المطلق والمقيد في النهي

51
5 دقائق
20 ذو القعدة 1447 (07-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحسن الله إليك، ذكر في المسودة إن المطلق لا يحمل على المقيد إذا كان في حالة النهي ثم علق ابن تيمية:

(قلت وإذا كانا إباحتين فهما في معنى النهيين وكذلك إذا كانا كراهتين، وإن كانا ندبين ففيه نظر).

١- لم يتضح لي وجه إلحاق المكروه والمباح بحالة النهي؟

٢- ولماذا لم يلحق الندب بهما؟

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

حياكم الله أخي الفاضل. المطلق لا يحمل على المقيد حال النهي والنفي الشرعي، ويجب التنبه إلى إن حمل المطلق على المقيد في النهي والنفي ليس من مسائل المطلق والمقيد، إنما من مسائل العام والخاص، فإن المطلق أي النكرة في سياق النفي أو النهي يعم، فهو أحد صيغ العموم، وبالتالي ينظر فيه بهذا الاعتبار، وقد نص غير واحد من الأصوليين على إن محل هذه المسألة العموم والخصوص لا المطلق والمقيد: كالمرداوي في التحبير وغيره، لكن ذكرت في المطلق والمقيد بيانا لمسائلهما.

فإذا جاءت النكرة في سياق النفي أو النهي هل تخص؟

غالب الأصوليين لا يخص النكرة في سياق النفي، قال القرافي: "وقع في كتب العلماء التسوية بين الأمر والنهي في حمل المطلق على المقيد، وليس الأمر كذلك. والإمام فخر الدين في المحصول وغيره نص على التسوية بينهما، وليسا بمستويين"(الفروق).

ومأخذهم في التفريق مقام على ثلاثة أصول، الأصل الأول هو المعتبر، والآخران لا يختصان بالنهي بل يدخل فيهما الأمر أيضا:

١- إن النهي المقصود منه إعدام المنهي عنه ونفيه، أي إعدام كل الصور فإذا جاء النهي مطلقا، فالناهي يريد إذهاب كل الصور، ومتى خص بصورة من صوره اقتصر النهي على هذه الصورة وصارت بقية الصور لا يشملها النهي، وهذا لا يحقق مقصد الناهي بل يناقضه، كما في النهي عن الزنا مثلا: فالأصل إن الزنا يشمل كل الصور لا يستثنى صورة منه بأي امرأة، فإذا جاء النهي عن الزنى بحليلة الجار فلا يخص النهي بهذه الصورة، بل تكون الصورة المذكورة أشنع وأبشع الزنا مع بقاء أصل حرمة الزنا العامة، ومثله النهي عن الربا، فإذا جاء النهي عن الربا أضعافا مضاعفة فلا يخص بهذه الصورة، فهذه الصورة أشنع لكن يبقى أصل النهي قائما، وكما في النهي عن مس الذكر باليمين عموما، ثم جاء النهي عن مسه حال البول فهذه الصورة أشد لا أنها مخصصة لعموم النهي.

وقد يذكر بعض الصور المنهي عنها للتنبيه على ما يكون أعلى منها، كما في النهي عن التأفيف: "فلا تقل لهما أف" فيكون المقصود التنبيه بها على ما هو أشد منها. وفي كلا الحالتين لا يكون هذا تخصيصا حال النهي، وكما قيل أيضا في النهي عن مس الذكر باليمين عموما ثم جاء النهي عنه أثناء البول فيكون هذا من التنبيه على ما سواها كما يقوله بعض العلماء.

وهذا بخلاف المثبت بالأمر، فعندما يأمر بحكم مطلق فلا يعم فيكفي فيه صورة واحدة كما قول قال: "صم يوما"، فإذا قيده بصورة فينصرف إليها لأنه يحقق مقصد الآمر"صم يوم الخميس"، لأنه يكفي في الأمر صورة واحدة يتحقق به مراد الآمر فمتى قيده بصورة يحصل المراد منه بهذه الصورة، لكن هذا بشرط انطباق شروط حمل المطلق على المقيد.

وكذا في العام المثبت: مقصد الآمر بأمر عام إثبات الحكم لكل الصور: "إن الإنسان لفي خسر"، ثم إذا خصت منه صورة تخرج هذه الصورة ويبقى ما عداها على أصلها: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، أما النهي فالعكس عند التخصيص ينتفي النهي عن كل الصور إلا الصورة التي خصت به. وبهذا يظهر الفرق بين النهي والأمر في الإِطلاق والتقييد والعموم والخصوص.

٢- إن الصور المذكورة في النهي الخاص هي أحد أفراد العموم، والقاعدة: إن ذكر أحد أفراد العموم لا يخص بها العام بل تكون مؤكدة للعموم، لا أنه ينفي الحكم عن غيرها، فإن العرب قد تخص بعض أفراد العموم بمزيد من العناية في النهي أو الأمر مع بقاء أصل دلالة العموم على أفراده. وهذا لا يختص بالنهي بل حتى الأمر ذكر بعض أفراد العموم لا يخص به العام، بل يؤكد المذكور، دون نفي غيره. فهذه القاعدة ليست هي المؤثرة بهذه المسألة لأن الأمر مثل النهي فيها. لذا قال الزركشي: "فلا وجه لذكره ههنا".

٣- مما قيل: إن هذه المسالة أيضا: لها تعلق بالاعتداد بمفهوم المخالفة فمن لا يعتد به كالأحناف وغيرهم: يفترض أنهم لا يخصون النهي المطلق بذكر أحد أفراده، لأنه لما يقول الطبيب: لا تشرب قهوة، ثم يقول لا تشرب قهوة حارة، فمن يأخذ بمفهوم المخالفة يرى تعارضا بين اللفظين فيحمل المطلق على المقيد ليتخلص من التعارض فلا يقوم النهي إلا على القهوة الحارة دون غيرها، أما من لا يأخذ فيبقي المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده دون حمل المطلق على المقيد، فيعمل بكلا الأمرين، ويكون القصد من التقييد التأكيد على نوع خاص من القهوة وإلا الأصل بقاء النهي العام.

وهذه غير مؤثرة في مسألة النهي بعينها بل الأمر مثلها.

لذا فالصحيح إن المؤثر الأصل الأول، وما عداه فهو مؤثر في النهي والأمر معا.

إذا نظرنا في المكروه: فالمعنى فيه نفس المعنى في المحرم لأن المعتبر فيه النهي وهو واقع في المكروه كوقوعه في المحرم لا فرق، إلا إن المكروه أضعف من المحرم فيكون احتمال ورود التقييد أقوى فيتحرى في كل نهي بعينه هل يحمل المطلق على المقيد أو لا يحمل.

أما المباح: فمقصد المبيح رفع الحظر عن كل الصور فإذا جاء تأكيد على صورة من الصور بإباحتها فلا ينفي غيرها، فلو قال الطبيب للمريض: "لك إن تأكل لحما"، ثم قال: "لك أكل لحم إبل"، فلا ينفي غيره عنه، بل يؤكد إباحة لحم الإبل خاصة، ولا ينفي الحكم عما عداه من اللحم.

وفي قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] فالزينة هنا مطلقة منفي تحريمها لإباحتها، فلو جاءت صورة بإباحة زنية منها كما في إباحة النساء أو المال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] ، أو الثوب الحسن أو النعل الحسن، فهذه الصور لا نحمل عليها المطلق، فلا ينفي غيرها لأنها جزء من الزينة المطلقة، فلو حمل لناقض أصل مقصد المتكلم في إباحة الصور كلها إذ هذا مقصود الإباحة، قال ابن دقيق العيد: "إن المطلق لا يحمل على المقيد في جانب الإباحة إذ لا تعارض بينهما، وفي المطلق زيادة"(البحر المحيط).

أما الندب ففيه تردد ونظر: فيحمل المطلق فيه على المقيد لأن الندب أمر وفي الأوامر الأصل حمل المطلق على المقيد إذا تحققت شروط الحمل، لكن لما كان مقصد النادب توسيع الندب والإكثار منه صار ليس كالواجب محدد الصور بل مراده توسيعه والإكثار منه فلا تعمل القيود فيه، فصار فيه تردد بين إلحاقه بالواجب فيحمل المطلق على المقيد، أو إلحاقه بالإباحة فلا يحمل طلبا لسعة الندب والإكثار منه، فمثلا: الأحاديث التي جاءت بالحث على الصدقة المطلقة، ثم جاء حديث يحث على الصدقة على ذي "الرحم الكاشح"، أو الصدقة على القريب عموما، فهذه الأحاديث لا تقيد عموم الأحاديث التي بالحث على مطلق الصدقة لأن مقصد النادب سعة الصدقة وتكثيرها لا تقييدها وتضييقها. والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق