بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
مُقتَرَحُ خُطبَة الجُمُعَةِ الثانية مِن شَهرِ ربيع الثاني، وَدُرُوسُ هذا الأُسبُوعِ، وَدُرُوسُ النِّسَاءِ:
1- صِفَاتٌ حذَّرَ منها اللهُ تعالى فِي سُورَةِ الهُمَزَةِ.
2- بَيَانُ شدَّة عَذَاب أصحَابِ هذه الصِّفَاتِ.
الهَدَفُ مِنَ الخُطبَة: التحذير من الهمز واللمز وحب المال مع الانشغال به والبخل به.
مُقَدِّمَةٌ ومَدَخَلٌ للمُوْضُوعِ:
■ أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، نعيش هذه اللحظات مع سورة قصيرة من كتاب الله نتدبر معانيها، ونتفكر في آياتها؛ لعل الله يوقظ قلوبنا بنورها، ويهدي بصائرنا بهدايتها؛ [إنَّها سُورَةُ الهُمَزَة]؛ وهي سورة مكية، وعدد آياتها تسع آيات.
■ يقول الله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ إن مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ}.
■ فموضوع السورة: التحذير من صفاتٍ سيئةٍ؛ وهي السخرية بالآخرين، وحب المال مع الانشغال به والبخل به، وبيان عاقبة ذلك.
■ ومناسبة السورة لما قبلها، وما بعدها:
• قبلها سورة العصر: وتتحدث عن انقسام الناس إلى فريق في خسران وهم أكثر، وفريق من الناجين.
• وسورة الهمزة: تتحدث عن أوصاف الذين خسروا: همزة، لمزة، جمع مالًا وعدده، يحسَبُ إن ماله أخلده.
• وبعدها سورة الفيل: تتكلم عن نموذج من أولئك الخاسرين، وهو أبرهه الذي جمع مالًا وحاول إن يهدم الكعبة؛ فأهلكه الله تعالى في الدنيا.
■ وبدأت السورة بأسلوب الدعاء؛ وفواتح السور عشرة أنواع: (النداء، والثناء، والدعاء، والشرط، والاستفهام، والخبر، والحروف المقطعة، والأمر، والقسم، والتعليل).
■ وهذه السورة افتتحها الله تعالى بالدعاء؛ كما افتتح سورة المطففين: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}، وافتتح سورة المسد: {تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ}.
قَوْلُهُ: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} بدأت الآية بداية مرعبة؛ حيث ذكر العقاب قبل ذكر الفعل! والويل كلمةُ وَعِيدٍ وَوَبَالٍ وتهديدٍ بالعذاب، وقيل: وادٍ في جهنم.
• الهمزة: هو الذي يهمز الناس باللسان، واللمزة: هو الذي يهمز الناس بالفعل؛ فهو جمع بين الشَّرين بلسانه ويده.
• وقيل: أنهما بمعنى واحد.
• وقيل: إن الهمز: هو العيب والطعن في الوجه، واللمز: يكون في الغيبة.
■ تعلمنا الآية: إن نحفظَ ألسنتنا من آفاتها الخطيرة؛ فالآية فيها ذم الذين يسخرون من الناس؛ والسخرية والاستهزاء من أخطر آفات اللسان؛ فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى إن يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى إن يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، وفي الحديث: "بِحَسْب امرئٍ من الشرِّ إن يحقر أخاه المسلم"؛ [رواه مسلم].
■ ومن صور السخرية والاستهزاء: السخرية من الناس لعيب في خِلقتِهم وصورتهم؛ وهذا لا يليق بالمؤمن الموقن بأن الله تعالى هو الخالق: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}
■ وتأمل لخطورة هذا الأمر: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حَسْبُكَ من صفية كذا وكذا- تعني قصيرة - فقال: "لقد قلتِ كلمةً لو مُزجَتْ بماء البحر لمزجَتْه"، قالت: وحكيت إنسانًا، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يسرُّني أنِّي حاكيتُ إنسانًا ولي كذا وكذا"؛ [رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني].
■ ومن صور السخرية والاستهزاء: الاستهزاء بالمقصِّرين المذنبين من المسلمين، فكلنا مذنبون وكلنا مقصرون؛ والله تعالى يقول: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}؛ أي لا تمدحوها معجبين بها.
■ فبعض الناس ينظرون للمذنب نظرة احتقار؛ لكن الصحيح إن تحتقر وتبغض المعصية لكن لا تحكم عليه بعدم مغفرة؛ ففي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال رجلٌ: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألى على ألا أغفر لفلان؟! إني قد غفرت له، وأحبطت عملك".
■ ولقد كان سلفنا الصالح يحفظون ألسنتهم خوفًا من الوقوع في الإثم، وحذرًا من الوقوع في عيوب أهل العيوب؛ فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه من أشدِّ الناس في ذلك حتى نقل عنه قوله: *لو سَخِرْتُ مِن كَلبٍ لخَشِيتُ إن أكونَ كَلبًا*، وجاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: *لو رأيتُ رَجُلًا يَرضَعُ شاةً في الطَّريقِ فسَخِرتُ منه، خِفتُ ألَّا أموتَ حتَّى أرضَعَها"؛ [رواه ابن أبي شيبة]، وكان إبراهيم النخعي رحمه الله يقول: "إني لأرى الشيءَ ممَّا يُعاب، ما يمنعني من غيبتِه إلاَّ مخافة إن أُبتَلَى بمثلة*، وقال يحيى بن جابر رحمه الله: *ما عاب رجلٌ رجلًا قطُّ بعيب؛ إلَّا ابتلاه الله بمثل ذلك العيب*.
