الواو العاطفة والحالية

62
5 دقائق
20 ذو القعدة 1447 (07-05-2026)
100%

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

السؤال: هل واو العطف في عطف الجمل تدل على السببية أو الترتيب، كما في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282]، وقوله تعالى: قوله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ } [العنكبوت: 45]، لا سيما إن بعض المتأملين في هذه الآية أشار إلى أنه قبل إن يصلي المرء يحسن إن يقرأ ما يريد قراءته في الصلاة قبلها ليتدبره، وقد وجد لذلك أثرا في صلاته، بناء على دلالة الترتيب بين الجمل المتعاطفة، فهل مسلكه صحيح بهذا الاستنباط، أو يعد من الإحداث والابتداع؟

الجواب: حياكم الله أخي الفاضل: الأصل في الواو العاطفة أنها لمطلق الجمع عند جمهور النحويين والأصوليين، لا تكون للترتيب ولا للتعقيب ولا للتعليل ولا للمعية، قال السبكي: *الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة لأنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب مثل: *تقابل زيد وعمرو*، و*جاء زيد وعمرو قبله* لأنها كالجمع والتثنية وهما لايوجبان الترتيب*(الإبهاج)، قال الله تعالى: {وَادْخُلُوا البَابَ سُجدَا وَقُولوا حِطَّةٌ}، وقال: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلوا البَابَ سُجدا} والقصة واحدة.

لكن ذكر عن الإمام الشافعي إن الواو للترتيب، وهذا لم يصح فيه نقل عنه كما حققه غير واحد، إنما أخذ عنه استنباطا في إيجاب الترتيب في الوضوء أخذا من آية الوضوء، ثم اشتهر الترتيب في الواو العاطفة ونقل عن الشافعية، ونسب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

ونسبت المعية إلى الصاحبين: أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني رحمهما الله.

لكن المختار الصحيح الذي تدل عليه الأدلة المنقولة من نصوص الكتاب الكريم وأقوال العرب وأشعارها: أنها لا تدل على ترتيب ولا معية، قال الآمدي: *أما الواو فقد اتفق جماهير أهل الأدب، على أنها للجمع المطلق غير مقتضية ترتيبًا ولا معية، ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقًا، ونقل عن الفراء أنها للترتيب حيث يستحيل الجمع؛ كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]* ثم رجح الرأي الأول بعد ذكر أدلة الفريقين بقوله: *وبالجملة فالكلام في هذه المسألة متجاذب: وإن كان الأرجح هو الأول في النفس*(اِلإحكام).

وقال النووي: *صار علماؤنا إلى إن الواو للترتيب، وتكلّفوا نقل ذلك عن بعض أئمة العربية، واستشهدوا بأمثلة فاسدة*(المجموع).

أما كونها تعليلية فعلى كل الأقوال لا تكون الواو العاطفة تعليلية أبدا لأن الواو ليست من أحرف التعليل، فينتفي تبعا لذلك تأثير المعطوف عليه على المعطوف فلا يكون بين المتعاطفين سببية.

فقوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا} [الزلزلة: 1- 3] لا علة لأحد المتعاطفات بالنسبة للآخر، لا المتقدم على المتأخر ولا المتأخر على المتقدم، بل كلها ناشئة عن معلول واحد، ونحو: {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} [آل عمران: 43]، ونحو: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} [الحاقة: 7].

وهنا تأتي القاعدة الأصولية الشهيرة: *الاقتران في النظم لا يستلزم الاقتران في الحكم*، على ما عليه جمهور الأصوليين، كما في الأمثلة السابقة، إلا إن جاء الحكم مجملا ثم فصل، فالاقتران في النظم ينتظم فيه أصل الحكم، لكن بلا مساواة، نحو قوله تعالى: {قلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151]، ونحو: "حق المسلم على المسلم ست". ونحو: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، ونحو: "الفطرة خمس" .

وينبه هنا: أنه مع اشتراكها في أصل الحكم، لا يلزم التساوي في قوة الحكم ورتبته وقدره، ولا في العلة، نحو {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} [المائدة: 3]، فهي وإن اشتركت بحكم واحد وهو التحريم إلا أنه ليس برتبة واحدة، وكذا أسبابه مختلفة.

ونحو: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23].

