بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
السؤال: ما صحة هاتين القاعدتين: لا قياس في الفضائل، ولا قياس في الرخص؟
الجواب:
1- قاعدة: "لا قياس في الفضائل" صحيحة لأن الفضائل توقيفية فإذا جاءت فضيلة لصلاة الجماعة مثلا فلا نقيس عليها غيرها، وكذا لو جاءت فضيلة لراتبة الفجر لا نقيس عليها غيرها من الرواتب وهكذا لو جاءت فضيلة للطواف لا نقيس عليه السعي مثلا، وكذا لو ثبت لزمان أو مكان فضل لا يقاس عليه غيره، وكذا لو ثبت فضل لشخص لا يقاس عليه غيره، وهكذا.
قال ابن عبدالبر: "ولكن الفضائل لا تدرك بنظر ولا مدخل فيها لقياس ولو أخذت قياسا لكان من نوى السيئة كمن نوى الحسنة"، وفي موطن آخر قال: "ولكن الفضائل في ذلك لا تعلم إلا بتوقيف ولا تدرك بقياس"(التمهيد).
وقال العلامة المقبلي: "إن الخوض في المفاضلة من دون توقيف مجازفة وتخمين؛ إذ مواقع الأعمال المتركبة من عدة أمور، وملاحظة جهات وكيفيات بعيدة عن إحاطة العقول بها" (العلم الشامخ).
2- أما قاعدة: "لا قياس في الرخص" فهذه تحتاج إلى إيضاح لأنها ليست صحيحة بإطلاق، ولا غير صحيحة بإطلاق:
فنظرا لكون الرخص معدول بها عن أصل فهي مستثناة من أصل، وهذا الاستثناء يجعل الفروع قليلة التي تحتوي على نفس العلة، لذا فإن المنع من القياس في الرخص عائد إلى سببين:
إما لكونها غير معقولة لأن غالبها في العبادات.
وإما لعدم المساواة بين الفرع والأصل في العلة فلا تتحقق نفس العلة فيها.
قال القرطبي: "يحتمل التفصيل بين إن لا يظهر للرخصة معنى فلا يقاس عليها، وبين إن يظهر فيقاس، وينزل الخلاف على هاتين الحالتين"(البحر المحيط).
فقد تشترك الرخص في الجنس لكن تختلف من جهة النوع كما في مشقة السفر ومشقة المرض فهما مشقتان متفقتان في الجنس لكن مختلفتان في النوع فليس كل ما يثبت للسفر يثبت للمرض كما في القصر مثلا، ومثله الفطر في رمضان يثبت في السفر والمرض لكن لا يثبت في بقية المشاق الأخرى كمن يعمل أعمالا شاقة: لا يفطر في رمضان.
وكذا لا نقيس الرأس أو الوجه أو اليدين، لو سترها على الرجلين في المسح في الوضوء بجامع سترها، فالمشقة في الرجلين مختلفة عن المشقة في غيره من أعضاء الوضوء فكل واحدة منها نوع مختلف فلا تتعدى محلها.
لذا قال إلكيا: "إنما نمنع القياس على الرخص إذا كانت مبنية على حاجات خاصة، لا توجد في غير محل الرخصة فيمتنع القياس لعدم الجامع كغير المسافر يعتبر بالمسافر في رخص السفر إذ يتضمن إبطال تخصيص الشرع"(البحر المحيط).
لكن في مقابل هذا، قاس بعض العلماء من يمرِّض المريض أو يكون مريضا على أهل السقاية والرعاة في جواز عدم المبيت بمنى أو له بمكة مال يخاف ضياعه.
وكذا قاسوا: قطع نبات الحرم للتداوي أو غيرها من المصالح، قياسا على الإذخر الذي جاءت الرخصة به.
وكذا جاءت الرخصة بالجمع بين الصلاتين بالمطر فألحقوا به الثلج والبرد والريح الباردة، وغيرها من الصور، فهذه الصور تماثلت علة الفرع مع علة الأصل في الرخصة فتم الإلحاق.
والذي يظهر لي والله أعلم إن الضابط في هذا: كل رخصة حصل في أصلها تعدية وقام عليه عمل معتبر: جاز النظر والاجتهاد في قياس غيرها عليها من الصورة المستجدة والمتغيرة.
وكل رخصة اتفق العلماء على عدم التعدية فيها لكون علتها قاصرة على محلها غير متعدية فلا يجوز النظر فيها، والله أعلم.