■ ثم ذكر وصفًا آخرَ من أوصافه، وسببًا من أسباب ذلك: جمع الأموال والاغترار بها؛ فقال تعالى: {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ}؛ أي جمع الأموال من الحلال والحرام وظل يعدها، ويحسبها، ويدونها، ويسجلها، مشغول الليل والنهار بها.
■ والإنسانُ قد جُبِلَ على حبِّ المال؛ كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد}؛ والخير: هو المال؛ كما قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}، وقال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}
وفي الحديث الصحيح: "وَلَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ لَأَحَبَّ إن يَكُونَ إِلَيْهِ ثَانٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وَادِيَانِ لَأَحَبَّ إن يَكُونَ إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ".
■ ومن شدة حب المال: ربما يقع في الظلم، أو يعتدي، أو يسرق، وغيرها من صور الكسب الحرام، ومن شدة حب المال: قد يبخلُ به، ويبخسُ الناسَ حقوقَهُم!
■ والمال هو فتنة هذه الأمة؛ فعَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ رَضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: "إن لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ"، [رواه أحمد، والتّرمذي]، وعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ، وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ"، [رواه الترمذي]؛ والمعنى: إن حرص المرء على المال والرِّياسة والزَّعامة أكثرُ فسادًا لدينه من الذّئبين للغنم.!
■ ولماذا هذا الانشغال بجمع المال؟ لأنه يحسَبُ إن ماله سيُخَلِّدُه؛ قال تعالى: {يَحْسَبُ إن مَالَهُ أَخْلَدَهُ}.
■ وهذا ظَنٌّ ومفهومٌ خاطئٌ؛ فإن كثرة جمع الأموال غالبًا لا تُقرِّبُ إلى الله؛ بل ربما كانت أعظم الملهيات عن ذكر الله وطاعته والجهاد في سبيله؛ وفي هذا يقول تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}.
■ وربما كان هذا المالُ سببًا في طغيانه ونسيانه للآخرة؛ كما قال تعالى: {كَلَّا إن الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * إن رَآهُ اسْتَغْنَى * إن إلى رَبِّكَ الرُّجْعَى}.
■ فما هو مصير هؤلاء؟ هذا ما تُجِبُنا عليه بقية السورة.
نسأل الله العظيم إن لا يجعلَ الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغَ عِلمِنا، ولا إلى النَّار مصيرَنا.
بَيَانِ شدَّة عَذَاب أصحَابِ هذه الصِّفَاتِ المذمومة:
■ قال تعالى: {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ}؛ والحطمة: من أسماء جهنم؛ وسُمِّيت بالحطمة لأنها تُكَسِّرُ العظامَ وتُحَطِّمُها.
■ يُسَاقُون إليها سوقًا عنيفًا، فيه زجرٌ وتهديدٌ ووعيدٌ؛ كما قال تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}، وقال تعالى: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا}، وذكر الله تعالى أحوالهم عندما يدخلون فيها: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا}.
■ ثم قال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ}؛ الاستفهام للتفخيم والتهويل من أمرها.
■ ثم فسرها بقوله: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ}؛ فالنار موقدة منذ آلاف السنين؛ أُوقِدَ عَلَيها أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ؛ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ.!
• وَقُودُها من الأحجارِ والكُفَّارِ؛ كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}، وقال تعالى: {إن الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ}.
■ ثم قال تعالى: {الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ}؛ وذكر الفؤادَ؛ قالوا: لأن القلبَ أشدُّ أعضاء البدنِ حساسيةً وتألُّمًا، وقيل: معنى تطلع على الأفئدة؛ أي أنها تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وقيل: لأن النار إذا وصلت للفؤاد أمرها الله تعالى بالكفِّ، وأمر الجسد إن يُبدَّلَ جلدُهُ؛ كما قال تعالى: {إن الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إن اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا}.
■ ثم قال تعالى: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ}؛ أي مُغلقةٌ؛ كما قال تعالى: (عَلَيْهِمْ نَارٌ مّؤْصَدَةُ}؛ وذلك لتقطع رجاء أهل النار من الخروج منها؛ فهذا الذي يحسَبُ إن ماله يُخلدُهُ؛ سيخلدُ في النار أعاذنا الله منها. وقيل: هي سواري يُقَيَّدُ عليها أهلُ النار.
• وعددُ أبوابِها سبعةُ أبوابٍ؛ كما قال الله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ}.
• فإذا دخلوها أُغلِقَت عليهم، فلا مطمع لهم بالخروج منها؛ كما قال تعالى: {يُرِيدُونَ إن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}، وقال تعالى: {كُلَّمَا أَرَادُوا إن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}.
نسألُ اللهَ العظيمَ إن يجعلنا من الناجين من النار، وأنْ يُدْخِلَنا الجنَّة دَارَ الأبرار.