قل آمنت بالله ثم استقم

118
12 دقيقة
15 ذو القعدة 1447 (02-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

يسعى كثير من الناس في الحياة سلوك أقصر الطرق، في مدة قصيرة وسريعة، لتوفير الجهد والقوة، وبأقل كلفة، وهذا كله لاكتساب ما يرغبون إليه. في عالم الهندسة لا يتحقق هذا إلا عبر الخط المستقيم الرابط بين نقطتين، وكلمة مستقيم توحي إن هذه الطريق لابد لها من نهاية واضحة، يكون الهدف واضح الرؤية لا تحجبه إنكسارات ولاتعرجات.

لذلك جعل الله طريق الحق مستقيما وسماه الصراط المستقيم، ولسلوك هذه الطريق المستقيم شرط أساسي.

فما هو شرط سلوكه؟ كيف نسمي سلوك الصراط المستقيم؟ ما هي العوامل المساعدة للثبات عليه؟

كان صحابة رسول الله رضوان الله عنهم أشد الناس فطنة وذكاء، وأشدحرصا على التعلم والسؤال، يتحينون الفرص ليسألوا على كل ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، كانوا يسألون رسول الله ، أسئلةً تدُلُّ على عمق علمهم، وشدَّة تعلُّق نفوسهم بالآخرة، قال ابن عباس رضي الله عنه: *ما رأيتُ قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله ﷺ، ما كانوا يسألون إلَّا عمَّا ينفعهم* (1).

فهذا أبو عمرة سفيان بن عبد الله يسأل رسول الله ، قال: "قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسلامِ قَولًا لا أسألُ عنه أحَدًا بَعدَك، (وفي رواية: غَيرَك)، قال: قُل: آمَنتُ باللهِ، ثمَّ استَقِمْ" (2).

أي قل لي قولا موجزا لا أحتاج لأن أسأل أحدا بعدك، فجاء قوله جامعا لأمر الإسلام: "قل آمنت، ثم استقم" ليبني بهذا الحديث الشريف منهجا متكاملا لحياة الناس السالكين لطريق الله، ومن بلاغته أنه ربط بين عبارتي الحديث بحرف العطف (ثم) ولم يستعمل (الفاء).

الفاء: تفيد الترتيب والتعقيب، ثم: تفيد الترتيب والتراخي مع وجود مدة زمنية بين حدثين.

فلا تتم الاستقامة دون إيمان لماذا؟

فما الإيمان؟ وما الإيمان بالله؟ وما هي الاستقامة؟

الإيمان: ((هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان)) (3)، أي: ((إن الإيمان حقيقة مُركَّبة من قول وعمل، وأن القول قسمان: قول القلب: وهو الاعتقاد، وقول اللسان: وهو نطق كلمة الإسلام، والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح كالصلاة وغيرها، فإذا زالت هذه الأربعة جميعًا التي هي: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، زال الإيمان كله)) (4).

الإيمان بالله: هو الاعتقاد الجازم بوجوده سبحانه وتعالى، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته.

والإيمان إذا لامس سويداء القلب وتغلغل بين ثناياه ذاق العبد حلاوته، في الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه: "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوَةَ الإيمانِ: إن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المرْءَ لا يُحبُّهُ إلَّا للهِ، وأنْ يَكْرَهَ إن يَعودَ في الكُفرِ بعدَ إذْ أنقذَهُ اللهُ مِنْهُ؛ كَما يَكرَهُ إن يُلْقى في النار" (5)، وهذه الخصال المذكورة في الحديث من أعظم خصال الإيمان، وللإيمان شعب كثيرة تسع مناحي حياة المسلم، من إحسان وإتقان ووفاء بالوعود، و قيام بالتكاليف والمسؤوليات، وحفظ للأمانات ومعاملات حسنة مع الناس، ومختلف أعمال البر.

وحب الرسول شرط أساسي للإيمان: روى أبو هريرة رضي الله عنه إن رسول الله قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده، والناس أجمعين" [أخرجه البخاري -13]، وهو يحب الإيمان، في الدعاء: "اللَّهُمَ حَبَّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ" (6).

