التفاهة كمهدد للوعي الجمعي

73
3 دقائق
16 ذو القعدة 1447 (03-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

لا يمكن قراءة المشهد الثقافي والاجتماعي الراهن دون التوقف عند عدد من الظواهر التي طرأت على مجتمعاتنا العربية والإسلامية، والتي لم تعد مجرد سلوك فردي عابر أو تنتهجه مجاميع محصورة، بل تحولت إلى سلوك وتصرفات جمعية تشمل أغلب مناحي حياتنا اليومية. وصرنا في زمن يصدق فيه وصف زمن الرويبضة، حيث يتصدر المشهد من لا يملك الأهلية له، في حين يتوارى ويُهمَّش أصحاب الكفاءة وذوو الاختصاص. ومن هذه الظواهر التي أصابت مجتمعاتنا في مقتل ظاهرة انتشار التفاهة، التي سنحاول تسليط الضوء عليها في هذه العجالة.

والتفاهة في جوهرها، (إن كان لها جوهر)، هي طغيان الهامش على حساب الأصل والجوهر، كما أنها حالة تتوارى فيها القيم المعرفية والعلمية والأخلاقية لصالح السطحية والابتذال. ويعتبر الفيلسوف الكندي آلان دونو إن التفاهة أصبحت نظامًا اجتماعيًا يكافئ الشخصيات المتوسطة في الذكاء والخبرة والإنجاز، في حين يحارب التميز الحقيقي والمتميزين. وبحسب قوله، فإن هذا النظام لا يطلب منك إن تكون بارعًا، بل يريدك إن تكون ممتثلًا وقابلًا للاستهلاك. وهو عين ما نراه ونشاهده في محتوى التافهين والتافهات، فهم لا يروجون ولا يمجدون شيئًا ذا معنى أو قيمة، بل يصبون محتواهم في كل ما يجعل المتلقي مجرد سلعة استهلاكية لا تقدِّم ولا تؤخِّر.

وللأسف، فإن التفاهة تتغلغل اليوم وتنتشر في كافة نواحي وتفاصيل حياتنا، وقد أصبحت وسائل الفضاء الرقمي ووسائل التواصل أدواتٍ ومصانع لإنتاج النجوم الزائفين. وخوارزميات السوشيال ميديا لا تدعم المحتوى المفيد، بل توجهنا نحو المحتوى الأكثر إثارة، وهذا أدى بدوره إلى تصدير المحتوى التافه كنموذج للنجاح السريع. وعلى صعيد الخطاب الثقافي والفني، تحول من مخاطبة العقول إلى أنماط من الاستهلاك تعتمد على الإسفاف بهدف تحقيق مشاهدات أعلى، مما أدى إلى انحدار الذوق العام رويدًا رويدًا. والأخطر من ذلك إن التفاهة وصلت إلى التعليم، وصدّرت لنا هذه الآفة نماذج تعتبر النقاط والشهادات أهم من التحصيل، وصارت الترقيات، سواء كانت علمية أو وظيفية، تعتمد على المحاباة والوصول السريع على حساب الإبداع والابتكار، مما أوصلنا إلى ثقافة مؤسسية تافهة تقضي على روح المبادرة وتُقصي أصحابها.

إن انتشار التفاهة على هذا النحو أدى إلى اضطراب القيم، خاصة لدى الأجيال الصاعدة، إلى إن أصبح اليوتيوبر أو التيك توكر قدوة الأجيال بدلًا من العالم أو الأديب، واختل ميزان النجاح ليصبح الشهرة هي المعيار الأهم عوضًا عن العمل والجد والتحصيل. وأدى هذا الانتشار إلى ترسيخ ذلك في الوعي الجمعي من خلال إشغال الناس بقضايا هامشية عوضًا عن الانشغال والتفكير بما يهم مستقبلهم ومستقبل أوطانهم وأمتهم. كما أدى إلى انتشار الهشاشة النفسية المبنية على المقارنة المستمرة بين الحياة الواقعية والواقع المثالي الذي يعرضه متصدرو وسائل التواصل من التافهين، وهذا أدى بدوره إلى سيادة حالة من الفراغ والقلق والإحباط لدى أطفالنا وشبابنا، وحوّلهم إلى مجرد مستهلكين مثاليين ينساقون وراء الإعلانات البراقة، وإن كانت فارغة المضمون.

ومعلوم إن هذا الانتشار المخيف للتفاهة ورموزها والمروجين لها إنما يقف وراءه شركات بآليات اقتصادية ترى في الإنسان التافه، ومتابعيه والمتأثرين به، مستهلكًا مثاليًا تسوقه الإعلانات، وتحوله في نظرها إلى سلعة. وتعمل على ترميز التافهين وجعلهم مؤثرين من خلال التلميع والدعم عبر الخوارزميات، مع التحصين لهم بشعارات ولافتات براقة مثل حرية التعبير ونحوها، حتى يتحول هذا التافه إلى أداة للهيمنة، يمرر القيم الاستهلاكية ويسطح وعي الجماهير بكل سهولة ويسر.

وحتى نتجنب كل ذلك، علينا إن نتكاتف معًا، وأن نكون يدًا واحدة في محاربة التفاهة والتافهين، حفاظًا على أنفسنا وأبنائنا، من خلال وسائل بسيطة وسهلة، أهمها:

إلغاء المتابعة والإعجاب والمشاركة، فكل ما يملكه التافه هو انتباهك ومتابعتك ومشاركتك، بالإضافة إلى ترك التعليقات والابتعاد عنها، حتى وإن كانت نقدًا أو سخرية، فكل تعليق، وإن كان في نظرك نقدًا، يساهم في نشر محتواه، وأفضل طريقة هي ألا تعطيه اهتمامك.

اقرأ بطريقة ناقدة، وكن صاحب وعي، وربِّ أبناءك وأبناء الجيل القادم على ذلك، واطرح عليهم وعلى نفسك هذا السؤال بشكل مستمر: ما القيمة التي أضافها إليَّ قراءة هذا المنشور أو مشاهدة هذا الفيديو؟

تعزيز القيم المجتمعية القائمة على احترام العقل، ودعم النخب الهادفة التي تقدم محتوى صحيحًا من الناحية العلمية والقيمية، وجعل القيمة العلمية العميقة هي الأساس للانتشار بدلًا من الشهرة الكاذبة.

وعلى كلٍّ، فإن التفاهة ليست قدرًا محتومًا، بل هي خيار فردي ومجتمعي يمكننا التخلي عنه وتركه وراء ظهورنا، والانتباه والالتفات إلى كل محتوى ذي قيمة يصنع وعيًا ويترك أثرًا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق