الاستدلال بعدم الدليل

78
6 دقائق
20 ذو القعدة 1447 (07-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، لدي سؤال في الاستدلال بعدم الحكم لعدم الدليل بأن يقول المستدل: (لا دليل على ذلك فليس مسنونًا).

فهل هذا دليل صحيح وهل هو الذي ذكره البيضاوي من الأدلة المختلف فيها ونقله عنه الزركشي؟

وإن ثبت أنه دليل فهل له ضوابط؟

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياكم الله أخي الفاضل:

مسألة: عدم الحكم لعدم الدليل: متفرعة عن مسألة أخرى وهي: هل على النافي دليل؟

فإذا قلنا: ليس على الصبي زكاة، هل يكفي هذا النفي أو يجب إن يدلل على هذا القول من النص أو الإجماع أو القياس أو المصلحة أو قول الصحابي أو العمل. الخ؟.

فيه خلاف بين الأصوليين، الجمهور على أنه يجب عليه الدليل لأن النفي حكم شرعي، وكل حكم شرعي يجب إقامته على دليل سواء كان نفيا أو إثباتا لا فرق، فكما يجب في الإثبات بالاتفاق فيجب في النفي.

ويُستثنى من النفي أمران لا يحتاجان إلى استدلال:

الأول: من نفى عن نفسه العلم بمسألة من المسائل، فقد اتفقوا على أنه لا يلزم النافي الدليل إذا كان يخبر عن شكه وعدم علمه، فقال: لا أعلم إن لله حكمًا في هذه الحادثة، أو يقول: لست على يقين إن لله حكمًا في هذه الواقعة، يقول ابن السمعاني: "أهل النظر قاطبة لا يوجبون على من يدعي الشك والجهل دليلًا، ولا يقال لمن جهل أو شك: لِمَ جهلتَ؟ أو شككتَ؟ ولو رام المدعى لذلك إقامة دليل عليه لم يمكنه ذلك".

الثاني: في الأمور الضرورية التي لا يختلف فيها أحد، وهذا بالاتفاق لا يحتاج إلى دليل، قال الشوكاني: "فإن الضروري يستغنى بكونه ضروريا، ولا يخالف فيه مخالف إلا على جهة الغلط، أو اعتراض الشبهة، ويرتفع عنه ذلك ببيان ضروريته، وليس النزاع إلا في غير الضروري".

وما عداهما: فإنه يلزم النافي الدليل.

وإذا تقرر مذهب الجمهور بأن على النافي دليل، فقد يكون الدليل النص أو الإجماع أو القياس أو غيرها من الأدلة، وقد يكون الدليل العدم، وهذا أصل مسألتنا.

بمعنى: هل يكفي في الدليل إن يقول المستدل: لم أجد دليلا لهذا الحكم، أي نفي الحكم لانتفاء الدليل بعد البحث والاستقصاء، أو يجب عليه إن يقيم دليلا غير نفي الدليل: من النصوص أو الإجماع أو القياس أو غيرها من الأدلة الثبوتية، فهذه المسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء.

فبعضهم: جعل نفي الدليل دليلا يحتج به، وهو أقول أبي الحسين البصري والبيضاوي وابن السبكي وغيرهم، وبعضهم جعل نفي الدليل ليس دليلا يحتج به.

وهذه المسألة لها صلة قوية بدليل الاستصحاب فالاستصحاب: استصحاب عدم الناقل عن البراءة الأصلية، أو استصحاب عدم الناقل عن الدليل الشرعي، فهو إثبات حكم في الزمان الثاني لثبوته في الزمان الأول، فالاستصحاب دليل عدمي يشبه الاستدلال بعدم الدليل، لكن عدم الدليل نفي للحكم لعدم الدليل للملازمة بين الدليل والحكم فمتى انتفى الدليل انتفى الحكم، أما الاستصحاب فنستصحب حكم البراءة الأصلية أو حكم دليل شرعي لعدم الناقل عنهما، فبينهما تشابه، لكنهما ليسا شيئا واحدا، والذي يظهر قوة التداخل بينهما إذ لا توجد مسألة خالية عن دليل يمكن إن يستصحب في الزمن الثاني بناء على حكمها في الزمن الأول، وبالتالي يعود الدليل عدم وجود حكم لعدم الدليل في غالبه إلى الاستصحاب.