ما هي الاستقامة؟

إن الإيمان الصادق نور يضيء أركان القلب المظلمة، فيهتدي بها في طريق الحياة، لكن لابد من التدرج في الطاعات والقربات حتى يستقر الإيمان في القلب ويتمكن منه، ومن ثَمَّ يسري شعاعه إلى الجوارح، وتعمل بمقتضاه، ويستقيم العبد، فالاستقامة هي ثمرة الإيمان الصحيح الصادق، والإيمان الصادق يهدي للاستقامة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [ سورة النساء : 175].

إن الاستقامة ثمرة من ثمرات حب الله تعالى، وكلما كانت محبة الله نابعة من القلب، استقام الباطن والظاهر على حبه سبحانه وتعالى، قال الغزالي في إحياء علوم الدين: ((ومهما صفت القلوب استغنى عن تكلف إظهار ما فيها ومن كان نظره إلى صحبة الخلق فتارة يعوج وتارة يستقيم ومن كان نظره إلى الخالق لزم الاستقامة ظاهرًا وباطنًا وزين باطنه بالحب لله ولخلقه وزين ظاهره بالعبادة لله والخدمة لعباده، فإنها أعلى أنواع الخدمة لله إذ لا وصول إليه إلا بحسن الخلق ويدرك العبد بحسن خلقه درجة القائم الصائم وزيادة)) (7).

يقول ابن رجب: ((والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك: فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك)) (8).

وعرفها ابن القيم تعريفا دقيقا، إنها تشمل حياة العبد كلها: ((كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، و تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالاستقامة فيها: وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله)) (9).

والنبي أراد بداية إن يتمكن الإيمان من قلب الصحابي سفيان رضي الله عنه وينطق به اللسان، فيصبح هو المحرك القوي، ثم تأتي الاستقامة تباعا، لقد شملت عبارتا الحديث جميع معاني الإيمان والإسلام اعتقادا وقولا وفعلا.

ما هو الصراط المستقيم؟

الصراط المستقيم هو السبيل الواضح لاعوج فيه ولا تعرجات، واسعا سهلا لا يسبب الضيق والكدر لسالكيه، موصلا إلى المقصد والهدف في وقت قصير، في سورة الفاتحة التي نقرؤها في صلواتنا أكثر من سبع عشرة مرة، نسأل الله تعالى الهداية إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6، 7]، أتى السؤال بعد تخصيص الله وحده بالعبودية والاستعانة، مما يدل إن الاستقامة تلحق عبادة الله والإيمان به وتوحيده توحيد الألوهية والربوبية، يقول صاحب الظلال معناه: ((وفِّقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل؛ ووفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته. فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته. والتوجه إلى الله في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين)) (10).

ولأن الطريق المستقيم محفوفة بالمخاطر من شبهات وشهوات وعوائق وعقبات، فالثبات عليه يحتاج إلى رفقاء ذوي همم عالية، اتخذوا من الاستقامة منهجا ودليلا، إنها النخبة الخيرة التي أنعم الله عليها من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]، هذه النخبة لزمت هذا الصراط المستقيم الموصل إلى الغاية العظمى والهدف الأسمى، أصلحوا كل جوانب الدنيا، ملأوا واقعهم عدلا وإحسانا، وعمروه بما نفعهم في حاضرهم، ونالوا الجزاء في مستقبلهم يوم القيامة: ﴿إن الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30].

يقول الأستاذ مصطفى الخالدي: ((إن هذا المنهج العظيم السليم الصحيح يبقى مجرد فكر نظري ولا يعرف هذا المنهج وهذا الفكر إلا من خلال الذين يلتزمون به والذين يطبقونه. والإسلام لابد إن إن يتمثل في صورة أناس في عالم الواقع فالحين يسيرون على الصراط المستقيم، ويلتزمون بمنهج الله تعالى)).

شروط الاستقامة:

الاستقامة على المنهج ليس بالأمر الهين، يلزمها إيمان صادق ويقين لا يخالطه ريب. (أصل الكمال الإنسانيِّ إيمانٌ بالله يطرح خبائثَ الشكوك المحيِّرة، واستقامةٌ على أمر الله بإصابة الحقِّ وسلوك دربه)، قال تعالى: ﴿إن الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30].

وفي الحديث الشريف الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه، دعوة إلى اتخاذ الاستقامة منهجا: "اتَّقِ الله حيثما كنت، وأَتْبِعِ السيئة الحسنة تَمحُها، وخالِقِ الناسَ بخلق حسن". [أخرجه الترمذي (1987)، وأحمد (21392)].

