تظنهم سندًا لك، هم في الحقيقة شهودٌ عليك، سيفرون منك غدًا، بل قد يتعلقون برقبتك يسألون الله عدلًا فيما عرضتَ لهم من فتنة.
الموت ليس نهايةً بل هو بوابة الحساب، وكما قيل:
ولو أنَّا إذا مِتْنَا تُرِكْنَا *** لَكانَ الموتُ غايةَ كلِّ حَيِّ
ولكنَّا إذا مِتْنَا بُعِثْنَا *** ونُسألُ بَعْدَها عن كلِّ شَيِّ
يا صاحب المحتوى، ويا أيها المتابع.
إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بعدد المشاهدات، بل بما يبقى له في ميزان الحسنات حين يُغلق جفنه للأبد.
راجع نفسك قبل إن تصبح أنت (المحتوى) الذي يُباع ويُشترى في سوق الهوان، وتذكر قول الجبار سبحانه:
• ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ إن يُتْرَكَ سُدًى﴾.
• ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.
فهل أعددت لهذا السؤال جوابًا؟ وهل سيكون الجوابُ صوابًا؟