يقول الشيرازي في اللمع: "فأما استصحاب حال العقل فهو الرجوع إلى براءة الذمة في الأصل، وذلك طريق يفزع إليه المجتهد عند عدم أدلة الشرع، ولا ينتقل عنها إلا بدليل شرعي ينقله عنه، فإن وجد دليلا من أدلة الشرع انتقل عنه، سواء كان ذلك الدليل نطقا أو مفهوما أو نصا أو ظاهرا؛ لأن هذه الحال إنما استصحبها لعدم دليل شرعي فأي دليل ظهر من جهة الشرع حرم عليه استصحاب الحال بعده".

ويقول ابن تيمية: "لنفي الحكم ثلاثُة مسالك: أحدها: التمسك بالاستصحاب المحض، مثل إن يقال في مسألة وجوب الوتر أو الأضحية أو غير ذلك: الأصلُ عدمُ الوجوب، والذمةُ كانتْ بريئةً من الإيجاب، وليس في الشرع ما يُزِيل ذلك، فالأصل بقاءُ الذمةِ بريئةَ من الوجوب.

والمسلك الثاني: إن نُبين من أدلة الشرع العامة ما ينفي الوجوبَ والحرمةَ فيما لم يُوجِبْه الشارعُ ولم يُحرمه.

والمسلك الثالث إن يقال: الحكم الشرعي لا يثبت إلاّ بدليله، والدليلُ مُنتفٍ، فلا يثبت. وهذا يُسَمَى حَصْرَ المداركِ ونفيها، وهذا مضمونُه إن ثبوتَ الحكمِ في حَقَّنا بدون دليلٍ منتفٍ، والدليلُ منتفٍ، فيَنْتَفي الحكمُ، وإذا انتفى أحدُ النقيضين ثبتَ الآخر"(جامع المسائل).

والذي يظهر والله أعلم إن المجتهد متى استفرغ جهده وكان أهلا للاجتهاد ولم يظفر بدليل فيكون حجة ظنية غير قطعية، في فتواه واختياره، وهو على رتبتين:

الأولى: ما تتوفر الدواعي على نقله ثم لم يجد المجتهد دليلا فيها فهذا أقوى في الاعتداد به كما نسب ذلك الزركشي للإمام الشافعي: "بل ظاهر كلام الشافعي التفصيل بين إن يكون مما تتوفر الدواعي على نقله أم لا"(البحر المحيط).

فيستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، ثم مثل بما تتوفر الدواعي على نقله بأمثلة كثيرة منها: كما يُعلم أنه لم يكن عليه الصلاة والسلام يصلي المكتوبات وحده بل إنما كان يصليهن في الجماعة، بل كما يُعلم أنه لم يكن هو وأصحابه يحملون التراب في السفر للتيمم، بل كما يُعلم أنه لم يصل على غائب غير النجاشي (مجموع الفتاوى لابن تيمية).

الثانية: ما لم تتوفر الدواعي على نقله فهو حجة ظنية، لكنه أضعف من السابق لأن قيام الاحتمال بوجود دليل أقوى من الأولى.

قال الطوفي: "أما المجتهد الذي يمكنه الوقوف على الدليل فتمسكه بعد الجد والاجتهاد في طلبه إنما هو: بالعلم بعدم الدليل، لا بعدم العلم بالدليل، فهو كبصير اجتهد في طلب المتاع من بيت لا علة فيه مخفية له فليس في ذلك البيت أمر يستر المتاع، فيخفيه عن طالبه فيجزم بعدمه عند ذلك، فكذلك المجتهد إذا بالغ في طلب الدليل، فلم يجده، جزم بعدمه، فإن لم يجزم به، غلب على ظنه، وهو كاف في العمل لا سيما وقواعد الشرع قد مهدت، وأدلته قد اشتهرت وظهرت وفي الدواوين قد دونت فعند استفراغ الوسع في طلب الدليل ممن هو أهل للنظر والاجتهاد يعلم أنه لا دليل هناك. وحينئذ يكون الاستصحاب منه تمسكا بالعلم بعدم الدليل الناقل، لا بعدم العلم به". (شرح مختصر الروضة (3/ 153).

