بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
اتقوا الله عباد الله، {فمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. و{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.
معاشر المؤمنين الكرام: الزواج آيةٌ من آيَاتِ الله الْعَظِيمَةِ في خلقه، قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ إن خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إن فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. والزواج سنة من سُنَنِ المُرْسَلِينَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}.
والزَّوَاجُ مِنْ أعْظَمِ النِّعَمِ، فِيه مُوَافَقَةُ للفِطْرَةِ، وَاتِّبَاعُ للسُّنَّةِ. وفِيهِ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ، وفِيهِ الْأُنْسُ والسَّكَنُ، وفِيهِ المَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ، وفِيهِ غَضُّ البَصَرِ وَإِحْصَانُ الفَرْجِ، وَبِهِ حُصُولُ الوَلَدِ، وَتَكْثِيرُ النَّسْلِ، وَحِفْظُ النَّسَبِ، والمصَالِحُ التي تتحقق به أعظم وأكثر من إن تحصر.
وَقد رَغِبَ الْإِسْلَامُ فِي الزَّوَاجِ وَحَثَّ عَلَيْهِ، ففي الحديث المتفق عليه، قَالَ ﷺ: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمِ الْبَاءَةَ فَلَيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُ لِلْبَصَرِ وَأَحْصِنُ لِلْفَرَجِ"، بل قَالَ ﷺ لِمَنْ رَغِبَ عَنْ الزَّوَاجِ: "أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"، والحديث مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَجَاءَ الْإِسْلَام مُطْمَئِنًَّا لِقَلُوب الخائفين مِنَ تَحَمُّلِ أَعْبَاءِ الزَّوَاجِ وَمَسْؤُولِيَّاته؛ فَقَال تَعَالَى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، وَقَالَ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: وذكر منهم: وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ". قَالَ أَبُو بِكْرٍ الصَّدِيقُ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ: *أَطِيعُوا اللهَ فِيمَا أَمْرَكُمْ بِه مِنَ الزَّوَاجِ يُنْجِزْ لَكُم مَا وَعْدَكُمْ مِنَ الْغِنَى*، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ: *اِلْتَمَسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ*. فالعزوف بعد ذلك فيه اسْتِجَابَةٌ لِلشَّيْطَانِ؛ الَّذِي قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
لكن المؤسف له إن هُنَاكَ مُشْكِلَةً خَطِيرةً تُؤْذِنُ بالحرمان من كل هذه المصالح والخيرات الكثيرة، بل وتنذر بِخَرَابِ الْبُيُوتِ وَفَسَادِ الْأَخْلَاقِ، ألا وَهي غَلَاءِ الْمُهُورِ وارتفاع تكاليف الزواج؛ فَقد بَلَغَتْ فِي بَعْضِ الْأَوْسَاطِ، حَدًّا لَا يُطَاقُ إِلَّا بِجِبَالٍ مِنَ الدُّيُونِ الَّتِي تُثْقِلُ الكَاهِلَ. وَالشَّرِيعَةُ رَغِبَتْ فِي الْاِقْتِصَادِ فِي الْمُهُورِ وتقليل تكاليف الزواج؛ ففي الحديث الصحيح، قال ﷺ: "خَيْرُ النكاحِ أَيْسَرُه"، "وخَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُه". ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً: أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقًا". وَقَدْ أَنْكَرَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى الْمُغَالِينَ فِي الْمُهُورِ، فَلَمَّا جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ مِنَ الْفِضَّةِ، فَقَالَ ﷺ: "عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ". والحديث في مُسْلِمٌ.
وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدُقَاتِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَىً فِي الْآخِرَةِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَةً».
وَقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟" قَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"، فَلَمْ يَجِدْ، فَقَالَ: "أَمَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟"، قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا، فَقَالَ: "قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" والحديث أصله في الْبُخَارِيُّ.
والحياةُ الزوجيةُ السعيدةُ: إنما تَقُومُ على الدينِ والأخلاقِ الفاضلة؛ وأَمَّا تقديمُ المالِ على حسابِ الدِّيْنِ، فضلال بين، وفسادٌ كبير! في الحديث الصحيح، قال ﷺ: "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ، وفَسَادٌ عَرِيضٌ".
فينبغي للعقلاء إن يتوسطوا فِي الْمُهُورِ مَا أَمْكَنَ، وَأن يتَرْكُوا التَّكَلُّفِ والمغالاة، وأن يعتدلوا فِي النَّفَقَةِ بِمَا لا يجحف بحق الزَّوْجِ، وَلَا يَضَرُّ بحق الْمَرْأَةِ.
وَبَعْضُ الْفَتَيَاتِ هَدَاهُنَّ اللَّهُ يَرْفُضْنَ الزَّوَاجَ بِحُجَجٍ وَاهِيَةٍ، حتى يَمْضِي بِهِنَّ قِطَارُ الْعُمُرِ، إما مبالغة في الشروط، أو تَفْضِيلٌ للدِّرَاسَةِ وَالْوَظِيفَةِ عَلَى الزَّوَاجِ، أو لغيرها من الأسباب المؤدية للْعُنُوسَةِ وتأخر الزواج، وكل ذلك كما في الحديث فتنة وفسادٌ كبير.
أَلَا فَلْتَتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَلْتَتَضَافَرِ الْجُهُودُ، فِي الْحَثِّ عَلَى تَسْهِيلِ أُمُورِ الزَّوَاجِ، وَتَيْسِيرِ أَسْبَابِهِ، وَنَشْرِ الْوَعْيِ بِذَلِكَ، وَإِعَانَةِ الرَّاغِبِينَ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله.
{يا أيها الذين لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
اتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا من {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَاب}.
معاشر المؤمنين الكرام: إذا كثُرَت الشواغل والملهيات، أصيبت القلوب بالوهن والفتور، وركنت النفوس إلى الغفلة والهوى، واشتدت الحاجة للتذكير والمواعظ، فبها تحيا القلوب، وتقوى العزائم، وتنشط الهمم، {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِين}. {إن الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُون}.
وأول وأولى الوصايا ما أوصى اللهُ به عباده في كتابه، وصيّته سبحانه للأوّلين والآخرين: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ إن اتَّقُوا اللَّهَ}. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون}.
وسل نفسك دائمًا: ما الذي سيبقى معي حين أوسّد التراب؟. وما الذي أعددته ليوم الحساب؟. فالله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إن اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون}. ويقول سبحانه: {وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب}.
ثم اعلموا إن الإخلاص هو الأساس، وأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، صوابًا وفق سنة نبيه ﷺ، وأنّ اتباع الهوى أصلُ كل خطيئة، وأنّ النفس لا تجتمع على الله إلا بمخالفة هواها. فاحذروا الهوى، فالهوى يُعمي عن الحق، ويزيّن الباطل، ويصدّ عن سماع الموعظة. في الحديث الحسن، قال ﷺ: "ثلاثٌ مُهلِكات: شحٌّ مطاع، وهوى متَّبع، وإعجابُ المرء بنفسه" فاحذر أيها العاقل هواك، فهو في القرآن قرينُ الضلال والهلاك، قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}.
وجاهد نفسك، فالنفسُ لن تستقيم لوحدها، ومن جاهد نفسه وهواه، أعانه الله وهداه، ويسر له سبيل رضاه. {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.
جاهد نفسك، فهي أمّارةٌ بالسوء إلا ما رحم ربي، وإن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تقُدْها إلى الخير قادتك إلى ضده. {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.
جاهد هواك، فمن لم يجاهد الهوى هوى، ومن لم يخالف هوى النفس تخلف، ومن لم يقاوم طباعها طُبع على قلبه. قال الحسن البصري: *ما زالوا يجاهدون أنفسهم حتى هانت عليهم*.
والقلب هو مَلك الجوارح، إذا صلح القلبُ صلح الجسدُ كلّه، وإذا فسد القلب فسد الجسد كله. فطهّر قلبك من حظوظ النفس، وآفات الهوى، ونقهِ من الكِبر، فإنه يحرم التوفيق، وطهرهُ من الحسد فإنه يأكلُ الحسنات كما تأكلُ النار الحطب، واحمهِ من الرياء وطلبِ السمعة فإنه يفسدُ الاعمالَ كما يفسدُ الخل العسل. واغسلهُ كل يومٍ بوابل التوبة، وأضئهُ بأنوار العلم، وطيّبهُ بعطور الذكر، وآنسهُ بمناجاة الله في الخلوات. وتفكّر في حالك، وراقب نيتك، وجدد توبتك، وأحكمْ إدارةَ وقتك، فإنه رأس مالك.
وإياك إن تعتادَ الغفلة، فإنها داءٌ فتاك، ولا تركن إلى الفتور، فإنه قاتلُ العزائم. وصاحب أهل الصلاح، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، وتعلّم ممن سبقك، فهكذا وصل كل من كان قبلك.
وافعل الخير، ولو كان قليلًا، فقليلٌ مستمر خير من كثيرٍ منقطع، وازرع المعروف، ولو في أرضٍ قاحلة، فإنما تزرعه ليثمر في الآخرة. ومع الإخلاص وصدق النية فإن الله يربي اللقمة حتى تكون مثل جبل أحد.
واعلم إن *خير الناس أنفعهم للناس*، وأنَّ أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ تدْخِلُهُ على مسلمٍ. وأن أعظم أسباب السعادة: إن تجعل محبة الله غايتك، ورضاه مطلبك. في الحديث القدسي الصحيح: "وما تقرّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ"، فاجتهد إن تكون من أحباب الله، فليس بعد حبّه غاية، ولا أعظمَ من رضاهُ أمنية، فمن أحبه الله، فقد أفلح فلاحًا مبينًا، وفاز فوزًا عظيمًا.
واعلم إن أعظم ما يُغرس في القلب هو تعظيمُ الرب جلّ جلاله. فمتى ما سكن هذا المعنى العظيم أعماقَ القلب، استقام العبد على أمر الله. وما من وصية أحق إن تُجعل تاجًا على الوصايا من هذه الوصية. قال الامام ابن رجب: *أصل المعاصي كلها قلّة تعظيم الله في القلب*. وقال بعض السلف: إذا عظّم العبد ربه ترك هواه، وقدّم أمر مولاه على أمر كل من سواه.
فاغتنموا يا عباد الله فرص الخير السانحة فالحياة فرص، واسْتَبِقُوا الْخَيْرَات، {وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين}.
ولا تهملوا الاستغفار، فإنه سبب لمغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، وتحسين الأحوال، وبسط الأرزاق، وتيسير الأمور، قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}. وفي صحيح البخاري قال رسول الله ﷺ: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". وفي أثرٍ صحيح المعنى: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن ضيقٍ مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب".
واختم الوصايا بهذه الوصية الغالية فقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: "مَن عَجَزَ مِنكُم عَنِ اللَّيلِ إن يُكَابِدَهُ، وَبَخِلَ بِالمَالِ إن يُنفِقَهُ، وَجَبُنَ عَنِ العَدُوِّ إن يُجَاهِدَهُ، فَلْيُكثِرْ ذِكرَ اللهِ".
ألا فاتقوا الله، وخذوا بأحسن ما سمعتم، واثبتوا على الحق ما استطعتم، واعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا.
ويا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.