التقريب بين المذاهب

82
1 دقائق
17 ذو القعدة 1447 (04-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

س: ما رأيك في مسألة التّقريب بين المذاهب؟

ج: إن كان المقصودُ بالتّقريبِ تغييرَ المذهبين، بأن يتنازلَ كلٌّ عن بعضِ ما يَعتقِد، ويُحدِثا مَذهبًا واحدًا مشترَكًا- فذلك -بشَهادةِ الواقعِ- غيرُ ممكن، وقد أثبتَت التّجارِبُ الطّويلةُ إخفاقَه وعدمَ جَدواه؛ لتمسُّكِ كلّ فريقٍ بما عندَه، واعتقادِه حَقِّيّةَ ما لديه، ورسوخِ هذا الاعتقادِ على مَمَرِّ الزّمان.

لكنّني -مع هذا- أعتقِدُ ضرورةَ التّقريب بينَ أصحابِ المَذاهب؛ وذلك:

- بأن يَحترِمَ كلُّ صاحبِ مذهبٍ اختيارَ اﻵخَر، إذا تحقَّقَ إن له مأخَذًا شرعيًّا، ومستنَدًا جاريًا على أصولِه ومَبانِيه (إذ أصولُ الفِرَقِ في قَبولِ الأخبار وتفسيرِها، ومسالكُها في الجمعِ بينها، وحلِّ تعارُضِها ودفعِ إيراداتِها- متبايِنةٌ لا تَلتقي).

- وبأن يَتفهّمَ إن مُخالِفَهُ مُعتقِدٌ لما يَراهُ الحقَّ، الموافقَ لمرادِ الله تعالى، ومرادِ رسوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم؛ اعتمادًا على ما صحَّ لديه مِن النُّقولِ والآثار، ولا سيّما في مسائلِ الخلافِ الحادثةِ بعد زمانِ الصّحابةِ رضي الله عنهم.

ويَنبغي ألّا يُقدِمَ واحدٌ من المختلفِين -في ما هذا شأنُه- على الحكمِ على مُخالفِه بالعِنادِ واتّباعِ الهوى لردِّه حُجَّتَه بحُجَّتِه، وعليه إن يَتحامى إطلاقَ الكفر عليه ما دامت الشُّبهة، ويفوِّض حسابَه إلى الله، مع صيانةِ أصولِ الدِّينِ الجُمليّةِ الّتي دَلَّ عليها حديثُ سيّدنا جبريلَ المشهور.

ولْيُعلَمْ إن ما ذكرتُه مقصورٌ على أهلِ النّظَر من المتنازعِين، ولا يَمنعُ ذلك من تباحُثهم في مسائلِ النّزاع، على مقتضَى قانونِ العِلم، ومُوجَبِ آدابِه المَرعيّة، وأمّا العامّة فلا يَسعُهم الدخولُ في هذه المَضايقِ أصلًا، وإقحامُهم في أتُّونِ الخلافِ سَفاهةٌ أيُّ سَفاهة!

والحاصلُ: إن الفُرقةَ أمرٌ واقع، ما له مِن رافع، وعلى عُقَلاءِ العلماء مِن جميعِ الفُرَقاء إن يُنزِلوا مسائلَ الخلافِ مَنازلَها، ويَرُدُّوها إلى أصولِها، ويُباحِثَ بعضُهم بعضًا فيها، ثُمّ يَتجاوَزوا بالعامّة أمرَ الاختلافِ إلى الاجتماعِ ضدَّ الأحداثِ الّتي تهدِّد الدِّينَ نفسَه، وتَطعنُ في ثوابتِه، ولا تَستهدفُ طائفةً بعينِها، لا إن يُذكوا نارَ الحربِ بينَ المسلمين، حتى تُحرِقَهم أجمعين، على ما تَراهُ مِن الحمقى والمتعصّبِين، ولا حولَ ولا قوّةَ إلّا باللهِ العظيم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق