بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
شرعنا في رمضان 1446 ه في قراءة كتاب (الإكليل في استنباط التنزيل) للحافظ السيوطي (ت ٩١١) رحمه الله، وسيكون ها هنا تعليقٌ يوميٌّ منِّي على بعض المواضع، أعتني فيه بأمرين:
⏺تقرير الاستدلال بالآية.
⏺مناقشة الاستدلال.
أوَّلًا: تعريف موجزٌ بكتاب الإكليل:
هو كتابٌ قصد فيه مؤلِّفه إيراد ما افترعته قرائح العلماء قبله من الاستدلال بالآيات القرآنيّة على المسائل العلميَّة: أصولية كانت أو فقهية أو عقدية، فهو ينبوع استدلالات العلماء، وخزانة قرائح الفضلاء، وقد ساقه على ترتيب السُّور من أول المصحف إلى آخره.
ثم إنَّه جرّد هذه الاستدلالات في الغالب من بيان مأخذ الاستدلال، ومن تصحيح الاستدلال أو تزييفه، ومن بيان المُستدِلّ؛ فجاء كلامه جمعًا مجرّدًا للاستنباطات التي أخذت من الآيات.
فهو (كتاب استنباط) لا (كتاب تفسير)، إلا في مواضع سلك فيها مسلك الجمع بين التفسير والاستنباط، لأنَّ فهم الاستنباط في تلك المواضع كان متوقّفًا على معرفة التفسير.
قال رحمه الله في المقدِّمة:
«فعزمتُ على وضع كتاب في ذلك، مهذَّب المقاصد، محرَّر المسالك، أورد فيه:
١- كلَّ ما استُدِلَّ به عليه:
أ- من مسألة فقهيَّة.
ب- أو أصليَّة
ج- أو اعتقاديّة.
د- وبعضًا مما سوى ذلك.
٢- مقرونًا بتفسير الآية، حيث توقَّف فهم الاستنباط عليه، معزوًّا إلى قائله من الصحابة والتابعين، مخرّجا من كتاب ناقله من الأئمة المعتبرين» ا. ه.
وقوله في آخره: «معزوًّا إلى قائله. إلخ» يعني به: عزو التفسير، لا الاستنباط؛ فإن الاستنباطات ليست معزوَّة في الغالب كما تقدّم.
ثانيًا: طبعات الكتاب والطبعة المعتمدة:
لكتاب الإكليل عدَّةُ طبعات، المُحقَّق منها اثنتانِ:
▫️الأولى: طبعة دار الأندلس الخضراء، تحقيق: د. عامر العرابي. في ثلاثة مجلدات. وهي فُضلى الطبعتين، غير أنها طويلة الحواشي والمقدمات الدراسية.
▫️الثانية: طبعة مكتبة فياض، تحقيق: عادل شوشة. وهي طبعة جيدة في مجلد واحد (٧٠٠ صفحة).
وستكون هذه الطبعة هي المعتمدة في القراءة؛ لقلة حواشيها، فهي أيسر قراءة وإدراجًا، والنَّصُّ المُثبَت فيها مستقيم.
ثالثًا: آليّة القراءة ومنهجية التعليق:
⏺آليَّة القراءة:
سننتهج في هذه القراءة طريقة القراءة الجماعية، على هذا الوجه:
١- يُقسَّم الكتاب على أوراد يوميَّة، من اليوم الخامس من رمضان حتى آخر الشهر بإذن الله.
٢- يُوضَع جدولٌ يشتمل على قسمة جميع الأوراد على الأيَّام.
٣- يُوضَع في مطلع كلِّ يوم الورد الجديد في ملف pdf مفردًا.
٤- يكون نصيبُ كلِّ يوم نحو (٢٥-٣٠) صفحة.
⏺منهجيَّة التَّعليق:
لمَّا كان المؤلِّف رحمه الله قد أخلى كتابه من بيان وجه الاستدلال والانتزاع من الآية، ولم يعرّج على نقد الاستدلالات وتقويمها، صار هذا مجالا مهمًّا ينبغي العناية به، فلا تكمل فائدة القراءة إلا بهذا الوجه من التعليق، الذي يجمع بين غرضين:
الأول: الإبانة عن وجوه الاستدلال ومآخذ الانتزاع.
الثّاني: النقد والمناقشة للاستدلال تصحيحا أو تزييفا.
فهذا هو المقصود من هذه التعاليق.
وأما المنهج المتَّبع في التّعاليق؛ فهو على هذا الوجه:
١- أنتخب من كلِّ وردٍ مواضع معيّنة أرى أهمية التعليق عليها، لعموم نفعها، أو إشكالها، أو تعلقها بمعانٍ عالية شريفة، ثم أثبت التعليق عليها ها هنا مكتوبًا، يفيد منه القراء في وقت قراءتهم أو بعدها.
٢- أوجز التعليق قدر الاستطاعة، حتى يكون سهل القراءة، قريب التحصيل، إلا في مواضعَ رُبَّما استدعَتْ نوعَ إطالةٍ.
٣- أتيح المجال أسفل «خانة التعليقات» ليبثَّ القراء الكرام ما يعِنُّ لهم من إفادات وتعليقات وسؤالات واستشكالات. وأرجو الالتزام في التعليقات بعدم الخروج عن المقصود، وعدم الإطالة في البحث؛ حتى لا تضيع الفائدة.
فاتحة التعليق على الوِرد الأول:
اشتمل هذا الورد على ثلاث موادّ:
⏺المادة الأولى: خطبة الكتاب، وقد ضمّنها السيوطي رحمه الله مسألةً مهمَّةً ذات شُعبٍ، وهي: اشتمال القرآن على جميع العلوم. وسيرد عليها مناقشة مهمة.
⏺المادة الثانية: مقدِّمة لطيفة عقب الخطبة، ضمّنها السيوطي الكلام على مسألتين:
الأولى: الخلاف في عدد آيات الأحكام، وهل يقتصر استنباط الأحكام على آيات الأحكام؟
الثانية: طرق الدلالة على الأحكام (طرق استنباط الأحكام من القرآن).
وهي فائدة متمّة للأولى، مبنية عليها، منتزعة من كتاب: (الإمام في بيان أدلة الأحكام) للعز بن عبد السلام رحمه الله، وهو كتابٌ بديع الطِّراز، نادر المثال.
⏺المادّة الثالثة: سورة الفاتحة وما أُخِذ منها من الاستنباطات. وهي أول الكتاب.
فهذه جملة الموادّ التي عرض لها الحافظ السيوطي رحمه الله في هذا الورد، وسأعود في منشوراتٍ قابلة إلى التعليق عليها مادّةً مادّةً، مع ترسُّم الإيجاز والاكتفاء بالإلمام دون الإحاطة ما أمكن.
تمام التَّعليق على الوِرد الأوَّل (١):
⏺المادّة الأولى: خطبة الكتاب.
ضمّن المؤلِّف رحمه الله هذه الخطبة مسألةً مهمَّةً ذات شُعبٍ، وهي: (اشتمال القرآن على جميع العلوم)، وهي مسألة تفتقر إلى تفصيل.
وقد أورد فيها وأصدر، وأعاد وأبدأ، وينتظم كلامه في ثلاثة تقريرات:
📌 التَّقرير الأول: اشتمال القرآن على جميع السُّنّة، وأنّ جميع السُّنّة شرح للقرآن، وأنه ليس في السُّنة حديث إلا وله أصل في الكتاب، قرب أو بعد.
وأورد أطرافًا في هذا المعنى، من كلام الصحابة كابن مسعود، والتابعين كسعيد بن جبير، والأئمة كالشافعي، وكلام بعض المفسرين كابن برَّجان، الذي له في هذا الباب تفسير بناه على هذا الغرض.
وهذا تقرير سديد حسن، إلا إن المؤلف رحمه الله يعزو للشافعيِّ الكلام في هذا الباب بالمعنى، كما نقل عنه: *جميع السنة شرح للقرآن*، وأقرب الألفاظ لذلك ما ذكره الشافعي رحمه الله في «أحكام القرآن» (ص١٦٠):
«سنّته ﷺ لا تعدو واحدًا من الوجوه التي ذهب إليها أهل العلم أنَّها تبيينٌ عن كتاب الله جل ثناؤه:
- إما برسالةٍ من الله.
- أو إلهامٍ له.
- وإما بأمرٍ جعله الله إليه؛ لموضعه الذي وضعه الله به من دينه».
وللشافعي نصٌّ آخر قريب منه في «الرِّسالة» لكن هذا أبيَنُ منه.
قلت: والظاهر إن الفرق بين الرسالة والإلهام: إن الرِّسالة هي الوحي الظاهر، والإلهام هو الوحي الباطن «النفث في الرُّوع» و«الرؤيا المنامية»، كما أشار الشافعي في سياق كلامه الآنف إليه.
فهذان كلاهما وحيٌ.
وأما القسم الثالث: «بأمرٍ جعله الله إليه» فهذا الأمر هو: الاجتهاد، بقرينتين:
الأولى: قرينة الجَعْل «جعله الله إليه»، وهي بمعنى: (فوَّضه، وأذن له).
الثانية: قرينة الوَضْع «لموضعه الذي وضعه الله به من دينه». أي: وهو موضع الإبانة عنه تعالى.
وفي حكاية الشافعيِّ عن بعض أهل العلم قبل هذا الموطن: ما يشعر إن القسم الأخير هو عينه القسم الثاني «الإلهام»؛ فلا يكون في حقيقة الأمر إلا قسمان: رسالة من الله، وإلهام منه. وتحقيق هذا له موطن آخر.
📌التَّقرير الثَّاني: اشتمال القرآن على جميع العلوم الشرعيّة الحادثة في الملّة.
وهذا تقرير سديدٌ، نقل فيه عن المرسي نصًّا طويلا ينبئ عن إن العلوم الشرعية كالتفسير والأصول والفقه والعقيدة وعلوم البلاغة مستخرجة من القرآن.
وهذا التقرير لا إشكال فيه إن حُمل على إن هذه العلوم وُجدت أصولُها، وكثير من تفاصيلها في القرآن، لا إن القرآن اشتمل عليها جميعا.
📌التَّقرير الثالث: اشتمال القرآن على جميع العلوم، حتى العلوم الرياضية والطبية والطبيعية، بل على كل شيء!
قال السيوطي: «وأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء، أما أنواع العلوم؛ فليس منها بابٌ ولا مسألة هي أصلٌ إلا وفي القرآن ما يدلُّ عليها».
وهذا الإطلاق محلُّ نظرٍ؛ إذ يفضي إلى نسبة كل علمٍ إلى القرآن، وهو مسلكٌ غالٍ نقده المحقِّقون، كالشاطبي في «الموافقات» حين عرض لمسألة: «أمِّيَّة الشريعة» في أقسامها الثلاثة: أُمِّيَّة المعهود العلميِّ، وأُمِّيَّة المعهود اللِّساني، وأمِّيَّة المعهود التكليفي.
وإن كان الشاطبي رحمه الله بالغ في النفي كما بالغ السيوطي في الإثبات؛ فإن الشاطبي جعل معنى «أُمّيَّة المعهود العلمي» في الشريعة: ألا يأتي القرآن من العلوم والمعارف إلا بما عهدتْه العرب وكان مألوفًا لها أو كان من جنس ما تعهد، وهذا فيه نظر ظاهر، وقد ناقشه الشيخ عبد الله دراز رحمه الله فيه؛ فأجاد وأحسن، ففرقٌ بين إن يقال: لا يُحملُ كلُّ علم على القرآن، حتى لا يقال: في القرآن جميع العلوم، وبين إن يقال: ليس في القرآن إلا علوم العرب ومعارفهم!
بل الحق بين هذين الطرفين؛ فاشتمال القرآن على العلوم على مراتب:
١- إن يشتمل على أصول العلم وكثير من فروعه.
فهذا حظُّ علوم الشريعة من القرآن، فقد اشتمل القرآن على جميع أصولها، وجملة واسعة من تفاصيلها، وأحيل في بقية تفاصيلها إلى السُّنّة، وإلى استنباط المجتهدين.
٢- إن يشتمل على أصول العلم دون فروعه، أو مع نزر يسير من فروعه، إشارة إليها، وتنبيها عليها.
وهذا حظُّ بعض العلوم الدنيوية كالطبّ والفلك والحساب ونحوها.
٣- ألا يشتمل على أصول العلم المختصة به ولا فروعه، لكن يشتمل على أصوله البعيدة وموادّه العامة، مثل دلالته على الأصول التي تدرك بها العلوم والمعارف، وهي: العقل والحس والخبر، وما فيه من القواعد القطعية التي توزن بها المعارف، وتختبر على محكها.
وهذه المرتبة -كما ترى- ليست على ما رسمه السيوطي؛ فإن السيوطي يشترط إن يوجد في القرآن الدلالة على أصل كل علم، أي: الأصل القريب المختص بالعلم، بل على على كل مسألة هي أصل في بابها، كما في قوله: «فليس منها بابٌ ولا مسألة هي أصلٌ إلا وفي القرآن ما يدلُّ عليها».
وهذا منه -رحمه الله- إسرافٌ في الدعوى، من التزمها؛ بلغ ما بلغه بعض أهل عصرنا من دعاوى الإعجاز والسبق العلمي، وفيه ما قد عُلم من المجازفات، والله أعلم.
وبهذا تم الكلام على (الخطبة) والحمد لله.
تمام التَّعليق على الوِرد الأوَّل (٢)
⏺المادَّة الثانية: مقدِّمة لطيفة عقب الخطبة، ضمّنها السيوطي رحمه الله فائدتَين:
- الأولى: عدد آيات الأحكام، وهل يقتصر استنباط الأحكام على آيات الأحكام؟
- الثانية: طرق استنباط الأحكام من القرآن.
فهاتان فائدتانِ.
⏺الفائدة الأولى: عدد آيات الأحكام، وهل هي منحصرة؟
اختلف في عدِّ آيات الأحكام اختلافا كثيرا، فمنهم من قال: خمس مئة، كما حكاه المصنّف عن الغزالي، ومنهم من زاد، ومنهم من نقص، ومنهم من نفى الانحصار في عدد.
وهي مسألة مشهورة عند الأصوليين يذكرونها في مبحث شروط الاجتهاد.
ولعلَّ هذا التفاوت راجعٌ إلى اعتبار نوع الدلالة:
- فمن نظر إلى الآيات الدالَّة على الأحكام بطريق التصريح؛ حصر الآيات في عدد معيّن.
- ومن توسَّع في نوع الدلالة، فأدخل الدلالة الخفيَّة؛ لم يحصُرها في عدد.
وهذا الذي مال إليه السيوطي رحمه الله، فقال: «لعل مرادهم: المصرّح به؛ فإن آيات القصص والأمثال وغيرها يُستنبَط منها كثير من الأحكام». ثم حكى عن العز بن عبد السلام ما يؤيِّده.
وكذلك الزّركشيُّ رحمه الله نقلا عن ابن دقيق العيد رحمه الله:
«هو غير منحصر في هذا العدد؛ بل هو مختلف باختلاف القرائح والأذهان، وما يفتحه الله على عباده من [وجوه] الاستنباط، ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالّة على الأحكام دلالة أوّلية بالذات، لا بطريق التضمُّن والالتزام». «البحر المحيط» (٦/ ١٩٩).
ثم ذكر السيوطي رحمه الله إن دلالة الآيات على الأحكام نوعان:
١- دلالة بطريق التصريح.
٢- دلالة بطريق الاستنباط. وهي نوعان:
أ- إما بضمِّ آية إلى آية (الاستدلال المركب).
ومثَّل عليه بالمثال المشهور في أقل الحمل في قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} مع قوله تعالى: {وفصاله في عامين}.
فإذا كان الفصال في عامين أي: في أربعة وعشرين شهرا، فقد بقيت ستة أشهر تمام الثلاثين، وهي أقل مدة الحمل.
وهذا الاستنباط مشهور عن علي رضي الله عنه.
ب- وإما بغير ضمٍّ (الاستدلال المفرد).
ومثَّل عليه بثلاث آيات:
أ- قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}.
استنبط منه: تحريم الاستمناء.
ووجهه: إن الله أوجب حفظ الفرج، واستثنى من حفظه: الزوجة وملك اليمين، فبقي ما سواهما على المنع، ثم أكد المنع بقوله: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}.
وهو استنباط ذكره الشافعي رحمه الله في «الأم» (٥/ ١٠١-١٠٢). وتابعه عليه العلماء من بعد.
ب- قوله تعالى: {وامرأته حمّالة الحطب}.
استنبط منه: صحّة أنكحة الكفّار.
ووجهه: إن الله عز وجل أضاف امرأة أبي لهب إليه، بقوله: «وامرأتُه»، والإضافة تدل على صحّة الزوجيّة.
ج- قوله تعالى: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}.
استنبط منه: صحة صوم الجنب.
«ووجه الدلالة: من طريق الإشارة والاستلزام، وذلك إن الله -تباركَ وتعالى- أباحَ الجِماع إلى إن يتبين الخيطُ الأبيض من الخيطِ الأسود، ومعلوم إن من جامعَ قبلَ الفجرِ بلحظةٍ أنه لا يُدرِكُ فيها الاغتسال، وإنما يقعُ غسلُه بعدَ الفجر» «تيسير البيان» (١/ ٢٦٤).
وأصل هذه الفائدة -من تقسيم الاستنباط إلى ما فيه ضم آية إلى آية وما ليس فيه ذلك- منتزعٌ من المحصول للرازي.
⏺الفائدة الثانية: طرق استنباط الأحكام من القرآن.
وهي فائدة متمّة للأولى، مبنية عليها، منتزعة من كتاب: (الإمام في بيان أدلة الأحكام) للعز بن عبد السلام رحمه الله، وهو كتابٌ بديع الطِّراز، نادر المثال. ومراد العزِّ بأدلة الأحكام: الطرق الدالّة على الأحكام، إما بطريق اللفظ، وإما بطريق المعنى.
وحاصل هذه الفائدة: إن السيوطي أورد من كلام العزّ رحمه الله الطرق الدالّة على الأحكام، وهي ثلاثة أقسام:
⏺الطرق الدالة على الأمر، بقوله:
«كل فعل عظمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله = فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب».
وراجع ما ذكره العز من أمثلة على كل طريق من هذه الطرق، وهي ثلاثة وثلاثون طريقا، في «الإمام» (ص٨٧- ١٠٣).
⏺الطرق الدالَّة على النَّهي، بقوله:
«كلُّ فعلٍ طلب الشارع تركه، أو ذمه، أو ذم فاعله = فهو دليل على المنع من الفعل، ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على الكراهة».
وراجع ما ذكره العز من أمثلة على كل طريق من هذه الطرق، وهي سبعة وأربعون طريقا، في «الإمام» (ص ١٠٥ -١٢٥).
⏺الطرق الدالّة على الإباحة، بقوله:
«وتستفاد الإباحة من: لفظ الإحلال، ونفي الجناح والحرج والإثم، والمؤاخذة. إلخ».
وهذا الموطن لم أجده في كلام العز رحمه الله في الكتاب المذكور، وإن كان قد أشار إليه في المقدّمة.
وبهذا يتم الكلام على (المقدّمة)، والحمد لله رب العالمين.
تمام التَّعليق على الوِرد الأوّل (٣):
⏺المادّة الثالثة:
الاستنباطات من سورة الفاتحة.
هذا آخر ما بقي من التَّعليق على الورد الأول، وهو فاتحة التعليق على الاستدلالات المنتزعة من الآيات، وهو الذي نقصد فيه إلى شيئين:
🔸تقرير وجه الاستدلال.
🔸نقد الاستدلال.
والأصل في التعليق:
الانتخاب والاختيار، فلا نأتي على جميع الاستدلالات، بل على مواضع منتقاة، تكون تنبيهًا على ما وراءها بإذن الله، كاشفة عن سبيل النظر في سائرها.
إلا إن التعليق على سورة الفاتحة سيكون شاملا لجميع ما استنبط منها؛ لقلة عدد الاستنباطات المذكورة في الكتاب، ولجلالة موقع السُّورة وشرف مكانها. وهذا أوان سوق الكلام فيها.
(١) {الحمدُ لله ربِّ العالمين} [الفاتحة: ٢].
⏺قال المصنِّف رحمه الله:
«استدلَّ بالافتتاح بها مَن قال: إنّها أبلغ صيغ الحمد؛ لأنّها فاتحة الكتاب وخاتمة دعوى أهل الجنَّة» ا. ه مختصرا.
⏺تقرير وجه الاستدلال:
وجه كون هذه الصيغة هي أبلغ صيغ الحمد وأجلها فيما حكاه المصنِّف أمران:
١- أنها فاتحة الكتاب.
٢- أنها خاتمة دعوى أهل الجنَّة.
⏺نقد الاستدلال:
في هذا الوجه من الاستدلال عدولٌ إلى وجهٍ خفيٍّ؛ إذ لا يلزم من كون هذه الصِّيغة هي فاتحة الكتاب إن تكون هي خير صيغ الحمد، إلا بضميمةٍ دالَّةٍ على إن الله تعالى لا يفتتح كتابه إلا بأكمل الوجوه، ولا دليل على هذا، إلا محضُ المناسبة ولطافة التَّرتيب، فلا بد من تعضيد هذا بوجهٍ أقوى وأدلَّ، ولذلك طريقان:
الأول: الاستدلال بعادة الله تعالى في كتابه وذلك أنه يحمد نفسه العليَّة بهذه الصيغة كثيرًا؛ فدلَّ على أنها أكمل الصيغ. فالاستدلال بدلالة العادة المطّردة، أبلغ من الاستدلال بدلالة الافتتاح مجرَّدًا.
الثّاني: ما تتضمَّنه هذه الصيغة من المزايا؛ فإنَّ الحمد فيها معرّف ب(ال) الاستغراقية، فتفيد حمده بجميع وجوه المحامد، وما فيها من الجمع بين الألوهية في «الله» والربوبية في «رب العالمين» مع عموم الربوبية لجميع ما سواه.
(٢) {الرَّحمن الرَّحيم} [الفاتحة: ٣].
قال المصنّف رحمه الله:
«فيه إثبات الصِّفات الذَّاتيّة».
قلت: والوجه فيه ظاهر؛ فإنّ الرحمن والرحيم اسمان جليلان مشتقّان من الرّحمة، والرحمة صفة ذاتية لله تعالى، أي ملازمة لذاته العليّة تعالى وتقدس.
(٣) {مالك يوم الدِّين} [الفاتحة: ٤].
قال المصنٍّف رحمه الله:
«فيه إثبات المعاد».
قلت: والوجه فيه ظاهر؛ فإنّ يوم الدّين هو يوم الحساب والجزاء.
(٤) {إيَّاك نعبُدُ وإيَّاك نستعينُ} [الفاتحة: ٥].
ذكر المصنِّف ها هنا استدلالين:
⏺الاستدلال الأول:
ذكره بقوله: «فيه الإرشاد إلى تقديم الخضوع والتذلُّل على طلب الحاجة».
⏺تقرير وجه الاستدلال:
فيه استدلال بدلالة التقديم والتأخير في الآية؛ فإنه تعالى قدّٰم {إياك نعبد} على {وإيّاك نستعين} تقديمًا للعبادة وهي الخضوع والتذلل، على طلب الحاجة وهي الاستعانة.
⏺نقد الاستدلال:
هو استدلالٌ سديد، ينزع إلى أسرار التقديم والتأخير في القرآن، وهو باب جليل حافل.
وقد تواطأ العلماء على تقريره.
⏺الاستدلال الثّاني:
ذكره بقوله: «وقد جمع في هذه الآية إبطال الجبر والقدرة معا».
⏺تقرير وجه الاستدلال:
ذكر المصنِّف وجه الاستدلال حكايةً عن الثعلبي في تفسيره وحاصله:
«إن الله تعالى وصف عباده بأنهم يعبدون، فأثبت لهم كسبا، وعلَّمهم الاستعانة، ولو كان العبد مستطيعا الفعل قبل الإعانة؛ لما احتاج إلى الاستعانة».
⏺نقد الاستدلال:
لا شك إن في الآية نقضا لمذهب الجبرية ومذهب القدرية، لكن المصنّف قرر الاستدلال على طريقة الأشعرية في القول بالكسب، والكسب عندهم إثباتٌ لقدرة لا تأثير لها في المقدور (= الفعل)، بل هي علاقة اقتران عاديٍّ، فهو كسبٌ اسما، جبرٌ حقيقة وحكما.
وهو قول مضادٌّ لمن يجعل العبد خالقا لفعله، وهو قول المعتزلة.
وقول أهل السنة وسط بينهما؛ فالله خالق لفعل العبد، والعبد فاعل له.
وأما دلالة الآية على نفي القدرة والاستطاعة فدلالة صحيحة؛ لكن القدرة قدرتان:
١- القدرة السابقة للفعل، وهي القدرة الشرعية المصحِّحة للفعل، وهي صحة الآلات وسلامة الأدوات.
فهذه القدرة شرط في التكليف، ولو لم تكن سابقة للفعل؛ لم يصح التكليف، ولكان تكليفا بما لا يطاق.
وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}. وقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}.
فهذه القدرة ليست هي المطلوبة في الآية.
٢- القدرة المقارنة للفعل، وهي القدرة القدريّة الموجبة للفعل، وهي التي يحدثها الله تعالى في بعض خلقه فتنبعث دواعيهم إلى الطاعة، ويصرفها عن بعض خلقه، فلا تنبعث دواعيهم إلى الطاعة.
وهي المذكورة في قوله تعالى: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} ونحوها من الآيات.
فهذه القدرة هي المطلوبة في الآية: {وإياك نستعين}.
(٥)، (٦) {اهدنا الصِّراط المستقيمَ * صراطَ الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهِمْ ولا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: ٦-٧].
قال المصنِّف رحمه الله:
«فيه الإشارة إلى الاقتداء بالسَّلف الصّالح».
⏺تقرير وجه الاستدلال:
هذا المعنى لا يبِين كلَّ البيان إلا باستحضار التفسير، وقد كان المصنّف ذكر أنه إن توقف الاستنباط على التفسير، ذكر التفسير، ولكنه لم يفعل هذا هنا.
وقد جرى كثير من أهل التفسير على تفسير هذه الآية بنظيرها في سورة النساء وذلك قوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدّيقين والشهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا}.
ففي آية الفاتحة إرشاد لهم إلى الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم ولزومه والاستدامة عليه، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم، من النبيِّين والصدّيقين والشهداء والصالحين.
فهذا حظُّ التفسير، ثم ينبني عليه الاستنباط؛ فإن التفسير إنما يدل على اتِّباع عموم المنعَم عليهم من أهل الصَّلاح، وليس ذلك مختصًّا بالسَّلف، وأما تخصيص السَّلف بذلك؛ فيجري مجرى تحقيق مناط الآية؛ فإن الآية تدل على اتِّباع الصالحين في كل زمان؛ لعلّة الصلاح والاستقامة، وهذه العلة موجودة على أوفى ما يكون في السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم، بل هي فيهم أكمل ممَّن بعدهم، فيكون اتِّباعهم والاقتداء بهم مقدَّمًا على كلِّ أحدٍ، ويكون هذا المعنى أدخلَ في الآية، وأقرب إلى مقصودها.
⏺نقد الاستدلال:
استدلال سديد تامٌّ، وهو مبنيٌّ على تفسير القرآن بالقرآن، وفي معناه آثار كثيرة. والله أعلم.
💡لطيفةٌ: الفاتحة نسخة مختصرة من القرآن.
قال ابن جزيّ رحمه الله في «التسهيل» (١/ ٢٥٩-٢٦٠):
«هذه السُّورة جمعت معاني القرآن كلِّه؛ فكأنّها نسخةٌ مختصرةٌ منه:
- فالإلهيَّات حاصلةٌ في قوله تعالى: {الحمد لله ربِّ العالمين * الرَّحمن الرَّحيم}.
- والدَّار الآخرة في قوله: {مالك يوم الدّين}.
- والعبادات كلُّها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنَّواهي في قوله: {إيَّاكَ نعبدُ}.
- والشريعة كلُّها في قوله: {الصِّراط المستقيم}.
- والأنبياء وغيرهم في قوله: {الذين أنعمت عليهم}.
- وذكر طوائف الكفَّار في قوله: {غير المغضوب عليهم ولا الضَّالّين}».
التَّسهيل على قرَّاء «الإكليل»:
أحبُّ إن أُوذِن الكرام إن التَّعليقات على الأوراد تأتي تباعًا بحول الله على المنهج المرسوم، وإن تأخَّرت عن أوان الوِرد لعارضٍ ما.
لكنْ لعلّ بعض القراء يُحبُّ إن يصطحب مع ورده شيئا يقرِّب له المعاني -لا سيما إنٰ هذه التعاليق على مواضع منتقاة لا على جميع المواضع- فإنَّني أرشده إلى عملين على كتاب «الإكليل»:
▫️العمل الأوَّل: كتاب «الدَّليل إلى أصول أحكام الإكليل» للدكتور عبد الرَّحمن الحطَّاب، وهو منشور pdf، وسأضعه أسفل المنشور.
ومنهج الشيخ في التعليق يباين منهجنا هنا شيئا ما، فإنه عمد إلى أمرين:
⏺ اختصار متن كتاب الإكليل؛ بقصره على الاستنباطات الفقهيّة دون العقديّة والأصوليّة.
⏺ التَّعليق في الحاشية على هذه الاستنباطات؛ ببيان مآخذها الأصوليَّة.
فصار الفرق بين التَّعاليق التي تُكتب هنا وعمل الشيخ في «الدّليل» من وجهين:
⏺ التخصيص بالاستنباط الفقهي.
وهنا لا نلتزم بهذا.
⏺الاكتفاء بتقرير وجه الاستدلال دون نقده ومناقشته.
وهنا نعتني بنقد الاستدلال ومناقشته.
وكتاب «الدليل» مع هذا نافعٌ جدًّا للأصوليِّ في التمرُّن على تنزيل القواعد الأصولية على النُّصوص الشرعيَّة، وصاحبه من المَهَرة البارعين في هذا الشأن.
قال الشيخ حفظه الله في المقدِّمة:
«فأردتُ اختصار كتاب (الإكليل في استنباط التنزيل) لجلال الدِّين السّيوطي، بالاقتصار على أحكام الفروع الفقهية، فأخرجت كل ما ليس له صلة بالفروع الفقهية، ثم بيّنت أصولها ومآخذها التي بنيت عليها، مع التنبيه إن الأحكام الفقهية هي غالب مادة كتابه.
وإنَّما أفردتُ الأحكام الفقهيّة من كتاب الإكليل؛ رجاء إن يجد مكانا وحضورا في مجالس العلم والتدريس؛ ليكون خاصًّا بالأحكام الفقهية، وذا حجم مناسب، مع بيان مآخذها الأصولية المؤثرة في استنباط تلك الأحكام؛ إذ هي الجانب الأقوى في النظر والاستنباط، والأضعف في الطرح العلمي في نظري».
▫️العمل الثَّاني: مجالس في التعليق على كتاب «الإكليل» كاملا، للشيخ د. يوسف الشبل، ولم أستمع إليها، ولكن الشيخ من أهل التفسير العارفين به، وهو مظنَّة التَّجويد.
فمن أراد الاستئناس بهذين العملين، فهما حقيقان بذلك، وفيهما جهدٌ كريم، ونظرٌ حسنٌ.