وكذا نهي النبي ﷺ: "عن كلَّ ذي نابٍ من السباع وكلَّ ذي مخلبٍ من الطير".

أما إذا كانت الجمل المتعاطفة تامة، لا تعلق للجملة بالأخرى إلا بمجرد العطف، فلا يستلزم الاقتران في النظم الاقتران في الحكم، كما في قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] فهنا ثلاثة أحكام كل حكم منفصل عن الآخر فلا علاقة للجملة بالجملة، الأكل ودفع الزكاة والنهي عن الإسراف، لا يستلزم التساوي بينها في الحكم، ونحو "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة"، قال ابن دقيق العيد: *وأما الاستدلال بالاقتران: فهو ضعيف، إلا أنه في هذا المكان قوي لأن لفظة: (الفطرة). الخ*.

إذا عدنا إلى المثال المذكور في السؤال: في قوله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} [العنكبوت: 45] فهذه الجمل المتعاطفة تامة منفصلة عن بعضها معطوفة على بعضها، لا تأثير لواحدة على الأخرى، فهما جملتان إنشائيتان لعملين مطلوبين من المكلف، فالجامع بينهما بالعطف: الطلب، فلا دلالة بتعليل التلاوة بالصلاة، ولا الصلاة بالتلاوة، ولا يشعر ترتيب بينهما ولا يوجب مساواة القدر، ولا ترابط زماني ولا مكاني ولا حالي بينهما، فهما أمران مطلقان منفصلان يحصلان بمرة واحدة، بدلالة هذا اللفظ، أما إذا جمعت معه دلالة ألفاظ أخرى فينظر في دلالتها مجتمعة.

ولا يظهر حتى على من يقول بكون الواو تفيد الترتيب: استنباط تقدم الصلاة بتلاوة، والتزامه بما يشبه الأمر الراتب الذي لا يفارقه المتعبد بكل صلواته، كما في السؤال، أخذا من هذه الآية مجردة لأن دلالتها على المراد ضعيفة، لكون الواو لا تدل على الترتيب، حتى يثبت بها سنة نبوية صحيحة أو عمل مأثور أو أقوال متواردة فيها عن السلف، أو استنباط أحد الأئمة يقيم عليه دلائل معتبرة، فلا يكفي مجرد الدلالة اللغوية الضعيفة لإثبات حكم تعبدي يلتزمه المكلف دون دلائل صحيحة معتبرة، على إن تفسير قوله تعالى: {أتلُ ما أوحي إليك} ذكر المفسرون معنيين له: أنه اتباع القرآن والعمل به لا تلاوته، والتلاوة أي قراءة القرآن. (زاد المسير). فليس المعنى متمحضا للتلاوة، فاجتمع ضعف المعنى المستنبط، والخلاف في أصل الأمر ب(أتل).

ومثله يقال في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] هما جملتان منفصلتان كاملتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، الأولى إنشائية: أمر بالتقوى، والثانية خبرية تذكيرية بنعم الله على العبد الكبيرة ومنه العلم كما قال تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، فليست الأولى معللة بالثانية ولا العكس فكل مؤمن مطلوب منه التقوى، وشكر الله على نعمة العلم فهذا الجامع بينهما.

وهنا أنبه: على إن واو العطف، قد تلتبس بالواو الحالية التي تأتي لبيان الحال، فالحالية ضابطها أنها بمعنى: (إذ)، والحال قد تتضمن التعليل، فليس هذا أصل غرضها لكن قد تكون الحال مشعرة بالتعليل، وهذا يفهم من السياق، نحو قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] فهنا الحال: (وأنتم عاكفون) تبين سبب المنع.

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] فحال سكرهم سبب منعهم من الصلاة.

ونحو قوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، ونحو قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] ف (أنتم تعلمون ) و(وأنتم تتلون) حالية تفيد معنى النهي.

وقوله تعالى: {لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف: 14] فكونهم عصبة مانع من أكل الذئب ليوسف.

لكن قد تأتي الواو الحالية ولا يظهر منها معنى التعليل: نحو قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5].

وقوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [آل عمران: 154].

وقوله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 50].

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حذر الموت} [البقرة: 243].

فهذه الآيات تبين الحال، لكن لا يوجد فيها معنى التعليل. والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


مقالات ذات صلة


أضف تعليق