إن الاستقامة على الطريق تحتاج إلى الإخلاص فهودليل على صدقها لقوله تعالى: ﴿قُلْ إن صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة الأنعام : 162]، فهي كما قال ابن القيم *وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله*.

التصديق بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، واتباع سنته وهديه صلى الله عليه وسلم فهو القدوة والإمام في الاستقامة، نتبعه في المكره والمنشط في العسر واليسر، وفي الحل والترحال ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [ الحشر: 7].

جوهر الاستقامة:

إن الإنسان لا يستطيع الاستقامة استقامة تامة مطلقة ولايطيقها، فهو يذنب ويتوب ويغفل كثيرا، بينَ النبي بقوله: "قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إِلَّا إن يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْل" [صحيح مسلم - 2816]، (والسداد: هو حقيقة الاستقامة والإصابة في جميع الأقوال والأفعال، والمقاربة: القصد الذي لاغلو فيه ولا تقصير).(11)

وقال أيضا: "استَقيموا ولَن تُحصوا واعلَموا إن خيرَ أعمالِكُمُ الصَّلاةَ ولا يحافظُ علَى الوضوءِ إلَّا مؤمن" [أخرجه ابن ماجة (277) واللفظ له، والدارمي (681)، وأحمد في ((الزهد)) (1194) باختلاف يسير].

"ولَن تُحْصوا"، أي: ولن تَستطيعوا إن تَعُدُّوا وتَستكمِلوا كلَّ وُجوهِ الخيرِ والطَّاعات، أي إن: ((جوهر الاستقامة الاعتدالُ، بلا غلوٍّ وإفراط، ولا تقصيرٍ وتفريط، فهي مسلكُ المؤمنين الصادقين، ودربُ العارفين المُخبِتين))، إنها حد التوسط من غير حياد عن الطريق يمنة أو يسرة.

قال المناوي في هذا الحديث: *إن أعظم أركان الاستقامة الصلاة بقوله: "وخير أعمالكم الصلاة" ولا يحافظ على الوضوء بإسباغه واستيفاء سننه وآدابه إلا مؤمن كامل الإيمان، وفي بيان شرف الصلاة وكونها أشرف الطاعات* (12).

الاستقامة أمر من أوامر الله:

ومن أوامره سبحانه وتعالى في كتابه الكريم التزام هذا الصراط المستقيم: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]، ما أجلَّها من وصية، لا لتباع سبل الضلال والغواية الكثيرة التي تبعد السالكين عن تحقيق التقوى.

إن نبينا هو النموذج الإنساني الكامل خاطبه ربه بالاستقامة، قال جل في علاه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [ سورة هود: 112]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: *ما نزل على رسول الله آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية*.

((فأساس الاستقامة الوحي {كما أمرت} وشرطها عدم تجاوز الحد {ولا تطغوا}، والمعين عليها الصحبة الصالحة {ومن تاب معك}، وشعار أهلها المراقبة الدائمة لله تعالى {إنه بما تعملون بصير})) (13).

وأمره أيضا سبحانه وقال: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [الشورى: 15]، التزم بدين الحق، واستقم عليه، ولا تتبع الأهواء وسبل الضلال.

مجالات الاستقامة:

إن تعريف ابن القيم للاستقامة يدل على أنها تشمل حياة العبد كلها حيث قال: ((كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، وتتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالاستقامة فيها: وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله)).

استقامة القلب: إن أصل الاستقامة والصلاح تكمن في القلب، سماه النبي مضغة: "ألا إن في الجسدِ مضغةً إذا صلَحتْ صلَحَ لها سائرُ الجسدِ وإذا فسدتْ فسد لها سائرُ الجسدِ ألا وهي القلبُ" [البخاري (52)، ومسلم (1599)].

ولا يستقيم القلب إلا إذا استقامت جارحة أخرى وهي اللسان: "لا يَسْتَقيمُ إِيمانُ عبدٍ حتَّى يَستَقيمَ قلبُه، ولا يَسْتَقيمُ قلبُه حتَّى يَستَقيمَ لسانُه" [ أحمد (13048)].

الاستقامة تكون في التفكير الإيجابي السديد، وتكون العقل بالثبات على العقيدة الصحيحة، وعلى مبادئ وقيم الإسلام العالية، والابتعاد عن الضلالات الفكرية ودعاوي الإلحاد والكفر.

