بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
هذه جمل وجيزة جامعة في تلخيص مسألة رؤية النبيِّ ﷺ لربه تبارك وتعالى، كنت قد قيدتُها من سنوات، فاستحسنت تقريبها وإذاعتها.
فأقول:
رؤيةُ النَّبيِّ ﷺ لربِّه- تبارك وتعالى- على ثلاثة أقسام:
القسمُ الأول: رؤية النَّبيِّ ﷺ لربه تبارك وتعالى في الدُّنيا منامًا:
فلا خلاف بين أهل السُّنَّة في إن النبي ﷺ رأى الله تبارك وتعالى في منامه -على غير صفته الحقيقية-.
القسم الثاني: رؤية النَّبيِّ صلى لربه تبارك وتعالى في الأرض يقظةً:
فلا خلاف في إن رؤية النبي ﷺ لله تعالى بعينيه في الدنيا: باطلة، وكل ما روي في ذلك فهو موضوع بالاتفاق.
القسم الثَّالث: رؤية النَّبيِّ ﷺ لربه تبارك وتعالى ليلة الإسراء والمعراج:
فهذه الرؤية هي التي وقع فيها الخلاف: نفيا، وإثباتا.
والناس فيها على مقامين:
المقام الأول: إنكار الرؤية مطلقا، سواء كانت رؤية عينية أم رؤية قلبية، وهو ظاهر قول عائشة رضي الله عنها: "من حدثك إن محمدا رأى ربه، فقد أعظم على الله الفِرية".
وكذلك من وافقها.
وقد يحمل إنكار عائشة رضي الله عنها على إنكار الرؤية البصرية دون القلبية.
المقام الآخر: إثبات الرؤية، وهو مذهب ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر أهل السنة.
وهؤلاء في الإثبات على درجتين:
الدرجة الأولى: إثبات رؤية الفؤاد، وهو قول ابن عباس وأكثر أهل العلم من بعده، ورواية عن أحمد.
الدرجة الثانية: إثبات رؤية البصر، وهو مروي عن ابن عباس ومروي عن أحمد أيضا.
ونسبة هذا القول لحبر الأمة ابن عباس والإمام أحمد من بعده نسبةٌ غالطة خاطئة؛ وإنما نُسِب ذلك إليهما؛ لأنهما تارة يطلقان الرؤية، وتارة يقيدانها برؤية الفؤاد، فيظن من وقف على الإطلاق إن المراد الرؤية البصرية، وهذا غلط، والصواب: إن يحمل إطلاقهما على تقييدهما، فيكون المقصود الرؤية القلبية لا غير.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-:
*وأما الرؤية؛ فالذى ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربَّه بفؤاده مرتين.
وعائشة أنكرت الرؤية.
فمن الناس من جمع بينهما؛ فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد.
والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هى مطلقة أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: رأى محمد ربَّه، وتارة يقول: رآه [بفؤاده]، ولم يثبُتْ عن ابن عباس لفظ صريحٌ بأنه رآه بعينه.
وكذلك الامام أحمد: تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده، ولم يقل أحد إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق؛ ففهموا منه رؤية العين، كما سمِع بعضُ النَّاس مطلق كلام ابن عباس، ففهِم منه رؤية العين.
وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلُّ كما في صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: "نورٌ أنَّى أراه"؟!
وقد قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا﴾ ولو كان قد أراه نفسَه بعينه؛ لكان ذكر ذلك أولى.
وكذلك قوله: ﴿أفتمارونه على ما يرى لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ ولو كان رآه بعينه؛ لكان ذِكْرُ ذلك أولى*. «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٠٩، ٥١٠).
تذييل:
مختصر المسألة:
إن رؤية النبي ﷺ لربه تبارك وتعالى على ثلاثة أقسام:
أ- رؤيته لربِّه-تبارك وتعالى- منامًا، وهذه الرؤية لا خلاف بين أهل السنة والجماعة في وقوعها له عليه الصلاة والسلام.
ب- رؤيته لربه-تبارك وتعالى- عيانًا في الدُّنيا، وهذه الرؤية قد أجمع المسلمون على عدم وقوعها للنبي ﷺ، وكل ما رُوي فيها، فهو مختلقٌ مكذوب.
ج- رؤيته لربه-تبارك وتعالى- ليلةَ الإسراء والمعراج، فهذه الرؤية هي التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة: نفيًا وإثباتًا، وجمهور أهل السنة على إثباتها، على خلاف بينهم في نوع الرؤية.