فالاستدلال بعدم الدليل تارة يكون قويا وتارة يكون ضعيفا فيتقوى بحسب قوة العالم وقدرته على الاستقراء الكامل للأدلة، وكذا بحسب المسألة وضوحا وخفاء، وتوفر الدواعي على نقل الأدلة من عدمها، وغيرها من الأحوال الكثيرة، فيكون حجة لكنها ظنية لا تصل للقطع، فهي مترددة في مسارب الظن من أعلاه إلى أدناه بحسب حال المجتهد وقدرته على الاستقراء. لكن لا يتوسع فيه في القضايا الشرعية لكثرة الأدلة والاستنباطات الدقيقة من النصوص الكثيرة فالأدلة كثيرة واسعة، ومن أكثر من قوله: لا دليل في هذه المسألة فهذا يدل على ضعفه وقلة نظره واطلاعه.

ومما نقله الزركشي عن النجم المقدسي قوله عن لمجتهد النافي للدليل: "بأنه يحتاج إلى الاطلاع على جميع النصوص من الكتاب والسنة، ثم إلى معرفة جميع وجوه الدلالات. وهذا أمر لا يستطاع للبشر. وأسرار القرآن والسنة كثيرة، ومظانها دقيقة، وعقول الناس في فهمها مختلفة، حتى إن منهم من يتكلم على الآية الواحدة أو الحديث الواحد مجلدات كثيرة في فوائدها ودلالتها، ومع ذلك لا ينتهي، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن: ((هو الذي لا تنقضي عجائبه)) فلا يمكن الإنسان علم عدم النص الدال على نفي الحكم إلا إذا علم ذلك كله، وهو مستحيل، ولو فرض علمه به لغفل عنه في بعض الأوقات، كما رووا إن عمر رضي الله عنه أنكر المغالاة في المهر حتى قالت له المرأة: كيف منعناه وقد أعطانا الله ثم قرأت: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] ولا شك إن عمر رضي الله عنه كان حافظا للآية عالما بها، ولكن ذهبت عنه ذلك الوقت، فعلم إن ذلك عسر جدا، فكيف يصير قوله: "بحثت فلم أجد" دليلا؟ وقد يكون علمه قليلا وفهمه ناقصا وقوله غير مقبول، فلعله وجد وكتم، خوفا أو غيره. وفي تجويز ذلك فساد عظيم. (البحر المحيط).

أما إنكار كونه ليس دليلا أصلا فهذا فيه بُعد لا يخفى، وانظر في حياتنا كلها نجدها مقامة معتمدة على عدم الدليل، ففي عوائدنا المتكررة مرتهنة للاستصحاب بأدلة سابقة متقررة عندنا لعدم وجود ناقل عنها في الأكل والشرب من أطعمة وأشربة وألبسة ومراكب ومساكن لعدم وجود الناقل بكونها على أصلها لم تتغير بما يسبب ضررا لنا منها، وكذا في الطرقات نتجه إليها لنسلكها كل يوم استصحابا لعدم المغير لها، وكذا في علاقاتنا في حياتنا مع أصدقائنا وزملائنا وأزواجنا وأولادنا الأصل فيها عدم المغير، فيتداخل هذا مع عدم الدليل، إذ لا يوجد شيء خال من الدليل أصلا فكل العوائد مبنية على دليل في زمن سابق يستصحب حكمه في الزمن الثاني. والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

انظر ثلاثة بحوث:

١-مطالبة النافي بالدليل/ هدى المهدي.

٢-الاحتجاج بعدم الدليل/ د. خالد العروسي.

٣-العلاقة بين الاستدلال بعدم الدليل وبين استصحاب العدم الأصلي/ عبدالغفور عمراوي، محماد رفيع.


مقالات ذات صلة


أضف تعليق