الاستقامة في الأخلاق والسلوك، والاستقامة في ميادين العمل والتنافس على جودته، والتسابق على الواجبات وأدائها بإحسان، وترك التنافس عن المغانم الدنيوية الملهية عن الوظيفة الكبرى لوجود الإنسان على الأرض.

فما أخرجنا من دائرة الحضارة إلا الفصل بين العقيدة والسلوك، حيث ندعي الإيمان وحالنا البائس ينفي ذلك.

ثمرات الاستقامة على الفرد والمجتمع:

إن الثبات على نهج الحق والطاعة، والالتزام بسلوك الصراط المستقيم دون ميل عنه، يعتبر أساسًا لبناء مجتمع فاضل ومتماسك، يضمن لأفراده الأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي. ويجب تجاوزها عن الحيز الفردي لتصبح سمة حضارية تحقق الخيرات والبر للمجتمع المسلم.

من ثمراتها على المستوى الفردي والمجتمعي:

الأمن النفسي في الدنيا والآخرة:

﴿إن الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30].

لمَّا كانت الاستقامة أمرًا شاقًّا على النفس، كان جزاء مَن لزِمَها وصبرَ على تكاليفها إن تُحبَّه الملائكة وتبشِّرَه بالرضوان، والفوز بالجنان.

سبقت للمؤمنين البشرى، فلا خوفٌ يعتريهم، ولا فزعٌ يؤذيهم، يخرجون من هذه الحياة الدنيا آمنين مطمئنِّين، وبوعد ربِّهم مستبشرين.

الجنة هي دار الخلود:

قوله تعالى: ﴿إن الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: 12-13].

الاستقامة على طريق الحق سبب لجلب الرزق:

قال تعالى: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ [ سورة الجن:16]، في ظلال القرآن: ((الحقيقة الأولى: هي الارتباط بين استقامة الأمم والجماعات على الطريقة الواحدة الواصلة إلى الله، وبين إغداق الرخاء وأسبابه؛ وأول أسبابه توافر الماء واغدوداقه. وما تزال الحياة تجري على خطوات الماء في كل بقعة. وما يزال الرخاء يتبع هذه الخطوات المباركة حتى هذا العصر الذي انتشرت فيه الصناعة، ولم تعد الزراعة هي المصدر الوحيد للرزق والرخاء. ولكن الماء هو الماء في أهميته العمرانية. وهذا الارتباط بين الاستقامة على الطريقة وبين الرخاء والتمكين في الأرض حقيقة قائمة. وقد كان العرب في جوف الصحراء يعيشون في شظف، حتى استقاموا على الطريقة، ففتحت لهم الأرض التي يغدودق فيها الماء، وتتدفق فيها الأرزاق. ثم حادوا عن الطريقة فاستلبت منهم خيراتهم استلابا. وما يزالون في نكد وشظف، حتى يفيئوا إلى الطريقة، فيتحقق فيهم وعد الله)) (14).

الاستقامة سبب للنصر على الأعداء:

في ظل تكالب القوى العالمية على الأمة، والتداعي عليها تداعي الأكلة إلى قصعتها، نتيجة بعدها عن المنهج الرباني الواضح المستقيم، وميلها إلى الظلمة وقوى الاستكبار، فإن العودة إلى منابع قوتها هو البلسم لأمراضها، والأصل في قوتها: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير۝وَلَا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [ سورة هود: 112-113]، جاء في تفسيرابن كثير: ((يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبرالعون على الأعداء ومخالفة الأضداد)) (15).

ومن آثار الاستقامة أيضا على المجتمع التماسك القوي بين أفراد المجتمع الواحد، بحيث يشعرون كأنهم جسد واحد، ويشكلون كتلة صلبة متينة في وطن واحد محافظين على نسيجهم الإجتماعي، فلا يستعلى فرد على أخيه، ولا يستغني أحد عن الآخر، ويسودهم الأمن والعدل.

سبل تحقيق الاستقامة:

إضافة إلى الإيمان بالله والإخلاص المذكورين سابقا، فلتحقيق الاستقامة يجب:

الاعتصام بالله والتوكل عليه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[ آل عمران:101].

وعدم التفرق والاختلاف: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [ آل عمران:105].

التمسك بكتاب الله، قال تعالى: ﴿إن هُوَ إِلَّا ذِكرٞ لِّلعَٰلَمِينَ ۝لِمَن شَآءَ مِنكُم إن يَستَقِيمَ﴾ [التكوير: 27-28].

اتباع الهدي النبوي صلى الله عليه وسلم فهو أسوتنا المثلى، وإمامنا الأكبر: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾[ سورة الزخرف:61 ] ((والقرآن يدعوهم على لسان الرسول إلى اتباعه فإنه يسير بهم في الطريق المستقيم، القاصد الواصل الذي لا يضل سالكوه)) . (16)

إن الاستقامة لا تحصل إلا بالعلم الموثوق به، مصدره كتاب الله تعالى وسنة نبيه : ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: 54]، يقول ابن القيم: ((إن يعلم إن الاستقامة إّنما تكون بعد الثقة، أي لا يتصور حصول الاستقامة في القول والعمل والحال إلا بعد الثقة بصحة ما معه من العلم، وأنه مقتبس من مشكاة النبو ة، ومن لم يكن كذلك فلا ثقة له ولا استقامة)) (17).

الدوام على العبادات والثبات عليها: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ إن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَٰنَ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ۝ وَأَنِ ٱعْبُدُونِى ۚ هَٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ﴾ [يس: 60-61]، في الحديث: "استَقيموا ولَن تُحصوا واعلَموا إن خيرَ أعمالِكُمُ الصَّلاةَ ولا يحافظُ علَى الوضوءِ إلَّا مؤمن"، قال المناوي: ((إن أعظم أركان الاستقامة الصلاة بقوله "وخير أعمالكم الصلاة" ولا يحافظ على الوضوء بإسباغه واستيفاء سننه وآدابه إلا مؤمن كامل الإيمان، وفي بيان شرف الصلاة وكونها أشرف الطاعات)).

ملازمة التوبة والاستغفار: إن الاستقامة على أمر الله لا تكون إلا بنقاء التوحيد وإخلاص العبادة، ثمَّ الاستغفار لما قد يشوب العملَ من قصور، وما يصيب صاحبَه من فتور، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: 6]، وفي تفسير السعدي: ((ولما كان العبد، -ولو حرص على الاستقامة- لا بد إن يحصل منه خلل بتقصير بمأمور، أو ارتكاب منهي، أمره بدواء ذلك بالاستغفار المتضمن للتوبة فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ ثم توَّعد من ترك الاستقامة فقال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾)) (18).

في الختام:

في زمن كثرت فيه الفتن، وكثرت العراقيل والعقبات، واشتد خناقها على الناس، يتأثر المسلم الضعيف الإيمان سلبا وتفسد عليه استقامته، لذلك يجب إن يبرز دور المسلم المستقيم القوي ليقدم نفسه للآخرين في صورة جميلة حسنة، وقدوة عملية في أفعاله وأقواله، يمثل نموذجا حيا للإسلام الصحيح كما أمر الله تعالى ودعا إليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. نسأل إن يجعلنا من أهل الاستقامة في الدنيا والآخرة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

المراجع:

1. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 28/3

2. صحيح مسلم، باب الإيمان، كتاب جامع أوصاف الإسلام، رقم: 38، ص: 65

3. صحيح مسلم بشرح النووي 1/131

4. محمد صالح المنجد -الإيمان مفهومه وشروطه-الموقع الرسمي محمد صالح المنجد https: //almunajjid. com يوم 11/4/2026 على 5: 28

5. أخرجه البخاري في كتاب الإيمان(16)، باب حلاوة الإيمان، ومسلم كتاب الإيمان، بَاب بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَان برقم(43)

6. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 371/7

7. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين 2/191

8. جامع العلوم والحكم لابن رجب ص: 193

9. مدارج السالكين 2/371

10. سيد قطب، في ظلال القرآن، 1/20

11. النووي، رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، باب الاستقامة ص: 60

12. عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير 1/497

13. فريق من الباحثين والمتخصصين، هدايات القرآن الكريم "صياغة جديدة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين وتذكرة للمتدبرين، ص: 234.

14. في ظلال القرآن مرجع سابق 3728/6.

15. ابن كثير، مرجع سابق، 2/262

16. في ظلال القرآن، مرجع سابق، 3191/5.

17. مدارج السالكين، مرجع سابق، 2/320.

18. السعدي، تيسير الكريم الرحمن، 7/1576 ط


مقالات ذات صلة


أضف تعليق